المقالات
السياسة
السودان و مصر علاقة أخوة و مصالح متعارضة
السودان و مصر علاقة أخوة و مصالح متعارضة
04-28-2013 01:19 AM


إن قضية تناول العلاقات السودانية المصرية يشوبها الكثير من التداخلات العاطفية و السياسية, و العقلية المصرية تهتم بالمصالح المصرية و تكيف العلاقة وفقا لها, و تعمل علي كيفية الحفاظ علي المصالح المصرية في السودان, و هي ترتفع و تنخفض وفقا لرؤية الجانب المصري لتلك المصالح, و الجانب السوداني تتداخل فيه العواطف و السياسة بعض الشيء, بحكم إن مصر الدولة المتيسرة الدخول بالنسبة للسودانيين و ممارسة التجارة و بعض الخدمات فيها, و العلاقات السودانية المصرية قد مرت بمراحل مختلفة منذ قيام ثورة يوليو 1952 حتى انتخاب الرئيس الجديد مرسي, حيث صادفتها تطورات مهمة جدا و كان دائما يظهر الاختلاف حول وجهات النظر, الأمر الذي لا يقبل في شمال النيل أن يكون للسودانيين أية وجهة نظر في قضية مطروحة, و أن الأخوة في مصر لهم الحق وحدهم في قضية الدفاع عن الحقوق, و لكنهم يذهبون في الدفاع عن حقوقهم إلي درجة السخرية من السودانيين, باعتبار إن السودانيين لم يتجاوزوا عقلية بواب العمارة التي ظهرت في الكثير من الأفلام المصرية, و من خلال تلك النظرة استمرت العلاقة بين البلدين لا تأخذ الندية أنما كل ما تطلبه مصر فهو مطاع و يجب علي النخب السودانية الاستجابة إليه, دون أن تسأل أو تستفسر. و وفقا لهذا الفهم كانت و ما تزال مصر تتعامل مع الجانب السوداني من خلال جهاز الأمن و المخابرات, و لم ينتقل ملف السودان إلي وزارة الخارجية للتعامل بندية.
بعد هزيمة 1967 و التي استولت فيها إسرائيل علي مساحات من الأرض المصرية, دعا السودان الذي كانت تحكمه القوي السياسية الحزبية في نظام ديمقراطي, لعقد قمة عربية لكي تزيل أثار الهزيمة و الاستعداد لجولة جديدة يسترد فيها العرب مكانتهم في العالم, و استرداد أراضيهم التي استولت عليها إسرائيل, و بالفعل نجح المؤتمر و تمت المصالحة بين جمال عبد الناصر و الملك فيصل ملك السعودية بعد عداء استمر لسنين عددا, و لكن بعد المؤتمر خططت مصر مع بعض السياسيين الموالين إليها انقلابا عسكريا ضد النظام الديمقراطي, و في عام 1977 عندما ذهب الرئيس أنور السادات للقدس, و عقد مؤتمر بغداد لدول الصمود لكي يتخذ موقفا من السياسية الجديدة لأنور السادات, و وافق السودان لحضور المؤتمر و انتقد الزيارة و قف الرئيس المصري في برلمانه ذلك الوقت يشتم في السودان قال ( هناك رئيس في دولة جارة لنا مفتكر نفسه رئيس حقيقي عندهم الرغيف مثل ديل الكلب قال أيه بيقف ضد سياسة مصر) و هذا الحديث يؤكد أن الفهم عند الأخوة في الشمال أننا دولة تابعة و ليس لدينا أية حق أن نقف مع القضايا التي تحقق مصالحنا, لذلك عندما بدأ الأقلام السودانية تكتب عن حلايب و أنها أرض سودانية بدأ الإعلام المصري يستخدم السخرية علي السودانيين مما يؤكد إن العقلية المصرية لم تتغير إلا إذا أجبرت للتعامل بالندية و أصبح السودان دون خوف أو وجل ينظر لمصالحه أولا و أخيرا, ثم بعد ذلك ينظر للعلاقة مع الأخوة أن كانوا في الوطن العربي أو القارة الإفريقية كما تتصرف أية دولة تحترم سيادتها و مصالح شعبها.
في التسعينات و بعد محاولة الاغتيال الفاشلة للرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا, دعت المعارضة السودانية لمسيرة تدين المحاولة, و أذكر قد أتصل بى معارض من الوزن الثقيل, و قال إلي بكرة ما تنسوا تخرجوا في المسيرة, فقلت و الله أنني مريض و لا استطيع الخروج قال "لا لا لا أنت عاوز الجماعة يقولوا انتم مؤيدين النظام" و الشيء بالشيء يذكر قال أحد المعارضين و كان وزيرا للإعلام في العهد الديمقراطي تربطه علاقة بحكم العمل مع صفوت الشريف, و الذي كان وزيرا للإعلام في ذلك الوقت, و كان الوزير السوداني يرسل لزميله المصري " قفص من المانجو " أسبوعيا علي الطائرة السودانية, و قال عندما تخلف أسبوع عن إرسال القفص, أتصل به صفوت الشريف و قال له " فين ياعم الافص دا انت نسيت ولا أيه " قال قلت له أسف سوف أرسله و لكن سعادة الوزير نحن نريد نأتي مصر لكي.... و فجأة قاطعني و قال وقبل ما أكمل الجملة " ياعم انت أرسل الافص و بعدين نشوف أنت عاوز أيه" و قال عندما سقط النظام الديمقراطي, و ذهبت إلي القاهرة اتصلت بمكتب صفوت الشريف و عرفتهم بنفسي, و طلبت منهم مقابلته, قالوا أنهم سوف يتصلون و أخيرا قالوا " يا عم شيل الموضوع دا من رأسك هو ما حيقدر يقابلك" و كيف يقابل الوزير المصري وزيرا مهمته الأساسية هي إرسال أقفاص من المانجو, هذه هي العقلية السودانية القيادية التي تقلل شأننا مع الآخرين و بقدر ما تقدم نفسك يتعامل معك الآخرين..
و في التسعينات و بعد فشل محاولة الاغتيال, و بدأ التصعيد في الخطابات الداعية لمحاكمة النظام في السودان, و تهديد النظام في أديس أبابا حكام الخرطوم بأنهم سوف ينقلون القضية إلي مجلس الأمن, بدعم من النظام المصري, بدأ النظام في السودان يتخوف من فرض عقوبات اقتصادية أكثر حدة و محاصرته دوليا, و بدأ يقدم تنازلات كبيرة خاصة للنظام في مصر, و في تلك الفترة بدأ النظام في مصر يدخل حلايب بصورة مباشرة, و يغير طبيعتها الديموجرافية, و دخلت القوات المصرية و احتلت المنطقة تماما, و من ثم بدأ إبعاد القوات السودانية من المنطقة مع صمت نظام الإنقاذ, و كل ذلك كان تحت سمع و بصر النظام الذي عجز عن الدفاع عن الأرض السودانية, خوفا من التضييق عليه, في تلك الفترة أيضا سكتت المعارضة السودانية لأنها كانت مستضافة في الأرض المصرية, و أذكر في تلك الفترة سألت أحد المعارضين السودانيين قال " طبعا لا نستطيع أن نقول شيئا الآن لكن أكد أن مصر سوف تخسر القضية, و سوف تخسرها إذا ذهبت لهيئة التحكيم الدولية" و الغريب في تلك الفترة كتب الصحافي إبراهيم عبد القيوم مقالا في جريدة الاتحادي التي كان يرأس تحريرها يؤكد فيه حق مصر في أرض حلايب, فقلت له هل أنت مقتنع بإن حلايب مصرية, و نائب حلايب معنا في القاهرة يطالب ليل نهار من المعارضة أن تتخذ موقفا و القوم عنه منصرفون أنت بمقالك هذا تزيد الطين بلة.
أعتقد إن ما يقوم به النظام السوداني من توزيع الأراضي علي الأحزاب المصرية, بهدف الدفاع عن النظام, أو عدم معاداته, يعتبر موقفا ضد المصالح السودانية, و في الوقت الذي يمنح النظام حزب الوفد المصري 100 ألف من الأفدنة الصالحة للزراعة تقوم قناة الحياة التابعة للوفد بالسخرية من السودانيين, لأنهم قالوا إن حلايب سودانية و ترجعهم مرة أخرى لفترة البوابين.
و من مصلحة السودان و مصلحة الدولة التي تنظر إلي مصالحها و مصالح شعبها و علاقاتها في الجوار, أن تذهب في ذات الاتجاه الذي ذهبت فيه دول حوض النيل, في تعديل اتفاقية المياه الموقعة بين السودان و مصر عام 1959, و هي اتفاقية مجحفة تماما للدول الأفريقية التي تتطلع شعوبها في التنمية و الرفاهية, و حتى إذا لم ترغب تلك الدول في تعديل اتفاقيات مياه النيل, يجب علينا لمصلحة الزراعة و التنمية في السودان إعادة النظر فيها حيث تقول اتفاقية مياه النيل ( أن تحتفظ مصر بحقها من مياه النيل و قدره 48 مليار متر مكعب و السودان علي أربعة مليار متر مكعب ثم وفقت الدولتان علي أن تشيد مصر السد العالي و يشيد السودان خزان الرصيرص و توزع الفائدة المالية من مياه السد التي تبلغ 33 مليار متر مكعب أن يحصل السودان علي 14.5 مليار متر مكعب و مصر 7.5 مليار متر مكعب لكي تكون أجمالي حصة السودان 18.5 مليار متر مكعب و مصر 55.5 مليار متر مكعب ) أليست هذه قسمة غير عادلة, فإذا كان السودان ذلك الوقت يعتمد علي 15% من مياه النيل الآن أصبح يحتاج إلي أضعاف تلك النسبة المئوية و لا يستطيع التحصيل عليه إلا إذا تم إعادة النظر في اتفاقية مياه النيل حسب احتياجات تلك الدول في التنمية.
و قرار دولة جنوب السودان أنها لا تعترف بتلك الاتفاقية هذا حقها و يجب عليها مراجعتها أم إن السودان سوف يتقاسم تلك النسبة مع دولة جنوب السودان و تحتفظ مصر بنسبتها دون تغيير, أعتقد أن عملية المراجعة لا تغضب مصر و بقدر ما مصر حكومة و شعبا يدافعون عن الحقوق المصرية و هذا حقهم و لا يلومهم عليه شخص, أيضا السودان يجب عليه أن يبحث عن حقوقه في مياه النيل خاصة بعد ما فقد السودان نتيجة للانفصال مراعي طبيعية ذهبت لدولة جنوب السودان فالتفكير يجب علي توطين تلك الثروة و عمل مراعي و مشاريع زراعية كبيرة تحتاج إلي مياه أكثر مما هي منصوص عليها في اتفاقية 1959 و الدفاع عن الحقوق و صيانتها لا اعتقد تغضب الخوة في مصر و هذه لا تقلل من العلاقات المتميزة بين الدولتين.
و من مصلحة السودان أن يوقع علي اتفاقية "عنتيبي " و التي وقعت عليها 6 دول أفريقية عام 2010 ( أثيوبيا – رواندا – كينيا – أوغندا – تنزانيا) و انضمت إليها بورندي عام 2011) فالسودان و دولة جنوب السودان يجب عليهما أن لا يتخلفا عن أخوتهم في حوض النيل, و لا يترددوا في توقيع الاتفاقية التي تراعي احتياجات كل دولة من المياه حسب مشروعاتها الاستثمارية, و يجب أن لا تظلم مصر باعتبارها دولة مصب, و اعتقد إن الأخوة في مصر يعترفون أن تلك الاتفاقيات تمت عندما كانت بعض الدول ترزح تحت الاحتلال الاستعماري, و هي لم تكن جزءا من تلك الاتفاقيات, و هي دول الآن تتطلع إلي التنمية في بلادها, و اعتقد ما ذهب إليه السيد الصادق المهدي في عقد مؤتمر لمياه النيل خطوة صائبة لمناقشة الاتفاقيات التي تجاوزها التاريخ و وجب النظر فيها.
أما حديث بعض القيادات السياسية السودانية في السلطة و الحكومة, هؤلاء ينظرون للقضية بعين واحدة, و مصابة بالرمد, لأنهم فقط يعتقدون كسب النظام في مصر يعني إطالة عمر النظام, و بقائهم في السلطة, فهؤلاء فصلوا الجنوب دون أن يرمش لهم جفن, و لا اعتقد أنهم حريصين علي مصالح الوطن بقدر الحرص علي مصالحهم الشخصية و بقائهم بأية ثمن في السلطة.فالحديث الذي أدلي به السيد وزير الإعلام أحمد بلال إن هناك جهات سودانية تعمل من أجل تخريب العلاقة مع مصر هو حديث غير صائب, و هل مطالبة السلطة الحاكمة في الدفاع عن الأرض السودانية و إعادة حلايب للسيادة المصرية يعني تخريب للعلاقة علي السيد وزير الإعلام أن يشاهد الإعلام المصري و حديثه عن إن حلايب أرض مصرية و السخرية المستخدمة علي السودانيين, من الذي يريد أن يخرب هذه العلاقة, اعتقد إن كل المواطنين السودانيين و لا يشذ عنهم أحد هم مع علاقات متميزة و متطورة مع مصر و يذهبون إلي أبعد من ذلك في قيام علاقات إستراتيجية معها لمصلحة الشعبين, و لكن تكون علاقات فيه الندية بعيدا عن الخضوع و الاستغلال و السخرية, كما إن مصالحنا في السودان و في المنطقة تجبرنا علي إقامة علاقات مع دول أخري تربطنا بها علاقات إستراتيجية, و يجب أن لا نفرط فيها مهما كان, و هي ليست علي حساب دول أخرى, إنما علاقات تقوم علي تبادل المنافع و التعاون المشترك بهدف تأمين السلام و الاستقرار لشعوب المنطقة, و نسال الله التوفيق.

[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 542

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




زين العابدين صالح عبد الرحمن
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة