05-02-2013 12:17 AM


إنقلاب مايو والدور المصري:

إنتهينا في الحلقة الثانية إلى أن مصر عملت على توحيد حلفائها لإسقاط حزب الأمة ليسهل لها تحقيق هدفها في إستمرارية مصالحها المائية وتسهيل بناء السد العالي وقد تحقق لها ذلك بالصورة التي لم تكن تتوقعها. لم تكتف حكومة عبود على التخلي من نصيبها في المياه بل وافقت على منح أراضي منطقة حلفا لتغمرها مياه السد العالي بثمن بخس لم يتعد 15 مليون دولار تدفع على أقساط لتغمر 7 آلاف سنة ملئ بحضارة وتراث كما يقول علماء الآثارخاصة في فرنسا وبولندا بسبقها للحضارة المصرية زمانا وثراءا.هذا التنازل الذي أبداه المفاوض السوداني في تلك المفاوضات يتطلب معرفة أسبابه الحقيقية إذ ليس من السهل أن يقدم سوداني وهو بكل قواه العقلية للتوقيع على إتفاقية ضد بلده ومصالحها.

لم يكد الشعب السوداني يطيح بحكومة عبود العسكرية في ثورة شعبية عارمة حتى بدأت مصر من خلال إعلامها بتبخيس ثورته التي تلتها حكومة ديموقراطية منتخبة على رأسها حزب الأمة. لهذا بدأت مصر تدخلها السالب فيما يتعلق بالديموقراطية في السودان مرة أخرى عام 1969م بدعمها لإنقلاب جعفر نميري المتعارف عليه بنظام مايو. غير أن هذا التدخل لم يكن كسابقه من خلال دعم القوى المساندة لوحدة وادي النيل ولكنه جاء من خلال دعم القوميين العرب بالتعاون مع الإشتراكيين التقدمين من جانب كما أنه صحبته توجهات عملية في إزالة كيان الأنصار وحزب الأمة بإعتبارهما قوى رجعية تعمل ضد مصلحة السودان وشعبه. لعب النظام المصري دورا كبيرا ليس فقط في التخطيط والإعداد والتنفيذ للإنقلاب ولكن على نجاحه وإستمراريته. ففيما يتعلق بالإعداد والتنفيذ لإنقلاب مايو إستقلت مصر البلبلة السياسية التي تلت طرد الحزب الشيوعي السوداني من الجمعية السياسية بعد حادثة معهد المعلمين بأمدرمان وبدأت في التخطيط له من قبل القوميين العرب من خلال بابكر عوض الله وتقديم تمويل للإنقلايين من خلال بنك مصر بالخرطوم ومديره محمد عبد الحليم. وبالطبع كان الموالون لمصر سباقين لتأييد الإنقلاب فكان على رأسهم الميرغني والشيخ علي عبد الرحمن. كذلك كان الشيوعيون أول من بارك الإنقلاب ودعمه.

يؤكد شوقي ملاسي الدور المصري في التخطيط والتتنفيذ للإنقلاب في مذكراته التي عرضها الصحفي مصطفى البطل في جريدة الأحداث حين إلتقى اللواء مصطفى عبد العزيز وكيل وزارة الداخلية المصرية، بتكليف من وزير الداخلية زكريا محى الدين بزيارة السودان بقادة التنظيم الناصرى بحضور بابكر عوض الله نائب رئيس القضاء. كان هذا اللقاء بداية التنسيق لانقلاب مايو حزب سوداني ذي توجه عقائدي وبالتنسيق مع مكتب الشئون العربية برئاسة الجمهورية المصرية. وكما يقول البطل كان بابكر عوض الله " ضالعاً فى التخطيط السياسى العقائدى بينما هو جالسٌ فعلياً على منصة القضاء" مستندا في حديثه على مذكرات شوقي ملاسى التي يقول فيها "ان بابكر كان ناشطاً فى حركة الناصريين أثناء إضطلاعه بالتكليف القضائى. .. ان الاشتراكيين العرب والناصريين السودانيين كانوا على اتصال منتظم بمكتب وزير الرئاسة فى مصر سامى شرف، عن طريق مسئول الشئون العربية برئاسة الجمهورية فتحى الديب. وكان يمثل الطرف السودانى الناصرى بابكر عوض الله والعميد احمد عبد الحليم والطاهر عوض الله، وقد قامت السلطات المصرية من جانبها بتعيين محمد عبد الحليم (شقيق احمد عبد الحليم) بدرجة مدير ببنك مصر بالخرطوم، وكان هو المسئول عن تمويل الانقلاب." نقلا عن صحيفة "الاحداث" – 24 مارس 2010. بعد نجاح الإنقلاب تم التوقيع على ميثاق طرابلس بين السودان ومصر وليبيا في عام 1969م والذي نص على الدفاع المشترك بين تلك الدول الثلاث في حالة التعرض لغزو أجنبي أو لخطر داخلي.
لم يكن خافيا على المعارضة لنظام مايو الدور الذي لعبته مصر في نجاحه وإستمراريته لهذا كتب الإمام الهادي زعيم الأنصار لعبد الناصر قائلا "في 25 مايو قامت جماعة من الضباط الشيوعيين والناصريين بإنقلاب فألغت الدستور وصادرت الحريات وسجنت الناس ولا تزال تمارس طيشها في كل مرفق في البلاد. وتأكدنا أنكم قد إشتركتم في تدبير هذا الإنقلاب في إجتماع عقد بالقاهرة بين سيدتكم وبابكر عوض الله وعبد الكريم ميرغني كان سفير العهد الديموقراطي في بلادنا." ويواصل الإمام الهادي حديثه "وبمرور الأيام تنكشف الحقيقة وتنفضح إذ إنهال عونكم على الإنقلابيين بشكل ملفت خاصة في مجال الأمن والإستخبارات" ويؤكد لعبد الناصر بأنه بإسم الشعب يرفض سيطرة أي جهة خارجية على الشعب السوداني وذلك في قوله "إنني بإسم المعارضة في بلادنا وهي الشعب كله بإستثناء الشيوعيين والموصومين بعدم الولاء للوطن- أرفض أي إجراء أو إقرار يخضع السودان لسيطرة غير سيطرة أبنائه تحت أي شعار.

ولما كان الأنصار وحزب الأمة يمثلون القوة الشعبية والتي يتخوف منها دوما الشيوعيون في الوقوف ضد مشروعهم السياسي والآيديولوجي، كان التركيز على إقصاء قيادتهم جسديا متى ما توفرت الفرصة لهذا وفي عام 1970م، دعا الحزب الشيوعي سلطة نظام مايو (الثوريَّة!) للتدخُّل وتمكين القوى التقدميَّة على قيادة الحركة النقابيَّة تحت شعارات (حاسم حاسم يا ابو القاسم). وعندما تصاعدت الإحتجاجات والمعارضة لنظام مايو من قبل الشعب ممثلا في أحزابه الأمة وجبهة الميناق بحكم توجهه الشيوعي، قام الإنقلابيون بمساعدة الطيران المصري بضرب الأنصار في الجزيرة أبا وودنوباوي بحجة معارضتهم لنظام مايو وفق ميثاق طرابلس للدفاع المشترك بين السودان وليبيا ومصر. كان المسئول المباشر على الطيران الحربي المصري حسني مبارك الرئيس الحالي لمصر. كانت حصيلة ذلك الهجوم 12 ألف قتيل من بينهم إمام الأنصار الهادي المهدي والذي قتل وهو في طريقه مغادرا السودان من ناحية الشرق. يصف محمد أحمد محجوب الدور المصري في قصف الجزيرة أبا بقوله "في 27 آذار أمر طائرات الميغ بقصف الجزيرة بالصواريخ، وفي ذلك الوقت لم يكن السودان يملك طائرات ميغ ولا طيارين يستطيعون قيادتها. مما جعل الكثيرين مقتنعين بأن القصف جرى بطائرات مصرية وطيارين مصريين." ويؤكد قوله ببيان صادر من وزارة الخارجية الليبية.

بعد ضرب الجزيرة وصلت الكثير من برقيات التأييد لضرب الأنصار في الجزيرة أبا وودنوباوي بينما خرج الشيوعيون في مظاهرات صاخبة تأييدا "للثورة الظافرة". فمثلا أرسل عبد الخالق محجوب بيانا مؤيدا ما حدث للأنصار جاء فيه " إن تصاعد الصراع السياسي والطبقي في بلادنا والذي اتخذ من الجزيرة أبا وودنوباوي مسرحا له ليس أمرا عابرا لأننا قد إستقبلنا بالفعل نقطة في تطور الحركة السودانية ... نستطيع أن نقول بأنه قد وجهت ضربة قاضية للتنظيم المسلح الرجعي في بلادنا، الضربة أنزلت بمجموع قوى اليمين في بلادنا ساحقة وأضعفت فعاليتها وقدرتها ... إن أي تقليل من شأن ما جرى يؤدي إلى التقليل أيضا من فرص العمل الثوري ومكانته في هذه الظروف وإن الضربة التي وجهت للتنظيم تفتح السبل أكثر من أي وقت مضى نحو حركة الجماعة الثورية بصورة حاسمة وفي مستويات أعلى الدرجات مما كانت عليه قبل معركتي أبا وودنوباوي كما يؤدي إلى تعاظم دور الحزب الشيوعي السوداني في الحياة السياسية" !!!هذا هو موقف الحزب الشيوعي وزعيمه من الأنصار وحزب الأمة والذي يؤكد على ضرورة تصفيتهم جسديا حتى يتعاظم دور الحركة الشيوعية ودور الحزب الشيوعي في السودان. وهو إتجاه عكس ما ينادي به الحزب في أدبياته والتي دائما تكتب أو تنقح بعد وقوع الأحداث والتأكد من خطئها كما جاء في مجلة (الشِّيوعي) "أن تحرير الجَّماهير العاملة من نفوذ الطبقات الرَّجعيَّة لا يتمُّ بقرار إداري تصدره السُّلطة .. (و) أن التنظيمات الدِّيموقراطيَّة ليست أجهزة رسميَّة، بل أدوات شعبيَّة في يد الجَّماهير، ويجب أن تظلَّ كذلك، وقد ناضل الحزب الشِّيوعي فى كلِّ الظروف لتحافظ تلك التنظيمات على هذه الصِّفة" (م/الشيوعى، ع/134). نواصل بإذن الله في الحلقة الرابعة


[email protected]

تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 713

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#653628 [عبدالله قسم السيد]
0.00/5 (0 صوت)

05-02-2013 09:47 AM
تنويه
ورد خطأ غير مقصود وهو ذكر حسني مبارك بأنه الرئس المصري الحالي والمقصود المخلوع


#653397 [الهارب]
0.00/5 (0 صوت)

05-02-2013 02:19 AM
كويس انك كتبت اسم السودان قبل مصر, لانو اغلب الصحافيين بكتبوا مصر و السودان


عبد الله محمد قسم السيد
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة