المقالات
السياسة
مصطفى عثمان وزملاؤه باعوا السودان
مصطفى عثمان وزملاؤه باعوا السودان
05-04-2013 11:44 PM

ا
مصطفى عثمان وزملاؤه باعوا السودان

صلاح شعيب

ظل الاستثمار اقتصاديا، وأيديولوجيا، في الأرض، ومنحها لمن لا يستحق، أمرا متيسرا بعد أن قصد الإسلاميون في خيالهم الديني توفير الأسس اللازمة لتمكين عضويتهم من خلق الدولة الدينية. فالإسلام السياسي منذ بدء تحكمه على البلاد كان يدرك أن كل ما وجده في السودان يمثل غنيمة حربه الفكرية ضد المكونات الطائفية، والعلمانية، والمسيحية، وما يراه من مظاهر وثنية مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية.
ولذلك كان طبيعيا أن يستمسك الإسلاميون بوزارة التخطيط الإسكاني القومية وفروعها المحلية. وتحت غطاء الخطط السكانية وزعت أفضل مواقع الأرض لعضوية الحركة الإسلامية، والتي لم تكن في غالبها مالكة لأراض في العاصمة ومدن الأقاليم. وفي هذه المرحلة هجم الطفيليون من عضوية الحركة على الميادين، والساحات الرياضية، والأراضي داخل المدن، والتي وضعتها الخطط الإسكانية السابقة تحسبا للتحولات الديموغرافية المستقبلية من أجل إقامة مستشفيات، أو دور حضانة، أو مراكز خدمية، وهكذا دواليك. ونذكر أن البشير كان قد طالب بعدم التعدي على الميادين إلا أن تصريحاته ذهبت سدى. وما من شك أن البرلمان الإنقاذي قد بح صوته من المطالبة بمحاسبة المعتدين ولكن لا حياة بعد الممات. ورغم أنه كون لجانا للبحث في تجاوزات الأراضي وخصوصا الفساد المرتبط بأراضي المدينة الرياضية التي لم تكتمل منذ زمن يوسف عبد الفتاح إلا أن البرلمان عجز عن إحداث مقاضاة ذي قيمة للمتورطين.
ولاحقا تحول الاهتمام الإسلاموي إلى الأراضي الاستثمارية بعد أن سيطر الإسلاميون على الاقتصاد المحلي بعد إفقار ما سميت بالرأسمالية الوطنية. وفي هذه المرحلة حازوا على أراض كبيرة لدواعي الاستثمار الزراعي والصناعي. وقد ترافق هذا التوجه مع سن النظام لقانون الاستثمار الذي أباح الإعفاءات الجمركية الهائلة، والتسهيلات الاقتصادية التي تأسست على الفساد الإداري والمالي في الخدمة المدنية، وكذلك على فساد أموال المودعين في البنوك. والأدهى والأمر أن هناك أفرادا حازوا على أراض لينشئوا فيها استثمارا تجاريا ولكنهم لم يفلحوا الأرض ولم يوجدوا الاستثمار، وأخيرا قاموا ببيع الأرض وفروا من أعين المحاسبة.
فضلا عن كل ذلك فقد قرأنا كثيرا عن التصرف في أراضي الأوقاف المسجلة باسم جمهورية السودان وكيف أنها طرحت في مزادات لا يدخلها إلا المكون الاقتصادي التابع للنظام. وإلى هذا اليوم ما تزال دار الهاتف في قبضة سوداتل وهناك الوقف الذي أقيم عليه "برج الفاتح" وهناك أجزاء من حديقة الحيوان صارت مكانا للثراء الفاسد. ووجدنا أنه لما انهارت الكثير من مشروعات الدولة الاقتصادية، والزراعية، والصناعية، التي عجز الإسلاميون عن تطويرها نحوا إلى طرحها في المزاد العالمي لعضوية الحركة الإسلامية الدولية، والدول الصديقة التي تقف معهم في الملمات. وفي الأقاليم حدث ذات الشئ. فقد انطلقت عضوية الحركة لتعيث فسادا في الأرض المخصصة لاستخدامها في محاصصات تمكين عضوية الحركة الإسلامية التي نشأت أصلا فقيرة. ووظفت جزء من الأراضي لشراء ذمم الإدارات الأهلية، والأفراد الذين انسلخوا من مكونات الأحزاب التقليدية.
ولعل هذا الشبق إزاء الاستيلاء على الأراضي أدى إلى زحم أسواق العاصمة والمدن بمحلات تجارية جديدة سببت اختناقا مروريا في هذه الأسواق. فضلا عن ذلك فقد استولت الحركة الإسلامية ـ في ظل غياب الإعلام المراقب ـ على أراضي القبائل التي دخلت معها في صراع ومنحها لغير السودانيين الذين هجرتهم من بلدان أخرى. ولقد تابع الرأي العام كذلك الأراضي التي اقتطعتها الحكومة من أصحابها في حارات العاصمة ومناطق من الأقاليم لإقامة مشروعات استثمارية وتنموية بلا مشورة. بل ولا يعود لأهل الحارة أو المنطقة مصالح من هذا التوظيف للأرض.
أما على صعيد السمسرة الدولية في الأراضي فسيسجل تاريخ الصراع حول الأرض أن الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل مسؤول بشكل مباشر عن إهدار أراضي السودان عبر عقود طويلة المدى، ومجحفة في حق المواطنين، وأصحاب الأرض. فهذا الوزير ظل يقضى لياليه في أجنحة الفنادق العالمية ليسمسر باسم حكومته في أراضي المقموعين من الناس، وتلك الأراضي الشاسعة التي صارت مستعمرات للاستثماريين الطفيليين من العرب والأجانب دون ضابط. ولكثرة جولاته العالمية المضرة بالأهل أصبح الصحافيون لا يدرون أين يقيم هذا "الوزير الجوال"؟. ولأن ذهن مصطفى إسماعيل مجبول على الطمع في الإقطاع، والذي هو جزء من موروث السلفية الأصولية، فإنه لم يكن ليراعي شيئا مثل مراعاته لضرورة فك ضائقة الأزمة المالية التي دخل فيها النظام بعد ذهاب نفط الجنوب.
وكان موقع حريات أورد أن "رئيس غرفة تجارة جدة صالح كامل كشف عن موافقة الحكومة السودانية علي منح مليوني فدان من الأراضي الزراعية للمستثمرين السعوديين للاستزراع في إطار منطقة حرة ، بحيث أن تكون خارج جميع القوانين السودانية. وأوضح كامل بحسب ما أوردت ( العربية نت ) أن الاجتماع الذي جمع الجانبين السعودي والسوداني بحضور مصطفى عثمان طرح موضوع استزراع مليوني فدان من الأراضي السودانية من قبل مستثمرين سعوديين دون إخضاعها لأي شروط، بحيث تكون منطقة حرة. وأكد أن المزارع ستكون ملكية سعودية في منطقة حرة ولن تعوقها أية عوائق من القوانين السودانية، وقال إنه لا يترتب على ذلك دفع رسوم أو ضرائب" .
ويأتي ذلك بناء على تصريحات لمصطفي عثمان مساعد البشير عقب القمة العربية التي عقدت بالعاصمة السعودية التي حضرها البشير أن القمة العربية قد تبنت المشروع الذي اقترحه البشير بإقامة مشروع الأمن الغذائي بالسودان الذي يوفر الأمن الغذائي للعالم العربي , إذ أكد البشير أن حكومته سوف تقدم كل الأراضي الزراعية الممكنة لزراعتها للمستثمرين العرب.
وكان مصطفى عثمان قد قال عقب إجازة مجلس الوزراء برئاسة عمر البشير مشروع قانون تشجيع الاستثمار القومي لسنة 2013 والذي قدمه هو نفسه للمجلس إن مشروع القانون يمنح مزيداً من الحوافز والضمانات للمستثمرين الأجانب، ويعالج مشكلة تمليك الأراضي السودانية. وحسب تصريحات الناطق الرسمي باسم مجلس الوزراء عمر محمد صالح لسونا أن هذا القانون يمنح امتيازات ضريبية وجمركية وإعفاءات لفترات تمت توضيحها في القانون وأخرى ستقوم اللوائح بتوضيحها .
وتزامنت إجازة القانون مع المؤتمر السعودي السوداني الذي انعقد مؤخرا للتعاون بين البلدين في الجوانب الاستثمارية الزراعية والحيوانية والمعدنية وخلافه، وكان المؤتمر الملتقي قد أجاز خطة تنفيذ 450 مشروعاً سعودياً في السودان بتكلفة 15 مليار دولار.
إن واحدة من طرق الفساد التي وثقت أن مصلحة الأراضي التابعة لوزارة التخطيط العمراني ظلت طوال السنين تقيم المزادات في الفنادق والتي يشارك فيها الميسورون فحسب من عضوية المؤتمر الوطني. فأراضي كافوري، والفردوس، والجريف، غرب والتي نشأت لتفي بغرض الرأسمالية المتهربة من السكن الشعبي لا تذهب إلا للذين يطالبون الحكومة بمديونيات وبالتالي يحوزون على هذه الأراضي بثمن بخس في ظل غياب التنافس.، وذلك تسوية لمديونياتهم على الحكومة.
ولقد شكلت الحكومة لجان عديدة للتحقيق في هذا الفساد ولكن دون جدوى. ولقد وكشف الأمين العام لديون الأوقاف بولاية الخرطوم د.الطيب مختار في إفادات نادرة بخيمة الصحفيينن، إذ قال "إن عملية بيع حديقة الحيوان باعتبارها وقفاً هي أكبر غبن وقع على الأوقاف في تاريخها، وذلك بعد الاستيلاء على مساحتها والبالغة (15) ألف متر، وتم تعويضها فقط عن "7" آلاف بمنطقة كوبر ببحري بعيدا عن الأرض الموقوفة وهو ما يخالف شروط الوقف، وأن ال"7" آلاف متر المتبقية ذهبت لبرج الفاتح، كاشفا عن مطالبات يقودها الديوان لاسترداد وقف أرض برج الفاتح، وكشف عن تبديل "6" آلاف متر في وسط الخرطوم، وهي الأرض التي يقع عليها مبنى دار الهاتف التابع لشركة "سوداتل" بأسهم في الشركة بلغت "2" مليون سهم، والتي يبلغ عائدها الشهري "250" سنويا معتبراً إياه مبلغاً ضعيفا لا يتناسب والمنطقة التي يتواجد بها المبنى، خاصة بعد تدني عائدات أسهم شركة سوداتل منذ العام 2005 منتقداً الحكومة في هذا المسلك؛ لجهة أن خيارها ذاك لم يكن موفقا، لكنه عاد وقال إن الحكومة استطاعت تدارك الخطأ بعد أن أجرت مشاورات ثلاثية بين الشركة ووزارة المالية وشركة سوداتل وقررت تلك اللجنة إعادة الأرض للأوقاف، إلا أن القرار ما زال حبيس الأدراج"
إن الفساد في استغلال الأراضي صاحبه كذلك ازدياد حالات التزوير في بيع الأراضي. وكانت نيابة مخالفات الأراضي قد حثت المواطنين على تجنب التورط في البيع المغشوش والذي أصبح له متخصصون في هذا المضمار. وقد عجزت المحاكم في البت في أمر البلاغات. وكانت الرأي العام قد كتبت تحت عنوان: المراجع العام بالخرطوم يكشف عن تجاوزات مليارية بالأوقاف، وقالت إن "المراجع العام بالخرطوم عبد المنعم عبد السيد، اتهم أمين الأوقاف بالخارج في المملكة العربية السعودية خالد سليمان إدريس بالتحصل على مبلغ (1.40 ملايين ريال سعودي وذلك عن طريق التلاعب في المستندات الرسمية. وأوضح المراجع العام أمام أسامة حسن قاضي محكمة الخرطوم شمال أمس، أنه ثبت من خلال المراجعة عبر لجنة شكلها القنصل العام للسودان بجدة برئاسة السفير عصام خليل وثلاثة آخرين من القنصلية العامة أن المتهم تحصل على الأموال بطلب من أمين عام الأوقاف بالخارج للتصديق له بسلفية مستردة وشيكات استخرجت باسم الهيئة القومية الإسلامية وتحويلها لمنفعته الشخصية وصكوك (19) عقاراً تضمن بنايات وأراضٍ وخطابات بقيمة (353) ألف ريال سعودي لم يقم بتوريدها للأوقاف بالخارج. وقال المراجع إن مشروع الأوقاف الضائعة استمر نحو ست سنوات ولم تظهر له نتائج إيجابية لصالح حكومة السودان."
إن كل هذه المساعي المبذولة من المؤتمر الوطني تنطلق من فقه الضرورة التي تجعل الأرض مجالا لتعويض الفشل في كل مؤسسات الدولة الاقتصادية.. فليس من أولويات الحكومة قيام مشروعات الاستثمار على قاعدة شفافة، أو على حرص من السلطات المعنية للحصول على عقود منصفة، مع احتفاظ الجانب الحكومي على إلغاء هذه العقود متى ما كنت مصالح البلاد تقتضي ذلك. ولكن الهدف البين هو المحافظة على كيان السلطة بأي ثمن واستجابة لابتزاز الدول التي تدعم النظام في مواقفه الإقليمية والدولية. ولذلك حق لدول مثل لصين، وبعض من الدول الخليجية، ومصر، أن تحوز على أراضي السودان لمدى مئة عام ما دام أن المصلحة الفاسدة بين النظام والدول والمؤسسات الاقتصادية تطلبت ذلك.
إن أصعب مهام الحكومة التي تضطلع بالتغيير يتمثل في إعادة الأراضي التي ذهبت بغير حق إلى المفسدين من عضوية المؤتمر الوطني، ومراجعة عقود تمليك الأرض للدولة الأجنبية ثانيا. فضلا عن ذلك فإن محاسبة المسؤولين الكبار، والمسؤولين المباشرين في وزارة الإسكان ومصلحة الأراضي في العاصمة والأقاليم تتطلب جهدا خرافيا من الإدعاء. وليس المهم هو الاعتماد على الوثائق والأخبار التي نشرت عن فساد الأراضي فقط، وإنما الأهم هو إجراء تحقيقات ومراجعات لكشف ما هو مخبوء من فساد في الأرض لم تشر إليه الصحف والمواقع الإليكترونية.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 509

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook





مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة