05-16-2013 03:56 PM


عندما تكون الدولة المركزية محكومة بنظام الحزب الواحد ، يأتي التغيير عادة إما عبر انقلاب عسكري أو انتفاضة شعبية ، هذا ما سار عليه التغالب حول الحكم في بلادنا إلى زمان الإنقاذ ، ثم تبدَل الحال من بعدها حيث نجحت الإنقاذ في تجفيف عروق المؤسسات المدنية والسياسية وتحييدها ، إن لم يكن ابتلاعها وفق نهج ( التمكين) الذي ابتدعته في بواكير عهدها ، ولم تكن المؤسسة العسكرية التي صعد بشاراتها قادة الانقلاب إلى سدة الحكم بمأمن من أن تمتد إليها أياديهم عابثة بقدراتها مبعثرة لكفاءاتها ، وليتهم توقفوا عند ذلك الحد ، بل عملوا على إنشاء جسم عسكري مواز من الشعبيين وأهل الولاء ، أسندت إليه مهام كبرى باسم الجهاد ، جاء خصما على مهنية الكادر الحربي بالقوات المسلحة، وانضباطه وتطوير قدراته القتالية وتأهيله الأكاديمي ولنا في أخبار الهزائم المريرة ، وصور الفساد الإداري ، والفشل الذريع في حماية حدود البلاد وأمنها المستباح برا وجوا وبحرا الكفاية ، حتى باتت نظرة الناس السياسية لقواتهم المسلحة لا تختلف عن نظرتهم لكوادر أمانات الحزب الحاكم .
مع تعنت نظام الحكم واستمرار بسط قبضته الحديدية على إدارات الدولة ومواردها ، والانهيارات المتتابعة لمؤسساتها الخدمية ، بجانب مظاهر الفساد وغياب الإحساس بحرمة المال العام ، وتسخير الاستثمارات و موارد الدولة فيما يخدم مصالح أتباعها من الرأسماليين ، فضلا عن تجفيف مصادر التمويل عن قطاعات الاقتصاد التقليدية وإهمالها ، وتبديد الأموال العامة في شراء زمم معارضيها ، كان من الطبيعي ـ والحال كذلك ـ ظهور استراتيجية جديدة للمغالبة الشعبية تتجاوز القديم المألوف ، ولما كانت قضايا الهامش وحقوق أهله المهضومة غدت الأبرز في ظل إهمال التنمية والتوزيع العادل للثروات ، نفذت من خلالها الأيديولوجيات المنافسة والفعاليات المحرومة وبرزت كقوة مغالبة للنظام .

تبعات اتفاقية السلام الشامل :
لم تكن مثالب اتفاقية السلام الشامل قاصرة على ما رتبته من حقوق لأطرافها قادت لفصل الجنوب فحسب ، بل شكلت أرضية ومناخ ايجابي لظهور تنظيم سياسي جديد باسم الحركة الشعبية شمال ، بشر بمفاهيم أيديولوجية تتقاطع مع أيديولوجية الحكام ، وجدت سندها في التنوع الثقافي وأشواق المحرومين في المدن والأمصار، وعلى الرغم من الانتباه المبكر لقضايا وحقوق الهامش ، والسعي لعلاجها عن طريق تقنين الحكم اللامركزي وتطبيقاته ، غير أن التجربة ظلت متعثرة بسبب إصرار المركز على استمرار هيمنته القطبية على الموارد واختيار الحكام الأمر الذي أبقى التجربة كسيحة ومحبوسة في إطارها الشكلي ، ودافعا لظهور حركات الهامش المطلبية .
الحال والمآل :
لقد تنامت الاحتجاجات الآن واتخذ النزاع ـ على الأقل فيما بين حركات دارفور والشعبية / ش من جهة ، و النظام الحاكم من جهة أخرى ، منحا مسلحا مع ما له من عواقب وخيمة ، ولعل البعض يلتمس للحركات المسلحة العذر فيما أقدمت عليه مؤخرا ، ويرى في تحميلها تبعات مثالب الحرب وحدها كانت أم تقاسما مع النظام الحاكم ضرب من التطفيف ، بحجة كونها سيقت إليه قسرا من قبل النظام الحاكم بسبب سياساته المتعالية الباطشة وسجله العامر بالقتل والاعتداءات الوحشية المنظمة ضد المدنين العزل .
ولكن هنالك ثمة مقولة معيارية تفيد أن : ( البدايات الخاطئة تقود حتما لنتائج خاطئة ) دعونا نقرأ على ضوئها حال ومآل ما نساق إليه ، لا من حيث أطلقت المدافع نيرانها بالأمس وتجلت آثارها على الأرض ، بل من اليوم الذي غدونا فيه أسرى لمشروع حُشرنا في زواياه الحادة تحت فوهات البنادق وتهليل المجاهدين.
معلوم أن الحروب في حد ذاتها ليست غاية ، بل استراتيجية ضمن خيارات استراتيجية أخرى لبلوغ الهدف ، غير أن بعضنا من ذوي المفاهيم الأيديولوجية المصمتة ، خلط عامدا قضايا الهامش المطلبية ذات المنحى الفدرالي بقضية النزاع حول السلطة السياسية ، وعمد على تصويرها وتسويقها كنزاع على السلطة المركزية .
يجدر بي التذكير هنا أن الولايات المتحدة عندما عزمت على ضرب العراق ، سعت ابتداء نحو تضخيم الدور العراقي وقدراته العسكرية إقليميا ودوليا ، ليبدو الاعتداء عليها مبررا ، ومن المعلوم أن حركات الهامش المسلحة تأسست كحركات مطلبية تعبيرا على مظالم الهامش ، غير أن النظام الحاكم سخر آلته الإعلامية لتضخيم دورها وخطرها ، رابطا هدفها الاستراتيجي بإسقاط الحكم وخلافته مركزيا ، ذلك لكي يتسنى له عزلها ونعتها كحركات عنصرية متمردة وقد نجح .
نجح حين بلعت الحركات نفسها الطعم واستجابت لتحدياته العسكرية وسعت لغزوه في عقر داره الأمر الذي بدا الصراع معه كمن يسعى لتحقيق مكاسب شخصية يبلغ بها مقعد الحكم على حساب قضية الهامش .
لقد بات من الملاحظ سعي النظام الحثيث لاستقطاب وتجييش جماهير المركز وكيانات الهامش على حد سواء لتقف سدا في وجه تمدد الحركات المسلحة واتساعها ، واصما إياها بالعنصرية الهادفة لتقويض سلطة الدولة وفتق النسيج الاجتماعي ، ساعدها على إشاعة ذلك التصور كتابات البعض ذات الروح العنصرية ، في المقابل عملت حركات الهامش والشعبية /ش على الاستثمار
في حقائق التنوع الثقافي والتباين الاثني ومظالم الهامش ، كواجهة تحجب حقيقة الصراع ، لكل ذلك ـ لم يعد وهما تسمية الصراع السياسي على السلطة اليوم ، كصراع أيديولوجي على الرغم من مظهره المستند على قضايا الهامش ، أسهم في التشويش على نشاط المقاومة المدنية السلمية ، وهز الثقة في سلامة نوايا المحاربين على ضوء ما رشح في أحداث (أبو كرشولا) ، فضلا عن الأضرار الاجتماعية والاقتصادية والأمنية البليغة التي طالت الهوامش والمدن وزادت أهلها إفقارا وتتشردا .
إن مبادئ الإنصاف تفرض على المرء الإقرار بايجابية الخطوة الدستورية ، التي خطتها الدولة المركزية نحو إقرار الفدرالية ، وأسرجت بها الأمل في النفوس ، نحو دولة المواطنة و الحرية والمساواة والعدالة ، غير أن عقلية صقور النظام الحاكم ظلت تبني على الدوام استراتيجيتها على خداع وتضليل الرأي العام لحين ميسرة ، ترفع عندها التزامها وتفك قيد يدها من المشروعات التي بشرت بها ، وهم ليسو ملامين بأكثر من الجماهير والفعاليات السياسية وحركات الهامش وطبقات المثقفين ، ممن جاروها دون يأس أو ملل .
كثيرا ما خامرني ذات الإحساس الذي خامر أديبنا الطيب صالح رحمه الله ، فرمانا بسؤال آيته أن هؤلاء لا يشبهوننا ، أو تراهم مجرد واجهات لآخرين يحكموننا من وراء حجب ، لهم مآرب ليس منها استقرار هذه البلاد ورفاه بنيه ؟ غير أن ذلك كله لا يصدني عن القول بأن المعارضة سلمية كانت أم مسلحة ، لم تتطهر من طبيعة الذهنية المركزية التي شبت عليها ، فالناظر لكافة تجمعاتنا المدنية ، سياسية كانت أم فئوية يجدها أسيرة الشكل المركزي للتنظيم ، فلا توجد فعالية أعادت تقنين وتنظيم هيكلها ليتسق مع متطلبات الفدرالية ، واقع هذا الخلل تبدى في العجز الذي اعترى الكيانات السياسية المعارضة في استنهاض وتحريك جماهيرها ، ولو لمجرد دفع النظام الحاكم لمراجعة سياساته المدمرة .
وزي ما قالو :
ولدا ما ولدتو من عرقوبك إن عميت ما بقودك .



medali51@hotmail.com

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 891

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#667435 [محمد]
0.00/5 (0 صوت)

05-17-2013 09:34 AM
هذا تحليل رصين وواف للب الأزمة. نظام الانقاذ تعامل مع وطننا بعقلية الحرامى فى راسو ريشة فحاول ان يقود البلد لتقف خلفه تحت مختلف الذرائع. لكن الامل فى ان تتحد جهود كل المخلصين من ابناء السودان وتنسق العمل مع الجبهة الثورية لوضع برنامج واضح ينفى عن هذه الجبهة المزاعم التى تحاول الانقاذ الصاقها بها وتطمئن المواطن ان الغد سيكون افضل.


محمد علي طه الملك
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة