05-20-2013 02:02 AM


لكل كاتب شفرة إبداعية تتطلب لمن أنتدب نفسه ليكشف عنها أن يغوص عميقا في نصوص الكاتب، وأن يستلهم مكنون إبداعه، ودفقات مشاعره، وبيئته الثقافية وخلجات وجدانه وقاموسه اللغوي وشوارده البلاغية. ولكن الكاتب الدكتور أمير حمد شفرته الإبداعية عصية علي التفكيك، لأنه في المقام الأول مثقف موسوعي، وكاتب شامل يقرض الشعر، ويبدع النثر، ويعرب النص ويترجم الدراسات والمقالات، ويعاظل الأفكار، ويبحث عن منابع المعرفة، وهو فوق ذلك ناقد حصيف، ويتميز بذائقة فنية جزلة الصدي عميقة الحس،واسعة المدراك.
جاء الدكتور أمير حمد الي ألمانيا لأول مرة في العام 1988 يحتقب أحلامه ورغبته الملحة في تعلم اللغة الألمانية التي أحبها ومنحها قسطا من طاقات شبابه الخلاقة، فأحب من خلالها كتاب وشعراء عظام مثل هيرمان هيسه وغونته غراس وجذبته أصوات جوته وإيقاعاته التي تحتفي بالشرق، ووقف يبحث عن روحانية الشرق التي أعترت عصب القصيد في إبداعه المتدفق.بالإضافة الي حبه للأدب الألماني إنخرط الكاتب أمير حمد في دراسة الأدب العربي في الجامعات الألمانية، فوقف علي آراء المستشرقين الذين سبق وأن ألهموا عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين في تنقيباته عن تاريخ الأدب الجاهلي وأستقي منها نظريته ومعاركه الفكرية التي مازالت أصداؤها تتردد حتي اليوم بشأن إنتحال الشعر الجاهلي وتطبيق منهج الشك الديكارتي في مساقات البحث الحديثة.
أنقدح في صدري ان أكبر المؤثرات في تشكيل شخصية الكاتب أمير حمد الإبداعية هما التصوف والمنفي الإختياري أو ما يسميه بعض المثقفين العرب الغربة والإغتراب. أما عن المؤثر الأول فهو صاحب قدم راسخة في التصوف،وقد ساعده التمازج المبدع في بيئته الإجتماعية بين الحضر والريف من الإنفتاح علي فضاءات رحيبة، فوالدته تنحدر من أسرة الشريف الهندي أصحاب الخلاوي وتقاقيب القرآن والوتد الثالث في خيمة التصوف والتدين في السودان.،وجدها الأستاذ أحمد خير المحامي صاحب مؤتمر الخريجين ومؤلف كتاب (كفاح جيل) الذي يعتبر إنجيل الحركة الوطنية في السودان. لذا فقد نشأت والدته وترعرت في قلب الحضارة المدنية في السودان. أما والده فقادم من الريف من عمق مجتمعات التصوف في السودان، من السادة البادراب بأم ضوا بان. لذا فهو قد تشرب معاني العرفان، وصدح صوته بالأماديح والإنشاد الديني ليعمق لديه تجربة الحب الوجداني في إطار فسلفة السهروردي الإشراقية التي تعلي من شأن الكشف والتذوق أكثر من الكسب العقلي.
كان وهو صبي يردد إنشودة الشيخ الطيب ود بدر :
البيهم فوزي..السادة أهل الحوزي..بصيح..
مولاي أرجوك الفوزي، من القرين محروزي...
في الدنيا يوم بروزي..أسير معزوزي..
كما كان ينشد المواجد، فيستغرقه المعني وهو ينشد من نظم الخليفة حسب الرسول
سلام الله يغشي القوم السهاري
بذكر الله قد هاموا سكاري
هم القوم الذين جفوا المضاجع
وعنهم في الدجي الليل طارا
ويكاد يطالعك البعد الصوفي في شخصية الكاتب عندما تطالع ورقته المنشورة في هذا الكتاب عن الحيرة الصوفية في شعر التيجاني يوسف بشير،إذ يتلمس مواضع الإبداع في تجربته الروحية، ومواطن الوجع في رحلة الشك والحلول منذ أن توعده أرباب المعهد بالحرق والنسف أو ما فوق الموت من متلمس.
أما عن المؤثر الثاني في تشكيل شخصيته الإبداعية وهو الغربة أو المنفي الإختياري فقد إختاره بوعي فكري كامل، فقد جاء أمير حمد الي ألمانيا بحثا عن آفاق أفضل في رحلة البحث عن الذات. خرج الطيب صالح صدفة من السودان كما قال فحدث الزلزال، أما أمير حمد فقد خرج متمردا علي قواميس الجبر الإجتماعي لتحديد خياراته الأكاديمية وباحثا عن الحرية ونقطة الإلتقاء مع الأفق الغربي. كانت ألمانيا حينها تنوء بإحتمالات التحولات التاريخية وإرهاصات إنهيار الجدار وتوحيد الألمانيتين، كانت ألمانيا تحتضن بحكم دورها التاريخي الكثير من النخب العربية منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي، ولكن جاء إليها بعض المثقفين العرب في تدفق جديد من كل حدب وصوب خاصة من أهل اليسار هاربين من غياهب الإكراه الفكري والعسف السياسي في البلدان العربية، و بدأوا يسطرون أحلامهم المؤودة في الشعر والنثر ومختلف ضروب الإبداع. وجد الكاتب نفسه وسط هذا البحر المتلاطم، فإختار أن يكون صوتا للثقافة العربية في برلين فأنخرط في المناشط الثقافية والفكرية فعمل في المجال الصحفي والإعلامي والترجمة فأصبح رئيسا لتحرير مجلة بابل العربية التي يصدرها المعهد الثقافي العربي الألماني ببرلين، ومحررا في مجلة الدليل العربية ببرلين، كما سبق وأن عمل في القسم الإعلامي لسفارة السودان بألمانيا. وفاز في هذا الصدد بالعديد من الجوائز الأدبية مثل جائزة كيث أشتاوب Keath & Staub لدعم الثقافة في برلين في العام 2008.
ولعل أهم ما يسم سيرته الأدبية هو أنه رجل سيال القلم غزير الإنتاج في شتي ضروب الكتابة الإبداعية المختلفة، ولما كان كثير التأمل والإهتمام بالعلاقة المتوترة بين الشرق والغرب في الرواية العربية في عصر ما بعد الكولونيالية إتجه الي دراسة روايات الطيب صالح، وتعمق إختصاصه الأكاديمي في أدب الطيب صالح دارسا ثيمتي الزمان والمكان وأثر البيئة في إبداعه الروائي و الأدبي.
لذا تجد في أعمال الدكتور أمير حمد الشعرية والنثرية وقصصه القصيرة تلك الغلالة الشفيفة من نزعة الحنين المكبوت والنوستالجيا تجاه وطنه السودان، حيث يستدعي ذاكرته ويستحلب منها بقايا الحلم الذي بقي في قعرالكأس المهراق علي طاولة الزمن. وهو مثله مثل بقية الأدباء العرب الذين حاولوا أن يخلقوا جسرا من التواصل في أعمالهم الأدبية بين أوطانهم الأصلية ومهاجرهم الجديدة. ورغم قساوة التجربة ومرارة التجريب لم يقدم نفسه كضحية للتقاطعات الحضارية والثقافية الحادة لرجل يتنمي الي عالمين بل أمعن السباحة ضد التيار حتي أتاه اليقين الأدبي.
إختار الدكتور أمير حمد ان ينشر في كتابه الذي بين يديك عزيزي القارئ دراسات ادبية ونقدية وترجمات ومقالات ومطالعات في الكتب والمطبوعات، علي أن تصدر أعماله الإبداعية الأخري في الشعر والنثر والقصص القصيرة في سفر منفصل. وموضوعات هذا الكتاب رغم تنوعها إلا انها ترتبط بوحدة موضوعية إذ تناقش قضايا الثقافة والأدب والإجتماع بوحدة فكرية متسقة ، كما أن للسودان نصيب وافر من موضوعات هذا الكتاب. نشرت أعماله الإبداعية والأدبية ودراساته النقدية في العديد من المجلات المحكمة والدوريات الأكاديمية والمطبوعات الثقافية في داخل ألمانيا وفي العديد من الدول العربية مثل مجلة العربي الكويتية ومجلة كلية الآداب بجامعة الكويت ومجلة وجهات نظر في القاهرة وبيروت ومجلة ميس الفلسطينية.
تنقسم موضوعات هذا الكتاب الي ثلاثة أقسام تتضمن الترجمات وإستعراض الكتب والمطالعات، وكذلك المقالات والدراسات النقدية والأدبية.. الجزء الأول يحتوي علي مقالات ودراسات نقدية أستهلها بموضوع أثر البيئة والشخوص في أدب الطيب صالح، وهو من الموضوعات التي سبر غورها بحكم تخصصه الأكاديمي.ويقف في هذه الدراسة علي الشخوص وتأثيرالبيئة فيستعرض ملامح الطفولة المعذبة والرجل الذئب، والمثقف الفوضوي في رواية موسم الهجرة الي الشمال، ويلخص أس الصراع في هذه الرواية بأنها تعبر عن أزمة الأجيال التي مازالت تعيش إزدواجية وتناقضات تعاملها مع الغرب.ومن ثم يقدم موضوع البعد الصوفي في شعر التيجاني يوسف بشير الذي يشرع نافذته لأشجار الليل حسب وصف الكاتب. ومن أعمال الترجمة في هذا الكتاب "العرب في برلين" الذي قام بتأليفه ثلاثة من كبار المختصين هم بروفيسور هوب أستاذ الاجتماع والعلوم الإسلامية بجامعة هومبولد، و د. جيزمان باحث اجتماعي ومختص بشئون الهجرة.وهارون الصويص مدير القسم العربي بإذاعة الثقافات العديدة.ويتتبع الكتاب هجرة العرب القديمة الي برلين منذ 900 عام الي الوقت الراهن ودورها في تجربة الإندماج الإجتماعي في ألمانيا. وعلي ذات المنوال يستعرض كتاب فن الموسيقي العربية لمؤلفه غابيري براوني الذي يسلط فيه الضوء علي التفاعل الحركي والإنسيابي للموسيقي العربية بإعتبارها منتج خلاق لإتصال الحضارات. و يستعرض هذا الكتاب أيضا قصة الآثار السودانية في الصحافة الألمانية التي حررها الصحفي فابيان فون.
ومن أدب المطالعات والترجمة أيضا إستعراضه وترجمته لأجزاء كبيرة من كتاب "إني أتهم"..للكاتبة الصومالية الأصل والهولندية الجنسية عنان حرصي. وهو كتاب نال حظا من الشهرة في وقته لزعمه تحرير المرأة المسلمة من الإضطهاد الديني والذكوري،وقد تكشف بعد ذلك أنه كان دعاية رخيصة مدفوعة الثمن، لذا حرص الدكتور أمير حمد علي تحرير ملاحظات وتعقيب يوضح وجهة نظره في التهم التي إزدحم بها الكتاب. ومن الكتب التي تطالع تلخيصها من اللغة الألمانية كتاب "المستعبدة" لمندي ناصر وهي سيدة سودانية زعمت أنها إسترقت في لندن، وقد حرر الكتاب الصحفي الإنجليزي لويس دامين. وبعد معارك قانونية متطاولة خسرت جريدة الدايلي تلغراف قضيتها أمام المحاكم البريطانية بعد أن تبنت الترويج لحملة الإسترقاق المضللة، ونشرت إعتذارا علنيا عن نشرها معلومات مضللة بغرض التشهير بالدبلوماسي السوداني عبدالمحمود نورالدائم الكرنكي.لذا تم نشر الكتاب خارج بريطانيا بواسطة دار نشر إلمانية ولم يجد حظه من الذيوع والإنتشار كما خطط له في البداية.وينتقل بنا الكاتب الي أجواء حزينة من طقوس الكتابة وهو يقلب أوراق المنفي، حيث يتأمل الموت في العراء وحيدا في الليل، ويكتب من وطأة الوجع الدفين، وأحد أصدقاء المنفي يموت وحيدا في الليل الموحش، حيث يقول " ونحن، آه نحن، ماذا تعلمنا؟ وإلي متى نبصر بعضنا يتساقط في الغربه، ويجتث كما تجتث الأشجار، ولا نفعل شيئاً! أما كان هذا الرجل أهلاً لأن يدفن في مقبرة المسلمين؟". و هو سؤال يلخص أزمة الغربة في أعلي تجليات الحزن والجزع والفقد والتوحد..وما جدوي الغربة، وهذا المشهد يلخص الأزمة الوجودية للمنفي والإغتراب. ويشتمل الكتاب علي دراسات أيضا عن بعض الأبعاد في أدب الطيب صالح،مثل رؤيته النقدية عن عرس الزين كرواية وفيلم، ومدي تأثير الطيب صالح علي الأدباء العرب مثل التطابق الرؤيوي بين أسطورة عرس الزين وقصة جريمة في قرية K للروائي حسونة المصباحي.ويقدم الكتاب أيضا الترجمة المشتركة التي أنجزها الكاتب مع صديقه الدكتور حامد فضل الله عن الإنجليزي الأسود علي ضفاف النيل للناقد الألماني د. هانزبيتركونش. وبعد أن أستوفي البعد الأدبي بعضا من حقه، يدلف بنا الكتاب الي القضية المركزية في ذهن المثقف السوداني وهي أزمة الهوية، فيستعرض علاقة السودان بالعرب عبر التاريخ، ويسلط الضوء أيضا علي المنظومة الإجتماعية للقبائل النيلية والأفريقية بالسودان.
وفي البعد الأفريقي يقدم الكاتب إستعراضا لكتاب ثراء ومعضلات الأدب المدغشقري الذي ظل يتسم بخصائص ذاتية تميزه عن الأدب الأفريقي السائد، وذلك نسبة للمؤثرات اللغوية الشرقية، والبعد الأسيوي في التركيبة العرقية لسكان الجزيرة الخضراء. ولا يمل الكاتب في الختام أن يقف علي إطلالة متأملة في معرض الزهور بالخرطوم.
هذه الموضوعات التي يحملها هذا الكتاب بين دفتيه تنوء بأسئلة وجودية صاخبة الطرق، حارة الدفق وإن إختلفت مشاربها وتنوعت موضوعاتها بين الثقافي والفكري والإجتماعي والديني. لهذا يعود مصدر إحتفائي بهذا الكتاب الي سببين: الأول موضوعي والثاني سبب ذاتي.الموضوعي منه أن الكتاب يتضمن مادة عالية القيمة وحافلة بالثراء الأدبي والنقدي، والأسئلة الوجودية الحائرة، كما أنه يمثل باكورة مطبوعات الكاتب في مجال الكتب، رغم غزارة إنتاجه وسعة نشره في المجلات والدوريات المتخصصة. أما الذاتي منه فهو خروج الدكتور أمير حمد بعد أن إكتملت أدواته الإبداعية من قمقم الإحتجاب ودائرة الزهد الصوفي الذي ظل يتلفع به الي آفاق الجدل الثقافي العام، لأن تجربة الكاتب ليست ملكه إذ سرعان ما تتحول الي ملك مشاع ليعلن علي رؤوس الأشهاد عن موت الكاتب وإحياء النص.
إن جدلية الكاتب الثقافية تتلخص في المنفي والبحث عن الذات، فهو قد خرج متمردا عن سياق منظومة الجبر الإجتماعي في الإختيارات الوجودية ، باحثا عن الحرية وتحقيق الذات وهي جدلية كل المثقفين العرب في المنافي الإضطرارية والإختيارية.فهو قد ترك بسطام وراءه ولكنه غافل حظه عن الأوبة ، فتوطنت قيمته وذاته الإبداعية في المهجر ولكن ما زالت أدواته التي ينسج بها خيوطه الحريرية ومادته التي يشكل بها صلصاله الإبداعي تخرج من بيئته الأصلية من السودان وهي مستودع حنينه وموئل أحلامه وتطلعاته وهاجسات أشواقه ومطاف ذكرياته. وهو بحكم تموضعه الأدبي بإعتباره أحد أصوات للثقافة العربية بألمانيا، يحاول أن يصنع جسرا من التواصل والحنين الدافق بين عالمين أحدهما شاخص أمامه والثاني بعض أطلال في الذاكرة يحاول ان ينفخ فيه من روح الحياة ليتمثل له وطنا سويا ولكن هيهات فقد بعدت به الشقة. وهذا مصدر كل الإرتعاشات الفنية والقلق المبدع لكل كاتب أحس أن له وطنا مضاعا عجز أن يسترده إلا في ذاكرته، ولهاث أنفاسه وصرير قلمه.
ورغم زعمي في بداية هذا التقديم أن شفرة الكاتب الإبداعية عصية علي التفكيك، إلا أنني علي عسر ذلك نزاع الي التصديق، ان ثلاثية الغربة والمنفي والبحث عن الذات هي من سيمائيات تفكيك النص وتحليل شخصيته الإبداعية، ويظل التصوف هو الحقيقة الكبري والمنبع الذي يلقي بفيوضاته العرفانية علي وجدان الكاتب ليشكل له لون الحرف وعمق الفكرة وسقف المعني والبوصلة الهادية للإبحار نحو أفق بعيد.

[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1163

خدمات المحتوى


خالد موسي دفع الله
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة