المقالات
السياسة
العقد الاجتماعي: الطريق إلى حل المعضلة السودانية؛ 3-6
العقد الاجتماعي: الطريق إلى حل المعضلة السودانية؛ 3-6
05-22-2013 06:20 AM

في الحلقة السابقة تحدثنا عن الاحتجاجات المطلبية في دارفور، وأن الحكومات المتعاقبة كلها عملت على إجهاد كل فرص الحلول، وبالتالي أدى ذلك إلى فصل جنوب البلاد وأصبح دولة مستقلة بذاتها. هنا برز سؤال موضوعي وهو، ماذا تستفيد النخب الحاكمة إذا تحول البلد إلى صومال ثاني؟. وبالتالي خلصنا إلى أن العقد الاجتماعي هو الآلية المثلى لصنع الدستور الدائم للبلاد. واليوم نواصل لمزيد من التوضيحات في هذا الإطار.
هناك اجماع عام عند علماء السياسة، بأن الدولة تكون مكتملة التكوين عندما تتوفر فيها عناصرها الأربع المذكورة آنفاً. ففي السودان لا وجود لعنصر الدستور المُتفق عليه من كافة شعوب الدولة، مما أدى ذاك الغياب إلى تأجيج الصراعات بين عناصر الدولة المختلفة. وتعود السبب في عدم إكتمال تأسيس الدولة السودانية إلى عدم التوافق في صياغة شكل النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والقانوني (الدستور) الذي يتمسك به التجمع البشري ويدافع عنه للحفاظ عليه، ومن ثمّ الاستقرار السياسي للدولة واستدامة الأمن والشروع في التنمية التي تقود بدورها إلى رفاهية شعوب الدولة. يجدر بنا هنا أن نذكر أن بناء الدول بالمفهوم الحديث في عمومها تقوم على أساس إحدى النظريات التالية: (أ) نظرية العقد الاجتماعي، وفيها يرى جان جاك روسو في كتابه (العقد الاجتماعي)، لسنة 1762م، أن الإنسان وجد نفسه في الأصل في حالة طبيعية ومتحرراً من كل ارتباط اجتماعي. لكن حاجة البشر للحياة الاجتماعية الضرورية لوجودهم جعل روسو يصل إلى قناعة مفادها، "تأتي الحياة الاجتماعية لا من ضرورة لصيقة بطبيعة الإنسان وإنما من عقد إرادي أُبرِمَ بين أفراد الجماعة"، ففي هذه الحالة يكون الأفراد قد استشعروا الفائدة التي يمكن أن تعود عليهم عن التنازل عن استقلالهم بمقتضى اتفاق عام يسميه روسو العقد الاجتماعي. وبمجرد إبرام هذا العقد يصبح هو أساس الدولة، وأساس سلطة الدولة أي السيادة، وأخيراً أساس الحريات الفردية. (ب) نظرية العقد السياسي، وفيها يتم اتفاق بين أشخاص أو بين هيئات سياسية موجودة قبل وجود الدولة، فتتشكل تنظيمات اجتماعية سابقة على نشأة الدولة، هذه التنظيمات تتفق علي وضع دستور دائم ومن ثمّ إقامة سلطة سياسية مركزية وعلى إنشاء الدولة. الأمر الذي فشل فيه منظمات المجتمع المدني (مؤتمر الخريجين) مع التنظيمات السياسية والاجتماعية آنذاك من القيام به، أما الفشل الأعظم فيعود إلى الأحزاب السياسية في فترات الديمقراطية الثلاث، وذلك لطبيعة تكوين الأحزاب السياسية نفسها – دينية طائفية وعقائدية متطرفة – طرد الحزب الشيوعي السوداني من البرلمان الشيئ الذي يوحي بعدم اعتناق الأحزاب السياسية للديمقراطية الليبرالية على حقيقتها، الجدير بالذكر أن البرلمانات الثلاث في الفترة ما بعد الاستقلال كانت أصلاً جمعيات تأسيسية الغرض منها هو صناعة الدستور الدائم للبلاد. وبالتالي أثبتت نظرية العقد السياسي عدم جدواها في التجربة السودانية حتى الآن، ليس فقط للسبب المذكور آنفاً، بل أيضاً لتأصيل أزمة الرؤية السياسية لدى التنظيمات السياسية والاجتماعية التي كانت عليها دور القيام بوضع الدستور. (ج) نظرية المؤسسة، تنطلق هذه النظرية من نقطة أن الدولة بها كل خصائص الهيئة الاجتماعية المنظمة، فالدولة هي مجموعة أفراد تقودها حكومة مركزية لتحقيق مشروع معين وهو إقامة النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي يستفيد منه كل أفراد الجماعة، وفي هذه الحالة يلعب عامل الظرف التاريخي الدور الفعال لتطوير هذه النظرية ومن ثمّ تصبح الدولة هي صاحبة السيادة بدلاً عن الحكومة كما كان سائداً في البداية. مرة أخرى لن تصلح هذه النظرية في السودان لأن البلد عبارة عن تجمع عدة دول، أي ثقافات مختلفة ولا يمكن لنمو ثقافة واحدة أن تطغى على بقية الثقافات المتعددة.
إذاً في سعينا لإعادة تشكيل الدولة السودانية، لن تبقى للسودانيين الذين يؤمنون بوحدة البلاد، إلا تجربة نظرية العقد الاجتماعي، التي توضح بأن العلاقات بين البشر هي من نوعين فقط. الأولى هي علاقات العداء، التي تحصل وتشكل حالة الطبيعة للإنسان، ففي حالة الطبيعة هذه، كل إنسان يرى بأن لديه الحق في أن يفعل ما يشاء من أجل أن يحافظ على ممتلكاته والاستفادة منها لنفسه فقط. ووضع السودان الآن هو أن نخب الشمال النيلي يفعلون ما يشاؤون ليستفيدوا هم فقط من خيرات البلد كلها، والنتيجة هي حالة الحرب التي شملت كل أرجاء السودان. أما العلاقة الثانية فهي علاقات العقد، التي تُأمن وتشكل حالة السلم للمجتمع. فالعقد الاجتماعي – علاقات العقد - يعمل على هزيمة حالة الحرب عن طريق التعاقد بين الأفراد. ففي عصرنا هذا، فإن علاقات العقد تقوم بين الشعوب المختلفة التي جمعتهم رقعة جغرافية محددة وذلك من أجل إنشاء دولة ذات سيادة قوية.
نشأ مفهوم العقد الاجتماعي في صورته الحالية، كتطور طبيعي للفكر الفلسفي الذي كان سائداً في القرنين السابع عشر والثامن عشر، لوصف الأوضاع السياسية للمجتمعات الأوربية، ومن ثمّ تم ابتكار نظريات من شأنها أن تسوق إلى حلول لتلك الأوضاع، فكانت من ضمن تلك الأفكار المتطورة، فكر العقد الاجتماعي الذي أتى بحلول ناجعة للصراعات القائمة آنذاك في أوروبا، فهذه الأفكار جعلت من مجتمعات النزاعات، أن تتحول إلى مجتمعات المجتمع المدني المتحضر. إن مفهوم العقد الاجتماعي، الذي يعني في معناه العام، إبرام اتفاق بين الناس الذين جمعتهم رقعة جغرافية محددة، بموجبه يتحدون ويكونون هيئة معنوية لإدارة الإرادة العامة هم يسمونها دولة، يصبحون رعاياها ومواطنون فيها، يتساوون في الحقوق والواجبات. لهذا ومن منطلق المفاهيم النبيلة للعقد الاجتماعي، أصبح في قناعاتنا الراسخة، أنه يمكن أن يصلح علاجاً مفيداً للأزمات السياسية في دول العالم الثالث وبالأخص السودان.
في بحث تطور مفهوم العقد الاجتماعي، يمكن أن نستخلص هنا بعض آراء فلاسفة فترة التنوير في أوروبا، فنجد أن الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز (1588 – 1679م) يقول "أن سلب الحريات من الناس والصراعات" التي كانت موجودة في عهده، والصراع في إنجلترا و"علاقة الملك بالبرلمان ثم علاقة الدين بكل من المجتمع والدولة، شكلت الأرضية للتفكير في قيم الحرية". فيقوم هوبز ويصف الناس "بأن معظمهم يعتقدون أنهم أسمى من الآخرين، وهم يتصفون كذلك بغرور باطل. وحقيقة الأمر أن معظم الناس متساوون في القدرات الجسدية والعقلية". وبعد مرور أكثر من أربعمائة عام، نكتشف أن هذا الوصف مطابق تماماً في حكام سودان اليوم، من غرور باطل وعدم إعترافهم بالمساواة بين الناس في القيمة البشرية. وبما أن هذا هو حال السودان، في القرن الحادي والعشرين، يجب على الأجيال الحالية أن تسعى جادة للبحث عن الحلول الناجعة والمستدامة. وهذا يتطلب الفهم العميق والإيمان الراسخ بأن طبيعة العقد الاجتماعي هو ما يجب أن يفهمها الناس بأنها الآلية الفعالة التي يشترك فيها الجميع في صناعة فعالياتها حتى تكون نتائجها مقبولة للكل كأساس للمجتمع لإثبات حقهم في البقاء. وفي هذا يقول توماس هوبز أن "العامل الأساسي هو الحرية أو الحق المنظم بالطبيعة أو العقل." من هذا فإن هوبز يصف حالة الطبيعة بأنها علاقات العداء، وأن علاجها تكمن بتوفير حق أي فرد للبقاء.
وفي موقع آخر، فإن العقد الاجتماعي في معناه العام، هو اتفاق مجموعة من الناس من التنازل عن حريتهم الطبيعية للإرادة العامة دون أن يتركوا حرياتهم. وعندما تُنتزع منهم حرياتهم الطبيعية تقوم الثورات التي تقود في النهاية إلى عقد اجتماعي أو الاتفاق لصالح الإرادة العامة (حالة السودان في الوقت الراهن)، أي إنشاء الدولة برضاء الجميع. ويذكر توماس هوبز، كيف أن الحروب الأهلية في إنجلترا وثورة البرلمان بقيادة أوليفر كرومويل، أدي إلى إعدام الملك شارل الأول في العام 1649م، كما تسببت تلك الثورة الإنجليزية في قيام ثورة مماثلة في فرنسا أدت بدورها إلى إعدام الملك لويس السادس عشر في فرنسا. وبعد أكثر من أربعة قرون من ثورات الحرية في أوروبا، تتكرر نفس الأحداث اليوم في عالمنا الثالث ولنفس الهدف، أي الحريات. فها هي الثورة الليبية تؤدي إلى قتل الزعيم الليبي معمر القذافي في ليبيا في 20 أكتوبر 2011م، بينما هرب زين العابدين بن علي، الرئيس التونسي السابق خارج بلاده، وسجن محمد حسني مبارك في وطنه مصر، وما زال مصير بشار الأسد، السوري وعمر البشير، السوداني، مجهول.
في قراءة أخرى لفيلسوف إنجليزي آخر هو جون لوك (1632 – 1704م)، إذ يصف حالة الطبيعة "بأنها الحرية التامة التي يكون للناس فيها الحق في تنظيم أفعالهم والتصرف في ملكياتهم، والميل إلى أشخاصهم على نحو ما يرونه مناسباً لهم داخل الإلتزام بقوانين الطبيعة - الذي يوحي بالنظام العقلاني لوجودنا - دون الحاجة إلى الإعتماد على إرادة أي إنسان آخر". وقانون الطبيعة هذا عند جون لوك، يهدف إلى أن يُعلِم الناس بشكل أساسي على أن لا يؤذي فردٌ فرداً آخراً. فالإتفاق هو الطريقة الوحيدة التي يسلب بها الفرد نفسه من حريته الطبيعية، ويدخل في إلتزامات المجتمع المدني، باتفاقه مع البشر الآخرين على الدخول في وحدة وتشكيل المجتمع المدني.
هنا يؤكد لنا جون لوك، أن الدولة في المجتمع المدني (طبيعة العقد الاجتماعي)، "تنشأ من اتفاق جماعي بين الناس على أن يكون الحكم فيها للأغلبية. وبهذا الإعتبار فإن حكومة المجتمع المدني هي مخلوقة عندما أي عدد من الناس يصنعون بالاتفاق كل مع الآخر مجتمعاً، فإنهم بذلك يصنعون مجتمع الجسم الواحد بقوة تفعل ككيان واحد، محدد فقط بإرادة وشرط حكم الأغلبية المقيدة"، أي الأغلبية التي يجب أن تحترم حقوق الجميع، بمعنى آخر فإن جون لوك يقترح الطريقة الديمقراطية االبرالية كحل لحالة الطبيعة العدائية. لذا فإن "حاجة المجتمع المدني إلى السلطة الحاكمة أو الدولة، هي الحاجة للمحافظة على الحياة والحرية والملكية، وهي حقوق مهددة بالتعدي". لهذا فإن غاية القانون هي الحفاظ على حرية الإنسان. والعقد في طبيعته عند جون لوك، هو تنظيم للحرية بالقانون. وقيام المجتمع المدني هو دلالة الحرية المنظمة. وبالتالي فإن مصدر قوة الدولة ينبع من العقد أو الاتفاق، الذي يقيد الحكومة ويفصل السلطات ويقر حق الثورة، عندما تخرج الحكومة عن العقد أو الاتفاق.
وفي فرنسا، نجد أن الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو (1712 – 1778م)، قد طور نظرية العقد الاجتماعي إذ يرى فيه على "أنه نابع من عدم المساواة السياسية، إذ تمثل الامتيازات التي يتمتع بها البعض على حساب الآخرين. فالناس يعيشون الحاضر فقط، ولا يمتلكون أية خطة عقلانية للمستقبل". وبالفعل هذه هي حالة النخب السودانية الحاكمة، خاصة أهل المؤتمر الوطني، إذ أنهم برهنوا خلال عقدين ونيف من الزمان أنهم لا يملكون أية رؤية وطنية لمستقبل البلد أو حتى لتنظيمهم، ويدل على ذلك التعمد في إضاعة الفرص التي توفرت، والتي كانت في مقدورها أن تحل المشاكل المستعصية ولو جزئياً. ويطلق روسو السؤال التالي، "كيف تستطيع السياسة الفاسدة أن تتحول إلى سياسة جديدة للفضيلة المدنية؟" ويجيب فيقول "يمكن من خلال شكل التربية المدنية التي تعلم الأفراد واجباتهم. وتعلمهم جعل حب وطنهم في المقدمة". وهذا التوجه نحو التربية الوطنية هو الذي يُؤسس الفكرة المحورية أو الفكرة الرئيسية للعقد الاجتماعي الجديد عند روسو.
ففي موضع آخر يسأل روسو نفسه، “How to find a form of association which will defend the person and goods of each member with the collective force of all, and under which each individual, while uniting himself with the others, obeys no one but himself, and remains as free as before.” أي كيف يوجد شكل من الاتحاد، يقوم عامة الناس المتحدون يدافعون ويحمون بكل قوتهم، الشخص وخيرات كل متحد معهم، عن طريق الوسائل التي بها يتحد كل فرد مع الكل، ومع ذلك لا يطيع إلا نفسه فقط، ويبقى حراً كما كان؟ وهذا بالطبع هو جوهر المعضلة السياسية، إذ يقوم روسو ويجيب نفسه فيقول أن الحل يوجد في، "العقد الاجتماعي الذي يشترط أن كل فرد يجب أن ينقل كل حقوق المرء إلى المجتمع. ولما كان هذا الشرط متساوياً بالنسبة لكل فرد، فليس لأحد مصلحة أن يجعله شاقاً على الآخرين." ويسأل مرة أخرى "لماذا يقبل الأفراد بهذا النوع من الترتيب الاجتماعي؟" فيجيب، "ذلك لأنهم يرغبون في أن يحددوا لأنفسهم دوراً في التنظيم الجمعي. وهكذا يريدون مثل كل الآخرين الخضوع للقواعد والأهداف المشتركة للنظام أو التنظيم." فهنا تكمن الميزة التي يجنيها الأفراد بعمل هذا، إذ "أن كل شخص يهب نفسه للجميع لا يهب نفسه لأحد". بمعنى أن كل شخص أصبح محكوماً بفكرة الخير المشترك ذاته، الذي يرى بإعتباره مفيداً لكل الناس، بما فيهم بطبيعة الحال نفس المرء أو نفس الفرد، فيدخل كل شخص في التوجه الأسمى للإرادة العامة. وعمل الإرادة العامة هنا هو أساس حياة المرء. فالإرادة العامة بالنسبة لروسو هي دائماً حق، وهو قناعة تتجسد في ما تطالب الآخرين ليفعلوه لك، يجب أن تفعله لهم.
وفي موقع آخر، يتحدث روسو عن مستوى الوعي السياسي المتقدم، الذي يجب أن يتوفر لجمهور الشعب، فيقول "يعتمد تعضيد المساواة السياسية على إمكانية المجتمع الذي فيه يكون المواطنون قادرين على التفكير بالقضايا العامة باعتبارهم يناقشون المسائل أو القضايا المواجهة لهم، وعندما لا يملك الناس هذه القدرة تتحول السياسة إلى صراعات المصلحة الخاصة باستخدام المنتصرين القوة العامة لتشجيع أهدافهم الخاصة على حساب الآخرين." على ضوء هذا يجب أن نقر بضرورة الإثراء في نقاش المسائل الخلافية باسلوب حضاري، لنصل إلى تفاهم مشترك ومن ثمّ سلام دائم، الذي هو مقصد فكر العقد الاجتماعي.
فالحروبات أياً كانت أنواعها - قبلية أو أهلية أو دولية - تقضي تماماً على حق البقاء الإنساني، مما تجعل مجموعات غفيرة من البشر أن تهرب منها إلى أماكن أخرى طلباً للمأوى، سواءً كانت هذه الأماكن داخل أو خارج دولتهم وذلك من أجل سلامة أرواحهم من شرور الحروب. إذاً حق البقاء – الحياة -هو أساس الحقوق البشرية، إذ تأتي قبل الحقوق المدنية، كحق التنقل والتملك وحق المساواة في القيمة البشرية ... إلخ. فحرب الجنوب بدأت بمطالبة الحقوق المدنية، تمثلت في مطالبة الجنوبيين المشاركة في السلطة السياسية عن طريق نظام فيدرالي للحكم، هذا المطلب قاد السلطة المركزية، كما رأينا، أن تطور الأمور إلى صناعة الحروب الأهلية، والتي بدورها هددت حياة قطاع عريض من المواطنين من الوجود، فما كان من هذه الفئة التي تواجه تهديد الفناء الكلي إلا أن تطالب بحق البقاء، وعندما فشلت في تحقيقه نجحت في الجانب الآخر في تأسيس دولتهما المستقلة. مثال آخر، في دارفور بدأ الصراع بمطالب للحقوق المدنية على مستوى المجتمع الدارفوري، تمثلت في مطالب تنمية اجتماعية واقتصادية في عموم دارفور. إلا أن النظم المركزية عملت على صناعة الحروب القبلية والأهلية في سعيها لاسكات الألسن التي تطالب بالحقوق المدنية. من الطبيعي أن تقود هذه السياسات إلى حمل السلاح في وجه الحكومة المركزية، البشير يعلن في الفاشر، العاصمة التاريخية لإقليم دارفور، في 13 إبريل 2003م، بسحق التمرد وأنه لا يريد جريحاً ولا قتيلاً بل الأرض فقط، وهو يعني بهذا القول سحق إنسان دارفور دون تمييز. هذه الأفعال والأقوال قادت أهل دارفور بأن يطالبوا بحق البقاء على قيد الحياة، ولا ندري إلى أين يقود هذا المطلب؟. مرة أخرى تأتي المهمة الأساسية للعقد الاجتماعي في وضع حد نهائي لإنتهاك حق البقاء البشري، وذلك بوقف الحروبات القبلية والأهلية.
في عصرنا هذا، ليس بالضرورة أن يطبق مفهوم العقد الاجتماعي باتباع نفس الخطوات التي تمت في أوروبا في القرون الماضية. الذي يهم، بل ضعنا نقول أن المطلب الوطني الأساسي الآن هو أن تجتمع كل شعوب السودان المختلفة ليمثلوا أقاليمهم، في مؤتمر جامع وبإرادتهم الحرة ليعبروا عن مصالحهم، ففي ذلك يجمعون على إجابة سؤال محوري، وهو كيف لهم أن يعيشوا في هذه الرقعة الجغرافية في أمن وسلام دائمين؟ أو بصورة أخرى، ما هي الشروط التي تجعلهم يعيشون مع بعض في دولة واحدة؟ والإجابة على ذلك تتلخص في، القيام أولاً، بإبعاد كل المسائل التي تفرق بين الناس من أية عملية دستورية، سواءً كانت تلك المسائل قائمة على أساس الدين أو العرق أو الجنس أو اللون أو الإقليم أو القبيلة أو الخلفية الثقافية. وهذا يعود إلى طبيعة الإنسان الاجتماعية حيث أن الإنسان لا يستطيع العيش منعزلاً عن غيره من أفراد البشر الآخرين، خاصة فيما يتعلق بالمصالح الاقتصادية والاجتماعية حيث أن أي فرد من أفراد المجتمع يحتاج للمعاملات الاقتصادية مع الآخرين، فلا بد لهم أن يتعاونوا من خلال تفاعلاتهم الاجتماعية المختلفة.
مما سبق هناك حاجة ماسة الآن لفتح حوار موضوعي وجاد لكل القضايا الدستورية الخلافية، إذ لا بد من الوصول إلى وفاق وطني حولها، والذي من شأنه أن يسهل عملية التعاقد الاجتماعي عندما يحين وقتها. فعلى سبيل المثال لا الحصر: إقحام الدين في السياسة، التوزيع العادل لثروات البلاد، الهوية القومية السودانية، الحريات والحقوق الأساسية للإنسان، الديمقراطية التوافقية، نظام الحكم مركزي أم لامركزي، تحديد عرق بعينه لإدارة شئون الدولة (السياسة الإقصائية)، تفضيل ثقافة محددة لتهيمن على بقية الثقافات، إقرار جنس واحد لإدارة الدولة – كأن تقول أن المرأة لا تصلح لقيادة الدولة، وهكذا. مثل هذه القضايا وعدم التوصل إلى التوفيق في معالجتها، هي التي تسبب الصراعات والإقتتال بين الناس أفراداً وجماعات. ومن ثمّ خلق بيئة غير آمنة للجميع، بيئة تقود إلى فقد مصالح الأفراد، بيئة تؤدي إلى الإنهيار الكلي للمجتمع. لهذا، فالحل يكمن في الوصول إلى صيغ توفيقية من أهل الشأن لتؤدي إلى عمل الإرادة العامة. وهذا ما يعنيه روسو في كيف يوجد شكل من الاتحاد يدافع ويحمي بكل القوة الشخص الفرد وخيرات كل متحد، عن طريق الوسائل التي بها يتحد كل فرد مع الكل، ومع ذلك لا يطيع إلا نفسه فقط، ويبقى حراً كما كان؟ أي العقد الاجتماعي الذي يشترط أن كل فرد يجب أن ينقل كل حقوق المرء إلى المجتمع. إذاً عملية العقد الاجتماعي، هي اللبنة الأساسية لوضع دستور دائم للبلاد، أو قل هي الدستور بعينه، لأنه نما في قناعتنا أن وضع السودان الحالي حتماً سيقود إلى مستقبل مظلم للغلية لا أحد يستطيع أن يتنبأ بنتائجه. إذاً صنع الدستور الدائم الذي ينبع من عملية التعاقد الاجتماعي هو الذي يحقق بناء وطن يدين له جميع أبنائه بالمحبة والولاء والإنتماء، إذ أنه من شأن ذلك أن يضع السودان في أعتاب طريق التنمية والرفاهية لشعوبه.

نواصل .....

أبكر محمد أبوالبشر
Abuelbashar2002@yahoo.co.uk
مانشستر "المملكة المتحدة"‏، ‏‏الأربعاء‏، 22‏ مايو/أيار‏، 2013م.





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 794

خدمات المحتوى


أبكر محمد أبوالبشر
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة