05-28-2013 02:51 AM


تحدثنا في الحلقة الماضية عن مزايا مفهومي العقد الاجتماعي وحق تقرير المصير، وتوصلنا بأن تقرير المصير له أربع إحتمالات وهو يخص فئة أو شعب محدد داخل الدولة الواحدة، بينما العقد الاجتماعي يشمل كل شعوب الوطن الواحد، وبالتالي هو أشمل منظوراً من حق تقرير المصير. كما توصلنا بأن هناك بعض المسائل الدستورية الخلافية يجب أن يثرى فيها النقاش الموضوعي منذ الآن، ففي هذه الحلقة سوف نحاول فتح الباب لنقاش بعضها راجين التوفيق من الهد.
العلمانية
إبتداءً، الجميع متفقون على أن السودان بلد متعدد الأعراق، والديانات، والثقافات، واللغات. وهذا واقع لا يمكن إلغاءه أو تجاهله. من هذا المنطلق الجميع ينادي علناً بعدم تفرقة الناس على أساس الدين أو العرق أو نوع الجنس أو اللون أو الإقليم أو القبيلة أو الخلفية الثقافية. وهذا يعني في حقيقته عندما يأتي السودانيون لممارسة العمل السياسي، وجب عليهم أن يلتزموا بهذا النداء، ولا يقحموا هذه الأمور في العمل العام. إذا كان الأمر كذلك ما الذي يمنع من استخدام كلمة العلمانية لتعني ليس فقط فصل السياسة عن الدين، بل أيضاً فصل السياسة عن العرق وكذا نوع الجنس والإقليم والقبيلة والثقافة؟ وفي واقع الأمر، عندما ندعو إلى فصل السياسة عن نوع الجنس، لا نعني عزل الجنس البشري، بل نعني بألا يكون هناك نص في دستور البلاد يحدد نوعية الجنس البشري "رجل مثلاً" الذي يتولى ممارسة العمل العام، وهكذا ألا يكون هناك نص في دستور البلاد يحدد الدين كمرجع أساسي للفعاليات السياسية، لأن ذلك سيقودنا إلى صراع آخر لا نهاية له في أي نوع من الديانات ومن ثمّ أي مذهب من المذاهب المتعددة يكون المرجع المعتمد، أي بمعنى آخر يجب علينا فصل السياسة عن المشاعر الوجدانية. فالشاهد في الأمر أن فصل سلطة الدولة عن الدين يعتبر شرطاً ضرورياً لتوفير الحرية للمواطنين. ذلك أن القول بأن الدولة تستمد سلطتها من الدين ليس ذلك فقط يضع عبئاً فوق طاقة ضمائر الأفراد الذي سيعوقهم علي رؤية الدولة علي حقيقتها، بل سيمنعهم من محاسبة حكوماتها الدينية عندما ترتكب أخطاء جسيمة. فالعَلمانية أي Secularism‏ تعني، اصطلاحاً فصل الدين والمعتقدات الدينية عن السياسة. فالسياسة أمر تحتاج إلى تطوير مستمر، حسب متطلبات العصر التي بدورها يحتاج إليها الإنسان باستمرار. وقد تعني العلمانية عدم قيام الحكومة أو الدولة بإجبار أي أحد على اعتناق وتبني معتقد أو دين أو تقليد معين لأسباب ذاتية غير موضوعية. من هنا يمكن أن نشير إلى الرأي الذي مفاده أن الأنشطة البشرية والقرارات ولا سيما السياسية منها، ينبغي أن تتجرد من التأثير الديني والإثني. لذا من الناحية السياسية، العلمانية هي التحرك في اتجاه الفصل بين الدين والحكومة. وهو ما يسمى في كثير من الأحيان في الدول الغربية بالفصل بين الكنيسة والدولة. في هذا نجد أن المفكر البريطاني جورج هوليوك الذي يعتبر أول من ابتدع مصطلح العلمانية في العام 1851م، يصفها بأنها نظام اجتماعي منفصل عن الدين غير أنه لا يقف ضده "لا يمكن أن تفهم العلمانية بأنها ضد المسيحية هي فقط مستقلة عنها، ولا تقوم بفرض مبادئها وقيودها على من لا يود أن يلتزم بها. المعرفة العلمانية تهتم بهذه الحياة، وتسعى للتطور والرفاه في هذه الحياة، وتختبر نتائجها في هذه الحياة". وبناءً عليه، يمكن القول أن العلمانية ليست أيديولوجيا أو عقيدة بقدر ما هي طريقة للحكم، ترفض وضع الدين أو سواه من المشاعر الوجدانية كمرجع رئيسي للحياة السياسية والقانونية، وتتجه إلى الإهتمام بالأمور الحياتية للبشر بدلاً من الأمور الأخروية، أي الأمور المادية الملموسة بدلاً من الأمور الغيبية. هذا المفهوم لمعنى العلمانية، قاد الكثيرين في أمريكا بأن يقولوا أن الدولة العلمانية قد ساعدت إلى حد كبير في حماية الدين من التدخل الحكومي.
ودعماً لما ذهبنا إليه نستشهد بقول الشيخ/راشد الغنوشي في محاضرة ألقاها في مقرّ مركز دراسة الإسلام والديمقراطية بتونس يوم الجمعة الموافق 2 مارس 2012م، إذ قال " تبدو العلمانيّة وكأنّها فلسفة، وكأنّها ثمرة تأمّلات فلسفية جاءت لمناقضة ومحاربة التصورات المثالية والدّينية. الأمر ليس كذلك، العلمانية ظهرت وتبلورت في الغرب كحلول إجرائيّة وليست فلسفة أو نظرية في الوجود بقدر ما هي ترتيبات إجرائية لحل إشكالات طرحت في الوسط الأوروبي. أهمّ هذه الإشكاليات ظهرت بفعل الإنشقاق البروتستنتي في الغرب، والذي مزّق الإجتماع الذي كان يدور في إطار الكنيسة الكاثوليكية بما فرض الحروب الدّينية في القرن السادس والسابع عشر. هكذا بدأت العِلمانيّة أو العَلمانية، حتّى اللّفظ العربيّ ليس مُتَّفَق عليه، فاللّفظ الأوّل يبدو وكأنّه من العِلم والأمر ليس كذلك، أمّا الثّاني فهو من العَالم ويشير إلى كلّ ما هو دُنيوي وهو الإستخدام الأقرب." ... ويتابع، "أنّ المقصد الأسنى لنزول الرِّسالات هو تحقيق العدل ومصالح النّاس، هذه المصالح تتحقق من خلال إعمال العقل في ضوء موجِّهات، مقاصد، مبادئ وقيم الدّين. لذلك ظلّ هنالك مجال للمعاملات يعرف تطوّراً مستمراً ومنه نظام الدول وهذه تمثل المتغيّرات، بينما ما هو عقائدي وشعائري وما هو قيمي أخلاقي يمثل الثوابت." ... ويفصح أكثر ويقول، " لذلك الإشكال الغربي تمحور حول كيفيّة تحرير الدولة من الدّين ممّا أدّى إلى ثورات كبيرة لنيل هذه الغاية، بينما وجهٌ من وجوه الإشكالية عندنا هو كيف نحرِّر الدّين من الدولة ونمنعها من التسلُّط على الدّين وأن يظلَّ هذا الأخير شأناً مجتمعيّاً متاحاً لكل المسلمين بأن يقرأوا القرآن ويفهموا ما شاؤوا ولا بأس في التعدد الذي يفرض قدراً كبيراً من التسامح. أمّا إذا إحتاج المسلمون إلى قانون فالآليّة الديمقراطيّة المعاصرة هي خير تجسيد لقيمة الشّورى في الإسلام بحيث الإجتهاد حينئذ لا يكون فردياً بل جماعيّاً من قبل ممثّلي الشّعب. ... الدين مداره الأساسي ليس أدوات الدولة وإنما القناعات الشخصية، أمّا الدولة فمهمّتها تقديم الخدمة للناس قبل كلّ شيء كمواطن الشغل والصحة الجيّدة والمدرسة الجيّدة أمّا قلوبهم وتديّنهم فأمرها لله. ولذلك أنا عارضت كلّ سبيل لإكراه الناس على أيّ أمر وطرحت موضوعاً شائكاً في بعض المواطن وهو ما يسمّى بالردّة بمعنى أنّ مهمّة الدولة أن تحدّ من حرّية الناس في الإعتقاد. إذا كان مبدأ لا إكراه في الدين متفقاً عليه فقد دافعت عن مبدأ الحرّية في الإتّجاهين: حرّية الولوج في الدين ومغادرته لأنّه لا معنى لتديّن يقوم على الإكراه، لا حاجة للأمّة الإسلامية بمنافق يبطن الكفر ويظهر الإيمان والإسلام لأنّه لم يتعزّز صفّها بإضافة من هذا القبيل. فالحريّة هي القيمة الأساسية التّي يلج بها الإنسان دار الإسلام، فالناطق بالشهادتين يعبّر عن قرار إختياري وفردي يقوم عن وعي وبيّنة. ولذلك فالدولة منتسبة للإسلام بقدر ما تحرص على أن تتماثل بقيمه دون وصاية من مؤسسة دينية لأنّه ليس هناك مثل هذه المؤسسة في الإسلام بل هناك شعب وأمّة يقرّران لنفسهما عبر مؤسساتهما ما هو الدين، فأعظم قيمة في الإسلام هي قيمة الحرّية."
هوية السودان القومية:
الواقع المعاش أن الناس لا تستطيع أن تتعايش فوق رقعة جغرافية واحدة، فيها يتبادلون المنافع وينظمون شئون حياتهم الكثيرة، دون أن تكون تلك المعاملات قائمة على رؤية العيش المشترك، يشارك في تأسيسها كل المجتمعات داخل تلك الرقعة، وذلك بهدف البقاء والمعاش والأمن والرفاهية. لكن إشكالية الهوية القومية في السودان، هي إقحام ما يعرف بـالمد الحضاري العربي الإسلامي، الذي من أهدافه بالطبع إعادة إنتاج الإنسان السوداني داخل الهوية الإسلاموعربية، مستغلاً في ذلك التعريف الكلاسيكي للهوية، الذي يعني ذاتية الإحساس بالوحدانية والاستمرارية الشخصية، الإحساس بالانتماء إلي منظومة راسخة من القيم التي تكون الاتجاه العقلي والأخلاقي للمرء، وتعطى الأفراد خصائصهم المتفردة، أي أن الهوية إدعاء للعضوية، يستند إلى كل أنواع النمطيات مثل العرق، الجنس، النوع، الطبقة، الطائفة، الدين، الثقافة ... إلخ. لكن في عصرنا هذا ترتبط هوية الشخص بكيانه السياسي، أي بحدود الدولة السياسية التي يعيش داخلها بغض النظر عن عرقه أو لغته أو دينه.
هنا نلاحظ أن أزمة الهوية في السودان تحدث على مستويين إثنين، هما المستوى الشخصي والمستوى الاجتماعي. فعلى المستوي الشخصي، تنشأ الأزمة عندما تحين لحظة إحداث التوافق بين التماهيات الطفولية وبين تعريف جديد وعاجل للذات، تقوم علي جهد يستمر كل الحياة، (إدعاء قبائل الجعليين والدناقلة والشايقية من الشمال النيلي، بأنهم عرب يقابله نكران عرب الجزيرة العربية لإنتماء السودانيين لهم) والفشل في تحقيق ذاك الإدعاء يسبب أزمة حقيقية ربما تكون لها نتائج مدمرة على الأفراد المدعيين بذلك. أما على المستوى الاجتماعي، فتنشأ الأزمة عندما يفشل الناس، وهم يصنعون هوياتهم في الوطن الواحد، في العثور على نموذج يناسبهم تماماً (السودانيون المستعربون)، أو عندما لا يحبون الهوية التي أجبروا على تبنيها (الشعوب الإفريقية الأصل).
لذلك عندما تُبعد كل المسائل الخلافية بحيث لا تتدخل في إدارة شئون الدولة دستورياً، ويبقى القاسم المشترك الوحيد الذي يجمع السودانيين هو البقعة الجغرافية أي السودان، حينئذ تصبح الهوية القومية للسودانيين التي لا خلاف فيها هي السودانوية. لأن واقع الحال يقول أن الإنسان يُعرف بقطره، فالوثائق الثبوتية للشخص تبين إسمه وتاريخ ميلاده وإسم بلده الذي يتنمي إليه ونوع جنسه، مثلما الأقطار تُنسب للقارات، إذاً المسألة في الأساس هي تحديد الرقعة الجغرافية لمعاش الشخص، وهي عنوان الإقامة والمعاش. فلا مجال للجدل البيزنطي لإثبات ما يسمى ببرامج إعادة إنتاج القوميات السودانية المختلفة ودمجها في قومية واحدة، أي العربية.
النسيج الاجتماعي السوداني:
حماية المجتمع وأفراده ومؤسساته هي من مسئولية الحكومة، والمجتمع مجموعة من الشعوب المختلفة ذات العلاقات المتداخلة وكل منها يؤثر بالآخر وبعضها يكمل بعضها البعض، فالحفاظ على النفس البشرية من واجبات الحكومة، واستتباب الأمن من مهام الحكومة، والحفاظ على أخلاقيات المجتمع من مهام الحكومة أيضاً. السودان من أكثر البلاد تعدداً في أطيافها وكذا في نسيجها الاجتماعي بحكم تكوينه السكاني الواسع المدى والمتشكل الأعراف والثقافات. لهذا فإن موضوع وحدة النسيج الاجتماعي مسألة ضرورية تجب التركيز عليها لإشاعة روح التعايش السلمي بين الثقافات والديانات المختلفة وحيث يصل سقفها حدود روح السلام والمحبة والوئام لتؤطر لحياة أرضيتها تسع الاختلاف والإتفاق.
فالنسيج الاجتماعي السوداني الذي كان يُشهد له بالسماحة وقبول الآخر، إذ دل على ذلك الهجرات الداخلية التي شملت كل شعوب السودان، والتزاوجات البينية، واستقبال الهجرات الخارجية. هذا النسيج وبهذه الصفات قد تفكك تماماً بفعل سياسات التهميش والإقصاء وعدم الإعتراف بالآخر، فهي التي قادت إلى صناعة الحروبات القبلية والأهلية، هذا التفكك البَيّن لا ينكرها إلا مكابر. فمنذ ثمانينات القرن الماضي بدأ هذا التفكك في إزدياد مضطرد، وبلغ ذروته في عهد نظام الجبهة القومية الإسلامية الحالية.
ومنذ إستيلاء الجبهة القومية الإسلامية للسلطة في السودان، على نحو ربع قرن من الزمان، أصبح المشهد على المستوى القومي - عرقياً - يشير بأن قبائل الشايقية والدناقلة والجعليين تقف متحدة ضد بقية أهل السودان، وهي مشاهدات ليست فقط من قبل السودانيين بل أيضاً موثقة في كثير من كتابات الأجانب، فأضحت الشعور بالغبن التي كانت مستورة نوع ما في السابق، معلنة الآن من قبل إنسان الهامش، إذ يعتقد جازماً أنه يعيش في حالة من الاستعمار الداخلي ذات توجه عرقي/عروبي وديني/إسلامي. المدهش في الأمر أن هناك مناكفات قوية بين هذه القبائل نفسها في الإقليم الشمالي، ويدل على ذلك الصراع الدائر اليوم بين أهل المؤتمر الوطني أنفسهم، وهي على أساس قبلي.
وعلى مستوى المشهد الإقليمي يعد إقليم دارفور أفضل الأمثلة لتفكك النسيج الاجتماعي، إذ قادت سياسات المركز المتمثلة في تطبيق سياسة فرق تسد، إلى تمزيق النسيج الاجتماعي الدارفوري. هذه السياسات المركزية التي شملت كل القبائل في دارفور وقسمتهم في البدء إلى ما يسمى بقبائل الزرقة وقبائل العرب، إلا أن تلك السياسات قد انقلبت على النظام نفسه وعملت أخيراً إلى تجدد غبن كل شعوب دارفور متحدة ضد الجلابة (المؤسسة الحاكمة في المركز). وإذا نظرنا لإقليم كردفان نلاحظ بوضوح تام وجود صراع خفي لكنه عميق بين شطري الإقليم شماله وجنوبه، ولكننا لا ندري أسبابها بشكل واضح.
أردت بهذا ومن منطلق قناعتي الذاتية بأنه يجب أن يُفتح باب الحوار واسعاً بين شعوب السودان المختلفة لمناقشة كيفية رتق النسيج الاجتماعي، لأن جراح الغبن هذا بين الناس – بين القبائل داخل الإقليم الواحد وبين الأقاليم في بعضها – جد عميق وخطير قد ينسف فكرة وحدة البلاد برمتها، فلا شيئ غير الحوار الجاد، ولا شيئ غير آلية الحوار المستقل النابع من الشعوب نفسها، بعيداً عن التدخلات الحكومية والحزبية. فالحوار القبلي والشعبي هو الوحيد القادر على رتق النسيج الاجتماعي السوداني، في كل حالاتها القبلية والجهوية.
نواصل .....

أبكر محمد أبوالبشر
[email protected]
مانشستر "المملكة المتحدة"‏، ‏‏الثلاثاء‏، 28‏ مايو/أيار‏، 2013م.







تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 567

خدمات المحتوى


أبكر محمد أبوالبشر
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة