06-01-2013 08:10 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

هنالك قامات او رموز وطنية أعطت وما أستبقت شيئا، لأجل وطنها وشعبها عن إيمان بهما ورغبة صادقة في رفعة شأنهما، كجزء من تركيبتهم الخيرة وأفقهم الواسع وحسن تربيتهم الوطنية والإنسانية، وإحساسهم العالي بأن للأوطانِ في دم كُلِّ حُرٍّ يدٌ سلفت ودينٌ مستحق، ويقابل ذلك إستعداد فطري للبذل والعطاء وتحمل الأذي، والصلابة في مواقف الشِدَّة، وكل ذلك أكسبها مزيد من الإحترام والتقدير، والمكانة الخاصة التي تسربت لأ إراديا داخل شُعَبْ النفوس، وتعلقت قسريا بخلايا العقول، وأضاءات عشقا جنبات القلوب، للمتفقين معهم في مواقفهم والمحبين لهم خاصة، وللمختلفين معهم في تقدير الإمور بصورة عامة، ولو بقدر قليل من التقدير! ولكن وفي كل الأحوال ظل محل تقديرهم، ما لأ تنتطح فيه عنزان او تنعق فيه غربان، او تناله سهام الأذي من بعض المتربصين والعاجزين، عن إدراك تلك القامات أو دفع جزء من التكاليف الباهظة، التي أوصلتهم الي هذه المكانة المرموقة في النفوس، وتَبَوُّء مراكز متقدمة في تاريخنا المستضئ جسارة وعزة نفس وإباء. ومن ضمن هؤلاء الكوكبة النيرة، يتخذ مكانه عن جدارة وإستحقاق، الأديب والكاتب والسفير الدكتور علي حمد إبرهيم، الإنسان المرهف النبيل الجميل في مواطن التعامل الإنساني والدبلوماسي والأدبي، فهو كنسمة عابرة رطبت جفاف النفوس الملتاعة، وأشجَّت الأرواح المعذبة، من ندرة القدوة والمثال الصالح، في زمان الإنكسار والإنهيار الشامل والسقوط المفجع للكبار! وقد كان طوال تاريخه كالسيل الغاضب، ضد أفاعيِّل الإستبداد وظلم وجهالة العسكر، وتخريب الديار بأيدي من يفترض أنهم أهلها! وهو في كل ذلك لا يريد جزاءً من أحد او شكرا من وطن، علي مواقفه الصلبة المجافية للمساومة، او قناعاته المبنية علي المعرفة والخبرة والتواصل الشفيف مع الآخر في كل مكان. لأ اعرف الكاتب معرفة شخصية ولا تربطني به علاقة من أي نوع، ومعرفتي به عبر كتاباته التي تستهويني وأجد فيها عزاءً للنفس ومتعة للقلب وفائدة للعقل، وللأسف هذه المعرفة ليست منذ أمدٍ بعيد، ولكنها ظلت ثابتة منذ أن تعلق بصري بكتاباته وشغف القلب باسلوبه وأفكاره، إلا من بعض المرات القليلة بسبب المشغوليات القاهرة والإنقطاع القسري، ولكن في الحقيقة أكثر ما جذبني إليه، مواقفه المعلنة والواضحة ضد هذه الجماعة الضالة، وإيمانه الراسخ بالديمقراطية وعودتها الظافرة وإنتصارها في آخر المطاف، وسعيه الجاد لتخليص وطنه من هذا الكابوس المرعب، الجاسم علي صدر الوطن لما يقارب ربع قرن من الزمان! ليتبوأ مكانته التي يستحقها كوطن ديمقراطي خير، شرعته المؤسسية وديدنه الوفاء للتقاليد والقيم الإنسانية. وحتي إنتماءه لحزب الأمة لم يلجم لسانه ويقيد حركته الصاعدة، نحو التأسيس لحزب أكثر مؤسسية وديمقراطية، تعينه ليس في تجاوز إشكالاته الداخلية فقط، ولكن في الوقوف بحزم ووضوح ضد الوضع الإنهزامي السائد والمواقف الحائرة والخائرة، ضد نظام يعلن كل لحظة عشقه للغدر، وتسفيهه للآخر، وسخريته من المعارضة، وإنتهاكه لكل الإتفاقيات والأعراف المرعية، وإزدرائه لكل الحلول الموضوعية! مما يستوجب التخلص منه كمطلب ملح وأساس، يَجُّب كل التوافقات والإتفاقيات والرخاوة السابقة معه، ومن ثم تشيِّد البناء الوطني علي أسس أكثر رسوخ وإستفادة من أخطاء الماضي، والتحصن ضد تكرارها وما تجلبه من كوارث! وعلي العموم الإختلاف مع الأقرباء او أعضاء التنظيم، علي أسس موضوعية تتجاوز الحرج والمجاملات الشخصية، فعل قاسٍ وتكلفته مؤلمة ولا يقدر عليه إلا أصحاب العزم، من أهل الرؤية الثاقبة والنفوس العالية والإرادة الفولاذية، ولأ يعلم مرارته إلا من كابده وإصطلي بناره من الأصدقاء قبل الأباعد! وسبب هذا المدخل الذي يدعو للتذكير بأشياء في حكم البداهة، هو ما تعرض له الكاتب من تعدي وظلم في حقه، من شخص او جهة، وفي الحقيقة لأ علم لي بها، ولكن من خلال السياق وأعني المقال المكتوب بعنوان حديث مع النفس الجريحة، قدرت أنها من طرف حزب الأمة، الذي يحمله بين جوانحه وطوف به الأرجاء ويشغل فكره ونشاطه، ليراه في قيادة الركب الوطني والتحرري والتنموي. ليفجر فيه ذاك التجني كل الألم والأسي الموصوف في المقال أعلاه، ولو كان هنالك حسنة واحدة لمثل هذه السهام المسمومة، التي إنتاشت رجلنا القدير، فهي أنها أظهرت لنا جوانب هامة من شخصيته لم نكن نعلمها من قبل، ولو أنها ليست بمستغربة في طبعه وسلوكه العام عبر مسيرته الطويلة(مد الله في أيامه وأكرمه بالعافية وحسن الختام)، وهي مواقف تحمل طابع شراسة عزة النفس الآنفة عن الضيم، والتي تخالط كل كيانه، وعشقه الأكيد للحرية وعدم رهنها لكل المغريات، لذلك تمثل الإساءة لشخص، في قامة الدكتور علي حمد إبراهيم، قلة وطنية وجهل بمعرفة وقيمة الرجال الأوفياء، وتسفيه لدور الأحرار. وهذا بدوره يقودنا الي خلل وخطب جلل، عانت منه الممارسة السياسية السودانية طوال تاريخها المديد، والذي في حقيقته يدل علي نقص المناعة الديمقراطية، والتحسس من الرأي المخالف او المختلف مع المجموعة، وإعتباره نوع من المعارضة او المعاكسة او محاولة لشق الصف، كأنهم صف من الطوب المرصوص! وليس بشر تتباين رؤاهم وطباعهم ورغباتهم، وإن الغرض من الإنتماء لتنظيم محدد، ليس تتطابقهم في وجهات النظر والطموح، ولكن الإتفاق علي أهداف محددة، يتراضوا علي تنفيذها حسب المهام الموكلة لكل فرد، مع إمكانات التجديد والتغيير، بما يتناسب والظروف المحيطة لكل مرحلة تاريخية بعينها...الخ، وأعتقد أن مرد التحسس من الإختلاف يرجع الي، أنه صادم لنفسية وروح القطيع، التي تُخفف العبء وتُخلي المسؤولية عن الأفراد بصفاتهم الشخصية، وتقيد الأخطاء ضد مجهول وتوزع دمائها علي كتلة المجموعة! المهم أكثر ما تتبدي مسألة النقص في المناعة او غياب النهج الديمقراطي السليم، في حزب الأمة نفسه! وذلك بسبب التداخل بين الدين والسياسة من جهة، و الخلط بين التقليد والحداثة من الجهة الأخري! وحتي الدين نفسه تحول الي طائفية او مهدوية أي وجهة نظر في الدين تلفحت بطابع القداسة! وتاليا حدت من اي إمكانية للخروج بهذا الحزب من العباءة المهدوية وبصورة أدق آل المهدي وأصهارهم وتاريخهم! وإنفتاحه الواسع علي قيم الحداثة التي يبشر بها كغيره من الأحزاب الوطنية، وللمفارقة الأحزاب نفسها أحد إفرازات الحداثة وكان المأمول منها أن ترد الدين لها! ولكننا نجد أن المتحكمين في مفاصلها، قد أدمنوا العادة الإنتقائية السيئة في التعامل مع قيمها، والتناقض المربك مع جوهرها! ومن ضمنها بالطبع حزب الأمة وعلي رأسه السيد الصادق المهدي! علي الرغم من مسايرة الحزب لبعض التحديثات الشكلية، في طريقة إختيار القيادة والتكوينات التنظيمية، والمشاركة عبر المدخل الديمقراطي في الشأن العام، إلا أن تلك الممارسات شبه الحداثية، بالذات داخل التنظيم كان الغرض منها! ليس الإيمان بالأساليب الحديثة في إدارة الحزب، وإلا علي الأقل لفصلت مسألة الإمامة عن القيادة حتي لا تلبسها نوع من القداسة والحماية! ولكن أعتقد أن الغرض من ذلك اي اسلوب التحديث الناقص، هو تمكين القيادة ليس من السيطرة علي الحزب فقط، ولكن من السيطرة علي حق التنظير والفكر والتنظيم داخل الحزب، وبمعني آخر عودة المرجعية الدينية والفكرية والتنظيمية لشخص واحد، وهو السيد الصادق المهدي في هذه الحالة! وهذا الخلط لم يضر بحزب الأمة فقط، ولكنه أضر اكثر بالسيد الصادق المهدي نفسه! بتبديد جهده بالركوب في عدة سروج في قت واحد! وأكثر ما أضعف رئاسته للحزب، أي المدخل السياسي وهو الأهم، أي كرجل دولة، قادر علي المفاضلة بين القرارات ووضوح الرؤية والحزم في مواطن الحزم، وتقديم نموذج حقيقي في التعامل مع السلطة، التي أتته علي طبق من ذهب أكثر من مرة، او في التخلي عن السلطة وتقديم نموذج في الترفع عن مغرياتها، خاصة بعد فشله المتكرر ليس في القيام بواجبها فقط! وإنما حتي في المحافظة عليها من الضياع! وكل ذلك بسبب التضخم الشديد الذي أكتسبته شخصية السيد الصادق المهدي، وسبب هذا التضخم، يرجع الي إنتماءه لعائلة المهدي الكبير كسبب أساس، وثانيا بسبب تربيته علي أساس أنه قائد البلاد الأوحد، الذي أُعطي الحكمة وفصل الخطاب والذكاء والقدرات السياسية والفكرية الخارقة، التي تخوله للحديث في كل موضوع، ورئاسة حزب ليس بحجم حزب الامة فقط، وإنما رئاسة السودان مدي الحياة! ولا بأس من مساعدة الشعوب الأخري في كيفية حكم نفسها، مستفيدة من عطاءه في التوفيق بين الأصل والعصر! وساعده في ذلك التصور الدفاع المستميت عنه، من كل المقربين منه أو أصحاب النفوذ الذين يستمدونه من علاقتهم به، بل حتي كريماته الفاضلات وظفن كل قدراتهن الإعلامية والسياسية، للزود عن حرمة قرارات ومواقف وقراءات السيد الوالد، والدفاع المستميت عن صحتها، وإيجاد المبرارت لتلك المفارقة للواقع والمغالطة لبداهة الحقائق، مثال ما هو المنطق لرئاسة فرد واحد لحزب واحد طوال عمره، لو أخذناها من ناحية بيلوجية او عمرية فقط! ألا تتفاوت قدراته في كل مرحلة! وهكذا يمكن قياس أدائه في كل المجالات التي إرتادها! وقد يُبَرَر موقفهن، بذلك الشعور النبيل، المرتبط بإحساس الأب القدوة المرفوع عنه الخطأ! أو التحرج عندالإختلاف معه، والضغط الثقافي والديني الذي يفسر الإختلاف بالعقوق، وكل ذلك يستدعي فضيلة الصمت، علي الأخطاء والتقصير التي لا تجوز في العمل العام! وكانت النتيجة تحول السيد الصادق المهدي، الي ما يشبه آيات الله في النظام الإيراني أو ما يسمي بمجلس تشخيص مصلحة النظام، وغيرها من الشخصيات والكيانات، المتعالية علي المساءلة! ولأ ننسي أن هنالك رابطة بين المهدية و(نظرية) الإمام الغائب التي تستند عليها سلطة الآيات في إيران، ولو من ناحية المرجعية التراثية والتاريخية! بغض النظر عن صحتها أو عدم صحتها او إقتناع البعض بها أو إنكار البعض الآخر لها! وهذا لا يعني أن السيد الصادق المهدي خلو من الميزات والفضائل، بل بالعكس فقد أشتهر بعفة اللسان والقلب وطهارة اليد، وإمكانته الفكرية والسياسية، ولكن مشكلته كما أعتقد ترجع للإسراف في النشاطات المتعددة، وعدم إدارة هذه الملكات بصورة جيدة، وسوء ترشيدها وتوزيعها حسب مراحل العمر، وعدم توجيهها الي أغراض تعلو علي حب السلطة والقيادة والزعامة، بدلا عن إستجداء لقب رئيس الوزراء السابق، والتعلق به كأستار الكعبة، وهو لقب لم يعض عليه بالنوجز ويستميت في الدفاع عنه او يعطيه ما يستحقه من إنجازات!
لذلك وجود شخصيات بحجم الدكتور علي حمد إبرهيم في حزب الأمة، وغيره من الذين ينتمون لحزب الأمة من منطلقات سياسية، ويَعِفْون عن المغانم المتصدق(من الصدقة) عليها من قبل السيد الإمام الصادق المهدي! ويجدون صعوبة كبيرة في مجاراة أوضاع كهذه، وقد يلجأون الي التغاضي عن بعض الأخطاء وللأسف قد تكون أخطاء مميتة! وتأجيل مناقشتها والبت في أمرها، بسبب تقديم أولويات نبذ الإختلافات وتوحيد الجهود، لمواجهة الخطر الأعظم وهو النظم العسكرية الإنقلابية، التي إضافة الي إحتكارها للفضاء السياسي العام، وتفضيل طقس مصالحها الخاصة علي كل الفصول، نجدها أيضا تعطل النمو الطبيعي للإحزاب السياسية، وذلك بحرمانها من الحاضنة الديمقراطية، والفضاء الشرعي الوحيد لبث الروح والحيوية في جسدها الغض، والوقود المحرك لعجلاتها لتنطلق الي الأمام، وأيضا وجود هذا الخطر الداهم يستهدف وجودها، ويسعي جاهدا لبث الفرقة داخلها، وبينها وبين الاحزاب الأخري ضد بعضها البعض، وإستقطاب العناصر الضعيفة داخلها وإغرائها بالسلطة والمال! كل ذلك جعل تأجيل البت في الإختلافات الداخلية والتنازل عن المطالب المستحقة داخل الحزب، كنوع من العمل الأخلاقي المطلوب، وفيه نوع من الترفع والصبر ومقاومة تيار الرغبات الداخلية، في المطالبة بإلإصلاح العام لشأن الحزب، وفك الإرتباط بينه وبين العائلة المهدوية المالكة، كأولوية قصوي، لأنه بإنصلاح هذه العلاقة، ينصلح سائر عطاء ومواقف الحزب، وتاليا الجهد السياسي الجماعي، المفضي بدوره لتطوير الأداء الوطني العام. الذي طالت أوجاعه بتأجيل حسم الإختلافات وتأجيل المطالب في النفوس، لتنخر في إعضائه الأمرض وتصيبها بالتصلب والتعطيل والفساد! أي أن المؤسسة العسكرية لم تجمد العملية السياسية فقط، ولكنها تساهم وتخلق مبررات واهية لإستمرار القيادات التاريخية في مراكزها! وبالتالي تكلسها وتكلس طبيعة القيادة ذاتها، وذلك لغياب روح المنافسة العادلة وإحباط الطموح المشروع، وتاليا غياب مياه التجديد الشبابية المالكة لرؤية مغايرة ومتجددة، وأقرب للواقع ونبض الجماهير وإحتياجاتها، التي غابت عن بال تلك القيادات التاريخية، الهائمة في سماء ماضيها المتوهم بالإخضرار، وذكريات فحولتها الفكرية والثورية، وإتخاذهما كقلادة شرف تتدرع بها عند كل محاولة للمساءلة او التشكيك، او تعتبرهما كميراث تضحوي، يعطيها سلطة الديمومة في مراكز القيادة الي أبد الآبدين! وكل ذلك ساهم في تقزم دور الأحزاب، والتي تحولت في النهاية الي نوع من العمل لمن ليس له عمل! او فرض نوع من الوجود الشكلي، أو مجرد أجسام هلامية، تسيطر عليها القيادات التاريخية كنوع من الأملاك الشخصية، وهي كما أسلفنا تستند علي تضحياتها الماضوية، كأن الغرض من تلك التضحيات هو (الكنكشة) والسيطرة الدائمة علي الحزب، وليس الإيمان بقضايا معينة او حق الشعوب في التمتع بحريتها وخيراتها، والوقوف بحزم ضد إستغلالها من بعض الإنتهاذيين والأرزقية أصحاب المصالح الشخصية والحماية الخارجية! والمحصلة ضياع الأحزاب وضعف التجربة السياسية العامة، وفتح الباب واسعا أمام تشكيلات أخري، تنوب عن الأحزاب في دورها الذي لم تؤده كما يجب! كالحركات الثورية او الجهوية او الإقليمية، الإبنة الشرعية لحالة الفراغ السياسي، التي تفرضها النظم الإستبدادية بقصر نظرها المعهود! لذلك عندما تأتي الإساءة وسوء الظن والفهم من الأصدقاء او رفقاء الدرب او أعضاء التنظيم الواحد! فإن وقعها علي النفس يكون إعظم أثرا وأكثر إيلاما(وظلم ذوي القربى أشد مضاضةً على المرء من وقع الحسام المهند، كما ينسب لطرفة بن العبد) وذلك لأنهم أكثر دراية ومعرفة بالشخص المعني بالإساءة، وكم من المرات تشاركوا الهموم والبذل والتضحيات، وعملوا معا في دروب العمل السياسي الشاق، والأكثر مشقة في ظروف السودان! ولو كان هنالك ما يعيب او يدعو للإساءة إذا إفترضنا أن الإساءة جائزة! لماذا لم يتخذوا هذا الموقف منذ وقت مبكر لتتضح الرؤية للجميع؟ او ليصحح الشخص المستهدف سلوكه او أخطائه، إذا ما صدق أنحرافه عن السلوك السياسي القويم، الذي يتفق مع أدبيات اومبادئ الحزب المعني! ليتداركها ويتوج ذلك بإعتذار صريح، او يقتنع بصحة موقفه ويفارق بإحسان، حفظا للود القديم! وهذا بالطبع جزء من دورهم وحق الصداقة والزمالة وما تقتضيه الأمانة السياسية! ولكن الطعن من الخلف ونعوت كالتملق والنفاق وغيرها، عندما تملأ الآفاق وتحل محل الإختلاف السياسي المشروع، حتي بين أعضاء التنظيم السياسي الواحد، يعني أن هنالك علة كبري وأمر جلل داخل التنظيم! وبين أعضائه! وكما ذكرت أكثر من مرة ، يعود ذلك الي الإنغلاق الحزبي، وعدم توسع مواعين الحوار، وإنعدام الأسس الموضوعية لحسم الجدل والخلافات الداخلية! وبدلا من أن تثري هذه الإختلافات العمل وتعالج الأخطاء داخل التنظيم، تتحول الي إحتقانات ونتوءات وتورم إضافي علي جسم الحزب السياسي، لتزيد من أمرضه المستوطنة، وعلله المرافقه له منذ التأسيس الأول، علي دعائم هشة تنخر في أعمدتها، الروابط الأهلية والعشائرية والطائفية والأسرية والعلاقات الشخصية، ومما فاقم من المشكلة المزمنة كما اسلفنا تأبيد القيادة لدي فرد محدد، تغول علي الحزب وفرض حالة من الأبوية المطلقة او نوع من البابوية علي بقية الأعضاء، ليخلق نوع من التمايزات والإصطفاف، بين الرئيس والمحيطين به من جهة، وجموع الحزب او العوام الحزبيين من الجهة المقابلة، وكل مجموعة لها حدود حركتها ومساحة مساهمتها وأفق طموحها، بحيث تختص المجموعة الأولي بالمكاسب والإمتيازات، وتدفع الثانية أكلاف التضحيات، أي تتحول الي وقود او وسائل لتحقيق رغبات المجموعة الأولي، والتي لا تعدم الوسائل التي تضفي عليها المزيد من الشرعية، التي تمكنها من إستدامة هذه الأوضاع المجحفة، مثل الدين والمعرفة والحسب والنسب والقدرة علي التنظير بغض النظر عن مردوده! والماضي المُتخيَّل او المعاد إنتاجه علي مقاس ورغبات الحاضر والمستقبل، وبتعبير آخر الحزب مبني علي التراتبية الأجتماعية بدلا من الثورة عليها وتحطيمها لمصلحة الكفاءة والمؤسسية! والمحصلة تحولت الأحزاب من واحدة من أدوات السياسة، ووسائل الحكم الفعَّالة السلمية الآمنة، ولبنة أساسية في بناء دولة المؤسسات، الي مهنة للعيش او طق الحنك عند تقدم العمر، ووصول دبيب الشيخوخة الي مكامن القوة، وإستحقاق الجسد للراحة والسكون! وبالتالي وبدلا من أن تساعد هذه الأحزاب في تقدم العملية السياسية، ومراكمة خبرات تقيل عثراتها، نجدها تحولت الي أحد معيقات الممارسة السياسية نفسها، وإكسابها هذا الشكل المهترئ والأداء المتردي، ومما زاد الطين بلة، فقدان هذه الأحزاب القدرة علي الإصلاح الذاتي، وإمكانية تجاوز العثرات، والنتيجة إعادة إنتاج المواقف الخاطئة والمتخاذلة، في اوقات عصيبة يمر بها الوطن، واكثر ما يحتاج فيها الي تكاتف تنظيماته السياسية، ووضوح رؤيتها، لقطع الطريق علي عملية التشقق الذاتي لكيانتها، وإبتكار آليات تمكنها من لعب دورها المنوط بها، وتبعد عنها شبح التلاشي والزوال الذي يحيط بها إحاطة السوار بالمعصم، وذلك بسبب المردود السياسي السيئ، وتركها المساحة خالية لترعي فيها النظم الإستبدادية دون قيد او شرط؟! لتؤدي لا محالة الي تفكك الدولة، وتبديد راسملها من التعايش والتراحم والتماسك، الذي ميَّزها طوال تاريخها الحديث(ولأت حين مندم!). وإضافة الي أن فعل الإساءة فعل قاصر ومشوش، فأنه يبدد المجهود ويشتت التركيز، عن رؤية الهدف الأساس، وهو مواجهة هذا الكابوس الإنقاذي، الذي يقود البلاد نحو الهاوية، كقطار فقد القدرة علي السيطرة، وقد خرج من القضبان، وهو يسير مندفعا نحو الإصطدام الوشيك، وتحوله الي شظايا تحتاج الي معجزة لتعيدها الي سيرتها الأولي! كما ان هذا النوع من الإساءة، لرموز وطنية، مشهود لها الوقوف بحزم ووضوح، ضد هذه الجماعة الضالة! يبعث الفرح والإطمئنان في نفوس أفراد هذه الجماعة الضالة، ويجعلها تفرك يديها وتنفرج اساريرها، وهي تشغل خصومها بهذا النوع من الخلافات خارج النص والموضوع! وتشكك في صدقية مواقف خصومها، ويعطيها متسع من الوقت لإعادة ترتيب أورقها ورص صفوفها، او علي الأقل الإستفادة من هذه الخلافات، بتضخيمها وتفخيخها وإتخاذها كذريعة لمزيد من التسلط وتغبيش وعي الجماهير، عبر الإعلام المسيطر عليه من قبلها، وذلك عكس الإساءة التي تأتي من أفراد هذه الجماعة الضالة، كما عودتنا خلال وجودها المؤسف طوال تاريخها الطويل، لأن إساءتها تمثل قلادة شرف علي صدر خصومها، وتأكيد لسلامة مواقفهم وصدق حديثهم أي شهادة حسن سير وسلوك في تقيِّم أدائهم، ولكن مجاراتها في إسلوبها أي فعل الإساءة، فذلك ما لا يستقيم فيمن يفترض أنهم يواجهون نظام الإساءة العام! الذي أبدع في الإساءة المادية والمعنوية، للكرامة الوطنية والثروات الإقتصادية والحياة السياسية والآمال المستقبلية، ولم ينجُ الإجتماع الأهلي من شره! وقاد البلاد بجهله وسوء تصرفه الي شفا الهاوية وعجز عن التصرف!! وضَيِّق حلقات الفشل من حولها، ولما أستحكمت حلقاتها أصبحت تنذر بالتشظي والضياع للجميع! وصارت تحاكي لعبة الروليت الروسية القاتلة! أو كمن أطلق طلقة في الظلام، حسب تعبير المفكر الوطني الواثق كمير، في لحظة إحساس صادق بعمق المأساة وهول التعقيدات والوجهة المهلكة التي تسلكه البلاد! خلال فترتها الراهنة، علي أيدي جماعة فاقدة للرؤية والدليل والمسؤولية والشرعية! ولو أنه طرح حلول حاول فيها التسامي علي الأخطاء البشيرية التي لأ تغتفر! وكل ذلك من أجل الخروج شبه المستحيل، من التهاوي والسقوط في جب الحرب الأهلية والفتن العمياء التي لن ترحم احد! ويقول الله عز وجل في محكم تنزيله (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب) (25 ) الأنفال صدق الله العظيم. ولكن بالتأكيد يظل الأكثر تضررا هم المواطنون البسطاء، الذين ظلوا منذ الإستقلال كحال سيزيف في الاسطورة، يحملون صخرة التضحيات والأكلاف العالية من قوت يومهم وصحتهم وأمنهم، من أجل دعم حكومات قاصرة، ومشاريع سياسية عاطلة، لم تورثهم إلا الفقر والجوع والدموع والدماء! وبعد كل ذلك يحاول النظام الظالم! أن يغطي فشله وعجزه بمزيد من الشتائم والتهديد والوعيد! لعلها تمد في عمره المنتهي منذ زمن بعيد! لبعض الوقت المستقطع من زمن التحرر والخلاص!
وفي الختام التحية والإعتذار موجهان، الي الدكتور علي حمد ابراهيم، أحد رموزنا الوطنية وأشجارها الباسقة، حلوة الثمار وأرفة الظلال دائمة الإخضرار، والذي أثبت أن الذهب لأ يصدأ، وأنه يجيد الصبر الجميل، ومقابلة الإساءة بمزيد من التمسك بطريق الجمر الوقاد، الذي إتخذه كسبيل وحيد، لعافية الوطن وخلاص العباد وعتق رقبة المستقبل من رق الإستبداد، وهو طريق مناهضة العسكر والشموليات، المتسبب الأول في نكبة البلاد طوال تاريخها الحديث، تاريخ التخبط والسقوط والصراع العبثي والي الخلف دور! ونعلم أن الدكتور علي حمد إبراهيم، لأ يريد شكرا او دفاعا من أحد، وهو أقدر علي مواجهة كل حملات الإساءة والتشهير، ولكن لأجل من علمنا معني الإنتماء، بصلابة المواقف وركل حتي الحقوق المعطونة بماء المهانة والتنازلات، وساهم في زيادة وعينا بحق الوطن في أن ينعم بالديمقراطية والتنمية والسلام، ولمن طوَّفَ بلاد العالمين من أقصاها الي أدناها، ولم تفتنه عن رؤية غباش قضايا الوطن او غبار كساء الكادحين، ولم تشغله يوما عن معاقرة هموم شعبه، وإدمان البحث عن الخلاص، كمهمة نذر لها روحه الفالتة من عقال المهانة والإستسلام، وقضي جل عمره يبشر بميلاد الزمن القادم، زمن التمدد والرخاء، زمن الإنفتاح والوفاء، زمن الحضارة، زمن الرقي والذوق الرفيع. ودمتم في رعاية الله.


عبدالله مكاوي
[email protected]

تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 628

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#686048 [حليم - براغ]
0.00/5 (0 صوت)

06-02-2013 09:30 PM
الأخ مكاوي تحية طيبة وشكراًً علي المقال المحترم..
مشكلة السودان الأساسية تتلخص في وجود بيت المهدي وبيت الميرغني .. دي مرحلة تاريخية وإنتهت ..ذي ماكان في مصر أحمد عرابي ..وعمر المختار في ليبيا , و في عدة دول أخري .يعني مش كل واحد جدوه حارب الإستعمار أو غير الإستعمار خلاص لازم يكون وريث يحكم بتاريخ عائلتة؟؟ بعدين السودان مش مملكة عشان يكون متوارث لهؤلاء الإقطاعيين لعنة الله عليهم.. الشي المخزي ومحزن تجد مجموعة من المتعلمين وحملة الدكتوراة ..يعبدون هؤلاء الرمم .. ماتفسيرك لهذا يا أخ مكاوي.. أنا تفسيري أن هؤلاء مجرد عبيد فرد كفرة ..وبعيدين كل البعد عن الدين الإسلامي .. وللحقيقة لولا خوفهم من شريعة رب العباد لسجدوا لهؤلاء الأوغاد قبل رب العباد والعياذ بالله .. الطائفية هي سبب رئيسي في توقف تطور السودان السياسي والإقتصادي والإجتماعي .. يعني الطائفية كان ما تحرقت بجاز !! السودان سوف يظل واقف في مكانه إلي يوم الدين!!


#685153 [إبن السودان البار ***]
0.00/5 (0 صوت)

06-01-2013 10:45 PM
مشكلة السودان الكبري ؟؟؟
مشكلة السودان الكبري أن معظم ناسه الطيبين وشبابه المغيب ثقافياً وتعليماً متمسكين بأن هذه الطوائف الدينية التي كونها وقواها الأستعمار أحزاب ديمقراطية وقومية ؟؟؟ في ذبح صريح لكلمة حزب ومعناها الصحيح والمعروف لدي الكثيرين ؟؟؟ وقد يكون ذلك لأن ما ترسب في العقول منذ الصغر قد يصعب إزالته في الكبر ؟؟؟ كيف يمكن أن يكون حزب ملكاً لعائلة بعينها وحكراً لها وكل مناصبها الرفيعة من نفس أعضاء العائلة ؟؟؟ يقال أنه طائفة الأنصار هي التنظيم الوحيد في العالم الذي لا يتكبد تكلفة مواصلات عندما يجتمع المجلس الرئاسي للطائفة لأنه مكون من نفس العائلة ويسكنون في نفس البيت فيصحون الصبح ويتناولون الشاي باللقيمات ويطلقون التصريحات والقرارات وهلم جرررر ؟؟؟ وكيف يكون كبير العائلة بالوراثة وهو الآمر الناهي في التنظيم ولا يمكن نقده أو تصحيحه أو إقالته مهما بدر منه ؟؟؟ وكيف يكون رئيس هذه الطائفة الآمر الناهي وبالإشارة وعلي اتباعه الإنحناء وتقبيل الأيادي والطاعة العمياء علي نهج زعماء المافيا ( دون كارليوني )؟؟؟ هل يمكن لأرجل راجل في طائفة الأنصار أن ينتقد أو يصحح الصادق المهدي ؟؟؟ هل يمكن لأرجل راجل في طائفة الختمية أن ينتقد أو يصحح الميرغني ؟؟؟ أين ديمقراطية هذه الطوائف ؟؟؟ أين برامجها الوطنية ؟؟؟ أين تاريخها الوطني وإنجازاتها علي مدي التاريخ؟؟؟ أن تاريخها لا يخرج عن تربعهم وتشبسهم بالسلطة لحماية إمبراطوريتهم وزيادة وتوسع أملاكهم ومكاسبهم الشخصية ؟؟؟ هل ياتري لهذه الطوائف الدينية مصلحة حقيقية في تطوير السودان ورفاهية وتعليم شعبه أم مصلحتها الحقيقية تكمن في بقائه جاهلاً زليلاً يركع ويبوس الأيدي ويخدمهم بدون أجور في شكل من أشكال العبودية في القرن ال21 وكذلك يطيع أومراهم فقط بالإشارة ويغدقوا عليهم بأموال الندور والمحاصيل وهلم جررر؟؟؟ فيا أهلنا الطيبين أفيقوا الي الحقيقة الدامغة وسمو الأشياء بمسمياتها الصحيحة ؟؟؟ الحزب تننظيم ديمقراطي وطني له برنامج وطني لتطوير الوطن وله قادة نصبوا بالأنتخابات الشفافة ونزيهة وأنتخبوا نتيجةً لمواقفهم الوطنية وحسن سيرتهم ولمدة محددة ويمكن أن ينتقدوا ويصححوا ويقالوا ؟؟؟ الحزب يرنامج وطني ينضم اليه أعضائه بعد الإقتناع بهذا البرنامج وليس بالخداع الديني وشبر في الجنة وفاتحة من أبو هاشم ؟؟؟ فأن لم يحاول أهلنا الطيبين أن يمحوا من ذاكرتهم ما شبوا عليه في الصغر ويفكروا بعقلية العصر عصر الفضاء والإنترنت الخ فسيكون الحال علي ما هو عليه ونهتف مع كهنتنا ونسبح بحمدهم ونركع ونبوس أياديهم ويتوارثونا الي يوم يبعثون ؟؟؟ فأرجو من الذي يعترض علي هذا الرأي أن يصححني بالمنطق السليم ؟؟؟ والثورة في الطريق ؟؟؟


عبدالله مكاوي
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة