القرينان
06-11-2013 07:01 AM

تخير مكاناً قصياً.. تحسباً من راصدة الأعين.. مقرن النيلين مهوى القلب.. والعشق القديم.. منذ فاتحة النزوح الداخلي.. انغرست قدماه بين طميه اللازب.. فتمددت جذوره بين شرايين باطن الأرض وتفرعت أفنانه صوب رحابة الفضاء ...
.. كان الأزرق بزبده الطافح.. والأبيض بوداعته المستكينة.. هما محارته التي يتشرنق فيها حينما تهزمه الحياة وتسدد له لطمات غادرة.. مد (حكيم) ساقيه العاريتين على وثارة العشب الرطيب.. وصفحة وجهه تتلقى نفحات النسيم المخضل بعبق نوار أشجار النيم القائمة هناك كسوار يحف بمعصمي الشاطئ.. انحسرت موجة واهنة في ارتداد تدريجي نحو قلب النهر لتنداح متلاشية خلف هوة العدم.. ثم لتعود مرة أخرى مترعة بالحيوية.. وأكثر اندفاعا من ذي قبل.. غرق (حكيم) في بوتقة الأسى طوى ساقيه وتقرفص لائذا بنسيج الاغترار‼.. ولكنه سرعان ما مزقه وتعرى للريح.. من يستر عجزه وداخله حجرة مكسورة النوافذ‼؟..
أيبقى فريسة للوهم؟
لماذا هو هنا؟
.. لم يعد اختلاؤه بهذا المكان الأثير بمثابة ضمادة تطبب جراحه النازفة‼
.. لماذا أتى إلى هنا؟.. لعله الإحتياج الى العزلة !!؟...
قال لنفسه ذات مرة:
- أنت جزيرة معزولة.
- هذا ما أحسه وأنا بين الناس.
- أجاء هنا ليكافح ضد الوعي؟
أم يكافح ضد هذه (الفجوة) التي تزج به في سجن البدن وتحكم عليه بالوحدة والوحشة؟‼..

ماذا أعطته الدنيا؟
ماذا أخذت منه الحياة؟
هل نهل من ينابيعها وارتوى؟
والظمأ يشقق شفتيه الجافتين ويفري جوفه المحروق.. والماء القراح يتسلسل منسابا أمام ناظريه في عذوبة طاغية لكنه يظل زاهدا في الارتواء‼..
أهو زاهد أم عاجز؟
.. استدار صوب اليمين وطورا آخر إلى اليسار.. كأنه يبحث عن ضالته‼..
.. أيدفعه زهده.. أو عجزه على الأصح للالتجاء إلى هذا الماء المهين..
.. أينسلخ عن جسم المدينة بصخبها وبريقها الخادع الذي يزغلل العيون.. ويدجن العزائم.. وينزوي هنا مفتونا بسحر الاختلاء بالنفس وحوارها الهامس..
في عالم تغول على مساحة الخصوصية ونفي البوح خلف بحار بلا مراس.. وقد أسرج النجوى على صهوة الجموح؟‼..
.. استدار قبالة النهر الهجين.. وأرسل بصره عميقا طامحا في سبر سر هذا الاقتران‼.. تسلق الجبال الشاهقة واعتلى الهضاب.. وغيبته المسافات سائرا وزاحفا.. لفه سحر البحيرات وطواه غموض المنابع‼ لكنه كان عصيا.. حمل السؤال سلاحا.. عالج به فض غلالة السحر وخرق أسجاف الغموض‼ طرح السؤال.. كأن الصمت الأخرس أجابة..
.. كان لحوحا.. أسرت البحيرات.. وأفضت المنابع.. كتم الأسرار.. وأخفى الإفضاء..
.. لن يسر لإنس.. ولن يفضي لجن؟‼.. ستظل بطنه بئرا ويبقى صدره مغارة !!؟...
همس لشخصه المنعكس على سطح الماء بفعل ضوء القمر:
- إنهم يحجرون على الأم أن تمد شرايين الحياة لأطفال الوادي؟‼
- ما جدوى أثداء بلا أطفال؟
- أخاف أن يبتروا أثداءها.
- ماذا تنتظر؟
- ماذا أفعل؟
- افعل شيئا.
- لماذا أنا هنا؟
- لأنك أخفقت معهم في المدينة
- أتجرؤ أن تقول.. أنا هنا.. فرارا من شبح الانطفاء؟
- ها قد عملت!
- كأن العلم زاد لا ينضب...
- أنت.. تهرب من الأسئلة!
- أنا حامل الأسئلة معاولا أنا ثاقب الأشياء.
- إذن لماذا.. أنت هنا ؟
- لعلي.. ربما بسبب الماء
- الماء !!؟
- هذا نداء الماء..
- نداء الماء..
- نداء الماء‼
- ألسنا من الماء؟
- أنت تهرب من جديد‼
- لماذا أهرب؟
- أنت مطارد.
- من يطاردني؟
- شبح الانطفاء..
.. أسقط رأسه.. ثم طوقه بذراعيه لهنيهات كأنه يمنع عنه صدى هذا الانهيار الذي يحدث حوله.. أطلق ذراعيه محررا رأسه من حمايتهما الزائفة.. وأتخذ موقف المهاجم.. لقد أوهنه الدفاع المستديم وأثخنه بجراح لاتندمل...
وقف في مواجهته تماما وامتشق لسانه:
- لست وحدي.. وكلانا مطارد!
- إفك.. افتراء.. هراء..
- ما الفرق؟
- هل ثمة فرق بين حبر الشاعر ودمه؟
- لا أفهم‼
- إنه نداء الماء.
أسقط في يديه.. وكاد أن يلعن عجزه مرتهنا لشبح الانطفاء.. إلا أن لسانه في عسر أطلق احتجاجا:
- كلا.. إنه نداء غريزة البقاء.
- بل اختفاء إرادي.. أنظر.. ماذا ترى؟
- كان (حكيم) يخرج من الماء بعظمه ولحمه.. وهيئته المعهودة التي يعرفها جيدا.
- أنه هنا.. بل أنت هنا.
[هل هناك (حكيم) آخر غيري؟.. الآن أنا حكيمان أينا.. أنا؟‼]
.. تساقطت الأيام وتراجع الزمن.. كان العمر يدرج متمهلا بين مدراج شرخ الشباب.. والعالم غير العالم.. وأوروبا الشرقية تفتح آفاقها لطلاب العلم والمعرفة من العالم الثالث.. كانوا يتقاطرون عليها من كل أركان القارات النامية، أمريكا اللاتينية، وآسيا، وأفريقيا.. خليط من الألوان من كل جنس وملة..
.. في البدء كان (حكيم) بينهم بركانا خامدا.. لكن حرارة المنشأ.. الأرض الحارقة التي لونت وجهه بأديمها.. وأجرت في عروقه دماء فائرة.. أنسلته من نسيج مغاير لأنسجتهم.. فظل مسكونا بهاجس المعرفة.. والحب.
.. أكان طموحه قاصرا؟
.. هل له أبعاد من الطموح أكثر من أن يعرف.. وأن يحب؟
.. أجل.. كان هناك بعد ثالث.. ألم يكن رئيسا لاتحاد طلاب وطنه؟.. في لحظة ما تحرك الجمود.. وانفجر البركان.. فمازج بين المعرفة والحب والسياسة.. كانت قضيته أن يجانس بينهم‼.. أن يجعلهم كلا في واحد.. في موطنه خسر قضيته.. فركب الجو فرارا من مرارة الإخفاق إلى بلاد طيرها عجمي ... هبط إلى ما خلف المتوسط بقلب جريح ومعرفة ناقصة.. وتجربة هشة في العمل العام والآن حدث الهروب الكبير من سكون الحياة إلى حركة الماء فرارا من الانطفاء‼
.. ربما لم يحدث.
أحدث حقيقة؟
أحدث وهما؟
هل يدري أيهما حدث.. الحقيقة أم الوهم؟.. لكن تجربته مع (تانيا).. تجعل حاجزا من الشك يتعامد بين ما حدث.. وما لم يحدث..!!
.. كانت (تانيا) ضلعا من مثلث قضيته.. بادرت بالعطاء.. وشرع في الأخذ.. كانت ينبوعا.. بل بحيرة.
كان صحراء.. وكانت بحيرة‼
.. ارتوت الصحراء.. ولم تنضب البحيرة..
كانت أفقا من التنويعات المختلفة‼.. غابة محفوفة بالمخاطر.. ثغرا عصيا.
.. امرأة تملك وجوه كل نساء العالم‼.. في كل لقاء لها وجه جديد ومذاق مختلف.. وملمس آخر.
.. اندغم.. اندغاما.. وذاق حلاوة العطاء كما ثمل بالأخذ.. أصبحت التجربة نهرا من التواصل لا ينقطع.. بينما ظل منشغلا بالوقوف عند حدود التجربة.. وكاد أن ينسى بعدي قضيته في غمرة انشغاله بأن يحب.
.. أهو عشق.. أم جنون؟
.. احتراب الضلعين.. ضد الضلع الثالث..أخذا (حكيم) عنوة واقتدارا من براثن الحب وسعيه الطموح للتوحد بالآخر..
.. لما تكرر الإخفاق.. وتباعدت الأضلاع.. وانفرجت الزوايا إلى درجة الانحراف‼..
غرق في بطون الكتب.. وغاص في أغوار بلا شواطئ.. والمعرفة الكاملة كمدائن السراب.. بعيدة وقبض ريح‼
تختزن في جوفهاحوارا.. واختلافا واتفاقا.. وما دري أن بذرة الصراع الكامنة فيها قد تنبت مردة وشياطين.. وما دري أن النعومة الظاهرة.. تخفي خلفها الرعب و الجنون والموت.. أهذه هي السياسة؟
.. رفع الأصفياء والأتباع و كان الخسف مصير المعارضين والخصوم وتصفيتهم‼..
.. استكمل مثلث الإخفاق أضلاعه المتساوية في تلك السنين.. وعاد لائذا بدفء الوطن.. من صقيع الغربة.
.. ها هو الآن بين يدي خلق غريب‼.. من لنده هو؟‼.. هناك كان يهفو إلى التوحد في الآخر..
وهنا الأزرق والأبيض يقترنان في توحد بينما هو يرى (حكيم) الآخر بأم عينيه.. يخرج بعظمه ولحمه وهيئته المعهودة من تحت الماء.
.. هل ما حدث تناسخ أرواح؟؟
بل ربما تناسخ أجساد أيضا.
.. ما جاء به إلى هنا؟..
أهو انطفاء.. أم توهج؟.. ما حدث.. أحدث حقيقة؟
أحدث وهما؟
.. ربما حدث حقاً !!
.. ربما لم يحدث..!!.


فيصل مصطفى قاص وروائي
[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 988

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




فيصل مصطفى
فيصل مصطفى

مساحة اعلانية
تقييم
5.50/10 (2 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة