06-11-2013 02:59 PM


ظل أزيز الطائرة الخافت ينساب على أذنيه ويترك أصداء مؤلمة على ذهنه المشوش "اللعنة.. تباً لتلك الرسالة العجيبة ضاع كل شيء..!!" أخبره شقيقه عاطف أن كل شيء ضاع جرفت السيول كل شيء. أخرج علبة الدواء وتناول قرصين وابتلعهما بصعوبة والرسالة الحزينة تدور في راسه. أغمض عينيه في استسلام ورجع بذاكرته إلى أيام الجامعة، عندما سئم الدراسة وشعر بعدم جدواها، تذكر أنه حضر ذلك اليوم ظهراً وجد كل الأسرة مجتمعة على الغداء.. كان "أسد البراري" يقف جوار العربة الكارو يعتلف البرسيم الأخضر ويهز ذيله في جزل، ذلك الحصان المخلص الذي كان معهم منذ أن فتحت أعينهم على الدنيا، يوم مشهود في حياة أحمد أعلن بكل إصرار أنه قرر ترك الجامعة، وقد عرض عليه رجل عقد عمل في السعودية، العقد بقيمة ألفي جنيه في ذلك الزمن الغابر، وافق والده على مضض، كان الحصول على مبلغ الفي جنيه تجربة شاقة "لأسد البراري" الذي عمل يوماً بأكمله من الصباح حتى منتصف الليل الشيء الذي أجهده وأصبح لا يستطيع الحراك لمدة ثلاثة أيام، أحزن ذلك أحمد، أخذه في اليوم الذي تقرر فيه سفره إلى النيل ليغسله كما كان يفعل في الماضي، اغتسلا معاً وعاد الحصان إلى البيت سعيداً منتشياً.
لا زال أزيز الطائرة يطن في أذنيه" إذا مات أسد البراري..!!" كما ذكر أخوه في الرسالة " فتح عينيه في اعياء وقد غطتمها الدموع، كان الحصان جزء من أسرتهم المتواضعة التي تسكن ضاحية الدروشاب جنوب الخرطوم بحري.
"جرفت السيول الصالون الذي بناه من كد قلبه، أخذت السيول والأمطار كل ما في المنزل وذهبت تاركة منزلهم أنقاض "..كان أحمد قد عزم على أن يأتي ليتزوج هذا العام .. لكن هيهات!! كارثة أخرى حدثت " تزوج التوم العرة شقيق تاجر العملة الكبير من مريم فتاة أحلامه منذ الصغر " تمت تسوية غريبة مع أبيها الفقير الحاج عبدالله، ذكرها عاطف في رسالته الطويلة " تباً لتلك الرسالة العجيبة!! " إذاً فلتأخذ السيول والأمطار كل شيء لم يعد محتاجاً إلى الصالون أو الأثاث" …
" ماتت ابنة الجيران ميري بحمى المستنقعات..!!" ، ميري بنت عم دانيال جارهم الطيب وصديق أبيه، من ابناء الجنوب ويعمل في الجيش وكيل عريف والد صديقاه شاول وصمويل. كانت تربط بين الأسرتين كل المناسبات الجميلة، عم دانيال من أعز أصدقاء والده، جمعتهم عشرة عمر طويلة أيام الحلفاء والحرب العالمية الثانية تحصلا على قطعة أرض بصعوبة وتمكنا من البناء سوياً واقتسما الدار … "هرب صمويل وانضم إلى المتمردين..!!".. هذه الأخبار التي أرسلها عاطف كانت تدور كالكوابيس المزعجة في ذهنه المشوش والطائرة السعودية العملاقة تقترب من مطار الخرطوم.. أعلنت المضيفة عن وصول الطائرة مطار الخرطوم الغارقة في البلل.. وهبطت في سلام.
* * *
استقل عربة أجرة تشق به طرقات الخرطوم الموحلة التي لا زالت تعاني من كارثة السيول والأمطار، كان ينظر إلى المنازل المدمرة والألم يعتصره، انطلقت السيارة إلى الضواحي، عند أطراف مدينة الخرطوم بحرى عند محطة اللاسلكي،حيث كان معسكر النازحين.. نظر إلى الخيام البيضاء المنتشرة تحت أبراج اللاسلكي الضخمة كأنها أسراب حمائم حطت على الأرض " إذاً هذا هو معسكر اللاسلكي، كما ذكره عاطف".. أوقف السيارة ونقد السائق أجره، واقترب يشق الطرقات ، ظل الكل ينظر إليه بفضول، الشاب الموفور الصحة الذي حضر إلى المعسكر، تعرف على الخيمة التي تقيم فيها أسرته عندما وجد عم دانيال ووالده يجلسان على كراسيهما المعتادة يستمعان إلى الراديو، كما كانا يفعلان في الماضي ويلعبان الدومينو أيضاً، كان اللقاء خافلاً بالدموع، وخرجت والدته من الخيمة وكل الجيران يحيون العائد من الخارج، حضر عاطف واحتضن شقيقه وأجلسه داخل الخيمة، استلقى على الفرش وجلس عاطف الذي أدركه الهزال أمامه. نظر من الفرجة إلى عم دانيال الذي كان يستمع إلى إذاعة المتمردين في أسى وحزن بالغ..
- مسكين عم دانيال.
هز عاطف رأسه في أسى
- منذ أن اتضم ابناه إلى (أس. بي. أل. أي) وهو لا يكل ولا يمل الاستماع إلى إذاعتهم. نهض أحمد جالساً في دهشة.
- هل انظم إليهم شاول أيضاً ؟!
- نعم رغم أن تلك لم تكن قناعته وأنت تعرف أنه كان يدرس القانون يؤمن بالعدالة وعندما حضروا إلى المعسكر، كانت الإغاثة تأتي من الخارج من مختلف الدول فيتم صبغها بالأديان هنا ، لم يحتمل ذلك واختفي كالمعتاد، عرفنا لاحقاً أنه مع المتمردين من خلال المذياع وكلما يأتي العصر يستمع عم دانيال إلى صوت ابنه شاول الذي يغطي البث الإنجليزي للإذاعة.
تنهد أحمد في أسى ثم ابتلع قرصاً آخر من علبة الدواء وشقيقه يحملق في دهشة وأردف في امتعاض.
- طريقه رديئة لعرض الأديان السماوية !!
ثم تنحى منحى آخر مواصلاً حديثه.
- كيف مات أسد البراري؟
كانت الدنيا شديدة المطر وقام والدنا وبمساعدة "أسد البراري" بنقل كل الأسر التي تقيم في الجوار إلى شريط السكة الحديد، المكان الوحيد المرتفع الذي عصمنا من الماء في تلك الليلة وقد نفق من الإعياء، أحزن ذلك والدنا كثيراً، وقد قمنا بدفنه جوار هذا المعسكر لاحقاً .
دمعت عينا أحمد ونهض ينظر إلى أخيه في أسى.
- خذني إلى مكانه.
نهض عاطف وخرجا من باب الخيمة واتجها غرباً نحو الشمس الغاربة، جلسا هناك تحت ظل شجرة سلم وأشار عاطف إلى مكان مرتفع تعبث به الريح.
- هناك يرقد أسد البراري.
تنهد أحمد بحرقة وقد احمرت عيناه وبدأت يده ترتعش.
- كيف ماتت ميري ؟!
- أصيبت بحمى المستنقعات وعندما انتقلنا إلى شريط القطار أمرت الحكومة بالابتعاد عن المنطقة ورفض المنكوبين ذلك، حضر رجال الاحتياط المركزي واطلقوا علينا الغازات المسيلة للدموع وماتت ميري مختنقة بالغاز، اشتبك صمويل مع الجنود، ضربوه ضرباً مبرحاً ومنذ ذلك اليوم لم يره أحد، انضم إلى المتمردين وكان ذلك قبل اجلائنا بصورة نهائية إلى هذا المكان.
- اللعنة !! هرب كل أولاد عم دانيال وانضموا إلى المتمردين.
- أنا أجد لهم العذر في ذلك، هذه ديماجوجية الأحزاب وليس ديموقراطية.
نظر إلى أخيه في حنق، وهو يعرف أنه يساري وليس الوقت مناسباً الآن لإثارة جدل، إن داخله محطم تماماً، أخرج قرصاً آخر وابتلعه بأصابع مرتجفة.
- وضاعت مريم أيضاً.. تزوجها التوم العاطل عن كل شيء، قريب تاجر العملة الثري.
- نعم كان ذلك.. وأنا أجد آسف لك.
- لا تأسف يا عزيز إنه زمن الكوليرا *
حاول أن يخرج قرصاً آخر، نظر إليه شقيقه في امتعاض ممزوج بالحنق وصاح فيه بحدة.
- انتبه !! ما هذه الأقراص اللعينة التي تناولتها وتتناولها كل لحظة منذ حضورك؟؟!!.
- دعك منها .. اتركني وشأني.
نهض عاطف وانقض على شقيقه محاولاً انتزاع علبة الدواء منه، تشبث أحمد بالعلبة وأفرغ الأقراص كلها في قبضته، كانت المعركة غير متكافئة بين أحمد الموفور الصحة القادم من السعودية وعاطف الهزيل المنهك بحمى المستنقعات، التف كالثعبان على شقيقه يمنعه من بلع الأقراص دفع أحمد شقيقه بعيداً وابتلع كل الأقراص انقض عاطف وهو يصرخ صراخاً هستيرياً على جسد أخيه الذي كان يختلج بشده وخيوط رفيعة من الدم تنساب من أنفه وفمه.
تجمع أهالي المعسكر من كل حدب وصوب، ينظرون في فضول حزين إلى الزائر الغريب الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة وشقيقه جالس جواره ينتحب بحرقة.. سكن جسده أخيراً نهض عاطف واطلق صرخة دواية رددت صداها جنبات المعسكر.. انفض الأهالي الطيبون.. أهالي الدروشاب عرب، نوبه، مسلمين، مسيحيين بسطاء كالثوب الأبيض كالخيام البيضاء التي تغطي الأرض جوار محطة اللاسلكي، وأسدل الستار على حكاية الزائر الغريب الذي حضر من السعودية مات في السودان في معسكر اللاسلكي.
الخرطوم 1988


[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 870

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#694074 [ABU SHAWARIB]
0.00/5 (0 صوت)

06-11-2013 03:21 PM
عادل امين
شكرا
لتلك السيول ولذاك المعسكر ولهتاف ( لا اغاثة بل تصريف ) وقع يرن صداه كلما رأيت قردا من افراد هذه الحكومة أو من افراد سابقتها التى سلمتها الحكم ( أنا حقيقة لا أفرق بينهم ) فجميعهم يجيدون استخدامنا مطايا لبلوغ غايات دنيئة تزيدهم شحما وورما وتزيدنا نحولا واغترابا

اعدتنى لمشاهد تلك الايام البطولية الحزينة ومحمد الفار يحاول سد انكسار ( الترس ) على بيت كمبلاوى بجسده المنهك واللحظة التى ( بصقت ) فيها أول مرة سفة التمباك امام عمى مأمون فزجرنى بابتسامة( كنت وقتها قد فججت الماء لاستخرج من تحته ترابا جافا لتقوية المتاريس )

كانت اياما لا ولم ولن توفيها الكتابة حقهاففيها الكثير جدا مما يجب ان يروى


ردود على ABU SHAWARIB
United States [عادل الامين] 06-13-2013 10:47 AM
الاخ العزيز ابوشوارب
تحية طيبة
واشكر مرورك الانيق
قال حكيم افريقي يوما: انا لا اخجل من نفسي عندما اعري عورات وطني والعاهات التي تنفر منه، لان اذا لم تتطهر امام نفسك ستظل النجاسة تغمر دواخلك مهما استخدمت من ماء وصابون.. ما تراه الان من سرد هو نوع جديد من ادب المهمشين يتلمس طريقه بين ركام ثقافة معلبة عطلت السودان خمسين سنة ولم نصل الى بر....
ويكفي ما قاله العلامة د.منصور خالد عن السودان القديم(النخبة السودانية وادمان الفشل)
انهم ملة واحدة ويجافون طريق الصواب الذى جاءهم مع نيفاشا وتشظى السودان والحديث في هذا الامر ذو شجون..وكمان احزني الموت الفاجع للشيخ الزاكي في الدروشاب في السعودية ولك التحية


عادل الامين
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة