06-14-2013 03:23 AM


(1)

سعدت في أكتوبر الماضي بزيارة لعاصمة الخلافة استانبول بدعوة مزدوجة من رئاسة الوزراء التركية، حيث كنت قد دعيت بترتيب مسبق لتقديم سلسلة من المحاضرات واللقاءات في إطار برنامج نقاشي بعنوان "فكرة تركيا في أوروبا". وقبيل وصولي قررت رئاسة الوزراء ترتيب لقاء دولي بعنوان "منتدى استانبول" (لعلها أرادت به منافسة منتدى دافوس وأضرابه) دعي له أكاديميون وساسة من أركان الأرض الأربعة، فطلب مني المساهمة فيه أيضاً. فكانت هذه مناسبة للاطلاع عن كثب على تركيا اردوغان الجديدة التي أصبحت أحد أهم القوى الفاعلة إقليمياً ودولياً.

(2)

في الحوارات التي دارت بيني وبين كبار المسؤولين الأتراك على هامش هذه اللقاءات أثرت ضرورة التحرك لحسم القضية الكردية التي رأيت أنها إحدى آخر المشاكل التي ظلت تلقي بظلال قاتمة على صورة تركيا الجديدة المنطلقة نحو الازدهار والديمقراطية، والمتصالحة مع نفسها ومع محيطها والعالم. طمأنني المسؤولون بأنهم يبذلون أقصى الجهد لمعالجة هذه القضية الشائكة، ولكنهم شكوا من جهات تعوق الجهود عبر الكشف عن المفاوضات السرية التي كانت تجري وتشويه مضمونها لدى الرأي العام. وقد سعدت غاية السعادة عندما تابعت خلال الأسابيع الماضية النجاح المذهل لمبادرة الحكومة التركية نحو إنهاء النزاع الكردي وما نتج عنه من وقف لحرب استمرت عقوداً.


(3)

على هذه الخلفية تكتسب مظاهرات الأيام القليلة الماضية في تركيا أهمية كبرى. فهناك الكثير مما يمكن الاحتفال به في تركيا اليوم، رغم وجود ما يجوز الاحتجاج عليه. فالبإضافة إلى الاقتصاد المزدهر، والتقدم نحو حل المشكلة الكردية، فإن تركيا شهدت إصلاحات ديمقراطية غير مسبوقة، تم بموجبها إلغاء وتعديل قوانين كثيرة كانت تقيد حريات المواطنين الشخصية والسياسية، وجرى إصلاح القضاء وإنهاء هيمنة الجيش السياسية.


(4)


من الممكن بالطبع أن يتظاهر المواطنون، وبعنف، في بلدان ديمقراطية مزدهرة، كما حدث في بريطانيا أيام حكم ثاتشر أثناء نزاعها مع النقابات العمالية، وكما حدث في الولايات المتحدة وبريطانيا في أعقاب الربيع العربي من قبل جماعات "احتلوا وول ستريت" وتفرعاتها.


(5)

هناك تشابه بين ما تشهده تركيا وما شهدته نيويورك ولندن ومدن غربية أخرى من احتجاجات شبابية ونقابية على السياسات الاقتصادية الحالية. ولكن هناك ما يشبه أيام ثاتشر، حيث وقع صراع بين قوى صاعدة وأخرى في تراجع دافعت عن أنفسها بشراسة. يجب ألا ننسى أن تركيا قد ظلت تحكم لأكثر من ثمانية عقود من قبل نخبة كمالية اجتهدت بدورها في إقصاء، وحتى إلغاء، النخب المنافسة. ولم تتورع هذه النخب عن الدفاع عن نفسها بشراسة ضد أي قوى صاعدة، حيث قامت بإعدام عدنان مندريس بعد انقلاب عام 1960، وقامت بعد ذلك بإقصاء اربكان وحل حزبه عدة مرات، بينما تعرض اردوغان نفسه للسجن والحرمان من الحقوق المدنية قبيل انتخابه رئيساً للوزراء.

(6)

مما لا شك فيه أن هذه النخب وجدت نفسها أمام تهديد أكبر بعد الاتفاق الأخير بين الحكومة والقيادات الكردية، لأن إقصاء الأكراد كان يشكل، مع إقصاء رموز الإسلام، أحد أهم مكونات العقائد الكمالية.

(7)

هناك إذن أكثر من فرق بين "ثورة" تركيا وربيعها الملتهب، وبين ثورات العرب والعجم، من تونس والقاهرة إلى بنغازي فصنعاء فدرعا وحمص وحماة. بل هي تختلف كذلك عن ثورات الرمادي والموصل وغيرها في العراق. ففي كل هذه الثورات، يتنفض المحرومون وضحايا القمع ضد جلاديهم. أما في تركيا، فإن أنصار القمع سابقاً يتظاهرون رافعين صورأتاتورك في حنين لأيام عبادة الفرد. وليس هذا ببدعة، فقد ثار دعاة الكونفدرالية في أمريكا من قبل ضد تحرير العبيد، وينتفض المستوطنون في إسرائيل ضد "التنازلات" للفلسطينيين، كما يثور حزب الله في سوريا لأن ضحايا القصف يرفضون الموت بهدوء، ويستنكفون عن الهتاف: "لا إله إلا بشار." فليس كل ثائر طالب حرية، فهناك من يطلب "حرية" استعباد الغير.

(8)

هذا لا ينفي أن في أوساط المحتجين شباب مثاليون من مختلف التوجهات، أثارهم ما رأوه تعدياً على البيئة، وأحنقتهم قسوة الشرطة ضد المتظاهرين. هناك كذلك أكثر من سبب للاحتجاج على سياسة اردوغان الاقتصادية التي وصفها بعض المنتقدين بأنها "نيوليبرالية". سوى أن أساليب الشرطة وعقيدتها والجيش هي مما ورثه اردوغان من خصومه الكماليين الذين يقودون الاحتجاجات وكان بعضهم يدعو الجيش للتدخل في السياسة، ومعلوم أن الجيش حين يتدخل ضد إرادة الأغلبية لا يفعل ذلك بإلقاء الزهور والرياحين على الشعب. ومهما يكن فإن أساليب المتظاهرين في العنف والتخريب وحرق الممتلكات ليست هي الوسيلة المناسبة للتعبير عن "المثالية" في نظام ديمقراطي يتيح إسقاط الحكومة بالانتخابات أو تحدي قراراتها عبر القضاء، وانتقادها في الإعلام بلا قيود.


(9)

إضافة إلى ذلك فإن الرئيس عبدالله غول كان على حق حين ما قال في رد غير مباشر على أردوغان حين تحدى خصومه لمنازلة انتخابية بأن الانتخابات ليست كل شيء في الديمقراطية. ولكن هذا لا يبرر الزعم بأن اردوغان وحزبه كانا يفرضان رؤية أحادية على المخالفين، بل بالعكس ظلت الحكومة تخطو بحذر، وتراجعت مرات عديدة عن سياسات لقيت معارضة. ومهما يكن فإن الحكومة أعلنت رغبتها في الاستماع للمحتجين والحوار معهم حول مطالبهم.


(10)

لقد شهدت تركيا عدة ثورات منذ وصول اردوغان إلى السلطة: ثورة سياسية نقلتها إلى مصاف الدول الديمقراطية، وثورة اقتصادية جعلتها الاقتصاد السادس من حيث الحجم في أوروبا والخامس عشر في العالم. هذه الثورة غيرت كذلك الخارطة السياسية لتركيا، ورفعت أقواماً ووضعت آخرين. ولكن ليس هذا بمبرر لأردوغان ولا غيره لتجاهل من تضرروا من سياساته، رغم أن هناك اعترافاً بأن هذه السياسات أفادت الغالبية، وخاصة الفقراء وسكان الريف. فهناك حاجة إلى مراجعات، ولكن هذه المراجعات لا يجب أن تعني العودة إلى الوراء كما يريد البعض، بل الانطلاق إلى الأمام نحو مزيد من الديمقراطية والتعايش.

Abdelwahab El-Affendi [[email protected]]





تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 2520

خدمات المحتوى


التعليقات
#697318 [ازرق اليمامة]
4.13/5 (16 صوت)

06-15-2013 09:23 AM
ايها الافندي
بالعربي البسيط كدا ... كل الانظمة الاسلامية التي تدعون اليها فاشلة
وحتي التي الان في سدة الحكم الان..
الدين لله .. والوطن للجميع


#697263 [فاروق بشير]
4.15/5 (12 صوت)

06-15-2013 08:21 AM
وهل عندما يحن مصريون للناصرية هل هم يعنون ديكتاتوريتها, ام انصاف قوى الفلاحين وكسر الطبقية الحادة.
مقالك تعمد لتشويه بل التغاضى عن مطالب المحتجين فى تركيا.
التجربة الكمالية افسحت للحريات الشخصية مجالا. وهو ما تفتقده سلطة اردوغان. يعنى فى قضية وهامة للمطالبين بها.ويمكن فى غيرها لكن انت لم تشرح لنا.والموضوع لا يثير اهتمامك فهو يعكر عليك صفو الرضا الرئاسي التركي عنك.


#696671 [Hassan Ali]
4.12/5 (11 صوت)

06-14-2013 01:02 PM
This article is bias Mr. Afendi. How could it not?. The prime minister of Turkey invited, pampered and gave you pocket money and you are writting this article to thank him. Your friend Erdogan won the last electins by 51% and he has been recently behaving worst than any dectator in the Middle East. Turky democracy is at stake because of Islamic dectatorship imposed by Erdogan and his companions


#696404 [خالد حسن]
4.13/5 (10 صوت)

06-14-2013 04:17 AM
الافندي قال ( فإن أنصار القمع سابقاً يتظاهرون رافعين صورأتاتورك في حنين لأيام عبادة الفرد.)
وانت لمن شاركت في حكومة البشير المنقلبه علي الديمقراطيه كان يحدوك حنين لعبادة من؟
هكذا هم المتأسلمون يقعمون الاخرين ويبررون القمع بأن من قُمعوا ليسو سوي شرذمه ومتأمرين علي الحكم المنتخب
وعندما ينقلبوا هم علي حكم منتخب ديمقراطيا فلديهم تبريرهم بأنهم يريدون تحقيق دولة الاسلام والشريعه
حلالٌ عليهم وحرام علي غيرهم
تالله يا افندي مازلت في ضلالك القديم ونفاقك الدائم


د. عبدالوهاب الأفندي
د. عبدالوهاب الأفندي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة