في



المقالات
السياسة
شوارع الخرطوم (قصة قصيرة)
شوارع الخرطوم (قصة قصيرة)
06-14-2013 10:09 PM

- كانوا سبعة أو ثمانية .. لا أدري ولكنهم كانوا سبب تعاستي.
قال صديقي حمدان ذلك بمرارة شديدة وقد اجتاح وجهه ألم عميق، نظرت إليه في اشفاق وقد تصبب جسده عرقاً وسرح بخياله بعيداً إلى نقاط مظلمة في الماضي ثم أردف.
- عثمان.. اعتقد أنك الوحيد الذي سيفهمني.
- نعم يا صديقي أنا لم أحضر هنا لأزجاء الفراغ.
كانت تجمعنا أن وحمدان وبعض الأصدقاء علاقات متينة منذ أيام الدراسة، نحن أبناء جيل واحد، الآن وقد شارفنا العقد الخامس، وتفرقت بنا سبل الحياة، صرت أنا مدير مدرسة وكان حمدان مقدم في الشرطة، هزني ما قرأته عنه في الصحف والظروف الغامضة التي أحاطت بتركه العمل، رغم علمي أنه من أكثر رجال الشرطة استقامة، تناولته الصحف المأجورة في الصحف الحزبية وغير الحزبية ونهشت في عظمه حتى أصيب بانهيار عصبي، ظل يعاني منه حتى بعد خروجه من المصحة وبقائه في منزله الكائن بالشعبية بالخرطوم بحرى..
انقطعت عني أخباره حقبة من الزمن كنت معاراً في سلطنة عمان وفور عودتي إلى السودان واجهتني تلك القصة "استقالة المقدم حمدان" التي لا زال يكتنفها الغموض حتى الآن، حمدان الذي لا يثق في أحد غيري اعتكف في منزله وطلق زوجته عواطف وأخذت معها الأطفال الأربعة، وأن أعرف يقيناً مدى حب حمدان لزوجته واطفاله، حمدان كتاب مفتوح بالنسبة لي منذ أيام الدراسة ، يتقمص شخصية رجل الشرطة الأمين، انخرط في صفوف الشرطة منذ سنين بعيدة وجاب أرض السودان طولاً وعرضاً وترقى في الدرجات حتى وصل رتبة مقدم.. ماضيه معطر بالأمجاد و النزاهة، لكن في هذا الزمن الأغبر تنطمس الحقائق، طافت بذهني تلك الذكريات وأنا احدق في وجه صديقي الممتقع وأصابعه المرتعشة، ابتسمت له مشجعاً.. يبدو أن حضوري أشاع في نفسه الطيبة الحبور وبدأت عيناه تستقران بعد أن كان يتلفت كالمذعور .. وأردف:
- كما قلت لك كانوا سبعة .. لكني لا أعرفهم كلهم .. اعرف فقط آدم.
- من هؤلاء يا صديقي ؟‍‍‍‍‍‍
- أنت أيضاً لا تعرفهم، لك العذر غبت فترة طويلة عن السودان.
- من تعني بهؤلاء؟
تراجع حمدان على مسند الكرسي الوثير في صالون منزله الهادئ وأغمض عينيه اللتان كانت تتلامع فيهما دموع قديمة لم تجف، بدأ يعود بذاكرته إلى الماضي.. كان صوته ينساب رتيباً ممزوجاً بدقات بندول الساعة الجدارية وكأنما الزمان عاد بنا إلى الوراء إلى جذور المشكلة الحقيقية التي يعرفها حمدان وحده.. ظل سرده متواصلاً كان يتلو عريضة دفاع أمام محكمة عادلة..
* * *
- بحكم عملنا بالشرطة كنا نعرفهم .. أحياناً تجدهم يتحركون جماعات وأفراد يهيمون كالطيور في شوارع الخرطوم.. دخلوا الدنيا بدون شهادة ميلاد، في الخريف عندما تهطل الأمطار الغزيرة يختبئون في الخرائب وفي الشتاء القارس لا يجدون غير المجاري القديمة وفي الصيف يجوسون تحت الشمس الحارقة، يمارسون أعمالً ########ة لا تعترف بها الدولة. ماسحوا أحذية. غسيل سيارات ونشالون ولصوص.. قتلة ومع كل هذا كان لهم عالمهم المدهش، ذلك العالم الغريب الذي قادتني إليه الظروف القاهرة وطبيعة العمل فولجت فيه ولكن بزاوية مختلفة عن تلك التي تفرض علينا في التعامل مع هؤلاء.. أنت تعرف جيداً أنني أعمل في الشرطة منذ أيام الانجليز وكنا نعرف شعار الشرطة في خدمة الشعب، كل الشعب وإن الشرطة هي يد العدالة النظيفة.. هذا ما تعودنا عليه خلال عملنا في السلك العسكري.. لكن هذه الأيام التبست الأمور وبدأت القاذورات تحيط بنا من كل جانب.. سكت حمدان برهة ثم أخرج سيجارة واشعلها مع علمي السابق أنه لا يدخن ومن خلال سحب الدخان انتظرته أن يستأنف وقد بدأت تروقني القصة.
- هل تعرف وزير التجارة السابق.. والحادث الذي جرى لابنه المدلل نادر؟
- نعم قرأت في الصحف "قتل نادر بن الوزير في ظروف غامضة وجد مطعوناً بمدية في إحدى الخرائب وقد قام القاتل بتجريده من ملابسه ونقوده وتركه جوار سيارته المرسيدين وهرب.
- نعم .. ولكن هناك شيء أغفلته الصحف عمداً، كان هناك مخدرات في السيارة وأن هذا الولد المدلل كان مدمناً وقد ساقه حتفه إلى تلك المنطقة الخطرة التي لا يؤمها انسان سوى…
- هل تعرفتم على القاتل؟
تنهد حمدان وقد اكتسا وجهه بالألم الممض لذكرى تلك الليلة المزعجة.
- نعم قتله الزعيم.
نظرت إلى صديق بدهشة عندما نطق هذا الاسم بفخر واعتزاز ثم اردف
- أنت لا تعرف الزعيم أيضاً‍‍
أغمض عينيه مرة أخرى وأشعل سيجارة مرة أخرى وبدأ ينفث الدخان في عصبية وواصل حديثه المدهش الممزوج بدقات بندول الساعة.
- زعيم امبراطورية المتشردين.. هل تصدق أن ذلك العالم السفلي كانت له نظمه وقوانينه وقيمة أيضاً، كما قلت لك أن هذه الجريمة شغلت الرأي العام ووضعتنا نحن رجال الشرطة في موقف حرج، كان لا بد من الحصول على القاتل وبأي ثمن، ظل الوزير الثائر يأتي إلينا كل يوم في المخفر وأحياناً برفقته وزير الداخلية نفسه فهو يمت له بصلة قرابة، الأمر الذي اضطر بعض الزملاء وبتحريض من وزير الداخلية نفسه أن نحاصر هؤلاء، ليتك تعلم الوحشية التي يتم بها اعتقال هؤلاء التعساء ومطاردتهم في الشوارع وضربهم بالعصى الغليظة أمام المواطنين، كانوا يفرون كالفئران المذعورة.. هذا الشيء الذي يسمونه "الكشة"* وضرب المتشردين بعصى كأذناب البقر لا أطيقه، كنا نعتقلهم في جماعات.. إذ لابد من العثور على القاتل، لا بد من إرضاء الحكومة وأن تقوم الشرطة بواجبها على أكمل وجه، ظل الضرب يتواصل داخل المخفر ولا أحد يقر بالقاتل حتى جاء ذلك اليوم ! !وللصدفة المحضة اعتقلنا مجموعة آدم. كانوا سبعة، أحدهم يرتدي نفس السترة الفارهة للمجني عليه وتم التعرف عليها بواسطة والد القتيل الذي انهال صفعاً وركلاً على الغلام. كان المتشرد يصرخ أنه بريء وأنه اشترى هذه السترة من شخص ما، كنت في قرارة نفسي وبحدس الشرطي موقن ببراءة هذا الغلام. رفض الجميع الإدلاء بأي معلومات عن القاتل الحقيقي، ظلوا ينظرون إلى بعضهم البعض في تحدي، لا أحد يعترف وتم اطلاق سراح المجموعة عدا المشبوه الذي أودع الزنزانة، وامتلأت الصحف تشيد بالدور العظيم لرجال الشرطة وحفاظهم على الأمن، ولكن هناك جرائم أخرى تغفلها الصحف عمداً. مثل الشاحنات المحملة بالسكر التي احتجزتها مجموعتنا في كمين في ضواحي الخرطوم. تنهد حمدان المغمض وقد اكتسى وجهه بالقرف والامتعاض.
- تمكن طوف أمن يقع تحت دائرة اختصاصي من احتجاز أربعة شاحنات محملة بالسكر بدون أوراق ثبوتيه، وتم إحضارها إلى فناء المخفر، وضعت هذه القضية تحت إشرافي المباشر وكان هذا نصف الحقيقة التي لم تظهر وتجسد مأساتي.
نهض حمدان وأنا أحملق فيه في دهشة واتجه نحو براد الماء وتناول كوباً وشرب كمية كبيرة من الماء، كأنه قادم من صحراء، ثم عاد وجلس على كرسيه واستند في تخاذل وهو يفتح علبة السجائر بأصابعه المرتعشة وأردف:-
- طبعاً لا بد أنك أصبت بالدهشة لإنتقالي إلى قضية أخرى ليس لها علاقة بالقضية الأولى، دعنى أحدثك أكثر.. الحديث ذو شجون.. سأخبرك عن آدم الذي قلب حياتي رأساً على عقب.
ظل حمدان يحكي في حزن بالغ، أنه كان يوماً يجلس على كرسي أمام المنزل مع أحد الزملاء الذي حضر بصدد قضية الشاحنات، أرسلته جهة خفية، اقترب منه أحد المتشردين مع عدة غسيل سيارات، كانت السيارة متسخة ولم يجد حمدان مانع من غسلها. اخذ المتشرد يغسل السيارة بهمة ونشاط غير آبه للحديث الخطير الذي يدور بين حمدان وزميله الضعيف أخلاقياً، لم يتنازل قط عن قراره بمصادر الشاحنات بما فيها. الشيء الذي أثار غضب زميله فنهض وانصرف غاضباً وهو يتوعده بالويل والثبور.. انتهى المتشرد من غسل السيارة واقترب منه ، كان حمدان غير مكترث يعبث في جيوبه باحثاً عن ورقة من فئة الخمس جنيهات يناولها المتشرد، كاد يصعق عندما خاطبه المتشرد باحترام بالغ.
- سيادة المقدم حمدان.
نظر حمدان في دهشة عميقة إلى المتشرد الذي يعرفه. لكن المتشرد لم يسعفه وأردف:
- أنت لا تعرفني.. لكني أعرفك جيداً، أنا أحد الذين تم القبض عليهم في حادثة نادر ابن الوزير.
نظر حمدان إلى المتشرد الذي أمامه، كان شامخاً يكاد يصل عنان السماء، أدرك حمدان بحسة البوليسي الناجح أن هذا الغلام يريد أن يخبره بسر خطير.
ابتسم له حمدان في ود وطلب منه الجلوس، إلا أن هذا الغلام تمسك بأن يظل واقفاً واردف:
إن الشخص الذي اعتقلوه بريء .. القاتل الحقيقي هو الزعيم وأنا مستعد لأن أقودك إلى مقره إن كنت ترغب في ذلك.
حدق حمدان في المتشرد بدهشة، كيف تعترف الآن بالقاتل الحقيقي وفي المخفر رغم العذاب الشديد لم يعترف؟ تابع المتشرد حديثه الواثق.
-إني أعرف سبب دهشتك، إني أعترف الأن بالقاتل الحقيقي لأن هناك بريء في السجن، اعترف لك لأدفع العذاب عن إخواني، إذا أرادت الذهاب الآن إلى الزعيم دعني أقودك بهذه السيارة.
كان حمدان من الرجال المثاليين ويحب المبادئ كثيراً فلم يخف إعجابه بآدم الشجاع ونهض وركبا معاً السيارة التي انطلقت تشق شوارع الخرطوم الخالية وقد أرخى الليل سدوله.
في الطريق أخبر آدم حمدان بكل أسرار حياة المتشردين، إنها امبراطورية عظيمة.. كانت قصه أدم انه من النازحين، حضروا إلى ضواحي أم درمان أيام الجفاف والتصحر الذي ضرب غرب السودان في بداية الثمانينات، كانت الحياة في معسكرات الجوع بين ذلك الحطام البشري لا تطاق، خرج آدم ورفاقه الستة ودخلوا مدينة الخرطوم من أطرافها، استقبلتهم الخرطوم السفلى والعالم المظلم بالركل والمعارك التي لا تنتهي، فأنت لا تدخل امبراطورية المتشردين إذا لم تكن مقاتلاً شرساً، تحت غابات الإسمنت كانت تقع معارك عنيفة الزعيم هو الأقوى، يخيف الجميع، حتى آدم فور وصوله نال منه علقة لم ينساها أبداً، تلك المعركة كانت بطاقة الدخول إلى عالم المتشردين، الزعيم قوي مفتول العضلات أحال وجه آدم إلى كتلة من الدماء وبعد اعترف به الجميع وبرفاقه الستة. ليست المعارك للنصر أو الهزيمة ولكنها وسيلة التعارف في ذلك العالم التعس. لم يكونوا مجرمين، فهم يمارسون المهن الوضيعة مثل مسح الأحذية وغسل السيارات إلا القتل فهو ليس من طباعهم، أما الزعيم كما حكى لآدم فكانت لدوافعه العدوانية أسباب كثيرة وترسبات وجذور من الماضي فهو يكره عربات المرسيدس والذين يركبونها، وقد حكى الزعيم لآدم عندما نصحه بتسليم نفسه للشرطة حتى تطلق سراح صديقهم المسكين جاكسون الذي اشترى تلك السترة اللعينة.. حكى له أنه عندما كان صغيراً كان يرقد مع أصدقائه على الرصيف في ساعة متأخرة من الليل، دهستهم سيارة مرسيدس كانت منطلقة باستهتار، تنبعث منها رائحة الخمر والضحكات الماجنة، مات الجميع ونجى الزعيم ومنذ ذلك اليوم بدأ الزعيم رحلته مع القتل، عرف آدم أن الزعيم قتل البنت هند أيضاً التي لم يعرف قاتلها حتى الآن ونهب كل ما تلبسه من مصاغ وأنه لن يسلم نفسه للشرطة، إذا أرادوا فليأتوا ليأخذوه عنوة.
* * *
عندما اقتربت العربة من الضاحية الخطرة في هوامش مدينة أم درمان نبه آدم حمدان بأن لا ينزل من السيارة فالزعيم مجرم خطير وقد لاح يترنح عند طرف الزقاق، عندما لمح الزعيم السيارة اتجه نحوها وقذفها بزجاجة الخمر التي كان يحملها، كان ثملاً، تراجع حمدان بالسيارة وانسحب بسرعة تشيعه لعنات الزعيم وسبابه الفاجر.. كانت بداية التعارف بين حمدان وآدم هي الطريق الذي قاده إلى النور، في اليوم التالي تمكنت الشرطة من حصار وكر الزعيم، لم يكن حمدان يتوقع أن خطورة الزعيم تصل إلى أنه يمتلك مدفع رشاش، كانت معركة شرسة استشهد فيها أحد أفراد القوة ومات الزعيم أيضاً. ماتت أشياء كثيرة داخل حمدان، عرف حمدان ذلك الكذب العاهر الذي يتمسح بثوب العدالة، إن المجرمين الحقيقيين الذين تسببوا في موت هذين الشخصين يسكنون القصور العالية ويرتدون الملابس النظيفة ويتحدثون الأحاديث الناعمة وأنهم في الشرطة ليسوا سوى أدوات لتلك النفوس المريضة توجههم إلى حيث لا توجد رحمة ولا توجد عدالة. إن سكان العالم السفلي هم بشر مثلنا تماماً، ملابسهم متسخة وممزقة، قلوبهم نظيفة بيضاء، مستعدين لكافة أنواع التضحية، يدخلون دون شهادة ميلاد ويغادرون دون شهادة وفاة إلى جنة الله وعدالته التي لا تظلم أحد …
دارت هذه الأفكار المضطربة في نفسه وهو يرى جثتين إحداهما لرجل شرطة مات أثناء تأدية واجبه ومتشرد يبحث عن حقه في الحياة، وفي المخفر تم التعرف على بقية المسروقات والساعة الفخمة التي يرتديها الزعيم كانت ساعة القتيل نادر.. ظهر القاتل الحقيقي ولم تذكر الصحف ذلك.. وفي ذلك اليوم المشهود عندما ذهب حمدان إلى المخفر بعد فراغه من تسوية قضية نادر. طلب منهم أن يعطوه ملف قضية الشاحنات الأربع، لم يجد الملف، تم شطب القضية مع تسويات كثيرة تمت خلف ظهره، لأن الشحنة تخص وزير التجارة نفسه وبمعاونة وزير الداخلية تم ترتيب كل شيء،" تباً لهم!" شعر كأن خنجراً انغرس في ظهره، أي عدالة هذه التي يتحدث عنها هؤلاء؟؟.. هل هي أن تسحق كل هؤلاء المتشردين من أجل موت غلام ماجن يستحق الموت؟؟!!.. يمارس والده أبشع أنواع الفساد، لم تكن الشرطة كذلك، كان يحدق في الملف الفارغ وقد اعتصره الألم عندما حضر الوزير إلى المخفر يحمل لفافة نقود، المكافأة الكبيرة لأفراد القوة الذين يشيعون الأمن في البلاد، لم يتمالك حمدان نفسه أخرج ورقة وسطر عليها استقالته وقذف النقود والاستقالة في وجه رئيسه وخرج.. عند بوابة المخفر ترامى إلى مسامعه صراخ جاكسون الذي كان لا يزال محتجزاً و رجلان من الشرطة يسحبانه من داخل الدهليز ..التفت حمدان إليهم وأمر الجنود بإطلاق سراح المتشرد الذي اندفع نحوه يصرخ بأنه بريء، حمدان يعرف ذلك وأنهم بصدد اطلاق صراحه الآن.. ربت على كتفه في ود أدهش جاكسون جعله يهذي كالمجنون وخرجا سويا إلى الشارع الذي كانت السيارات تتدافع فيه، أمره بأن ينطلق فهو حر. لم يصدق المتشرد أذنيه فأخذ يعدو بعيداً خلف أسراب الحمام وعاد حمدان إلى البيت في غاية الإعياء.
* * *
نهض مرة أخرى واتجه نحو البراد، تناول كوباً من الماء وعاد يجلس من جديد ونظر إلى صديقه وأشعل سجارة مرة أخرى وأردف.
- لعلك تريد أن تعرف آخر فصول المأساة.. طلاقي من عواطف ..!
بأن على وجه صديقي المعاناة التي بذلها في سرد قصته الشيء الذي جعلني متردداً في تركه يتابع السرد أم يتوقف، ولكن فضلت أن يستمر.
- واصل إن كنت ترغب في ذلك.
- إني أشعر بالراحة عندما أخبرك بكل شيء.
- تماماً كما كنت تفعل في الماضي.
تنهد حمدان وطفحت الدموع في عينيه.
- كانت مشاكلي مع عواطف كثيرة ولكن مع ارتفاع الضغوط من وجهة الفساد والاحباط الذي يحيط بي من كل ناحية ومطالبه الكثيرة، فهي امرأة. وكل النساء يحملن بالثراء الفاحش والجاه حتى ولو كان على جثث الآخرين.. لم تفهمني عواطف اطلاقاً، رغم حبي العظيم لها وللأولاد كانت تنظر إلى الزملاء الذي يجللهم الثراء ونساءهم المكسيات بالحلي وتعيرني بالغباء، وإني لا أعرف من أين تؤكل الكتف وأني الوحيد في هذا البلد الظالم أهله الذي لا يعرف مصالحه. أطلق زفرة طويلة وطافت الدموع بعينه فقاطعته.
- في هذا الزمن الكالح الإخلاص والأمانة تجلب العار لصاحبها.
- نعم لقد جللتني الصحف بالعار وحاكو عني القصص والأقاويل عن تعاطفي مع المتشرين فخسرت كل شيء، عواطف والأولاد والوظيفة.
انهار حمدان باكياً، تركه عثمان يبكي، إن الدموع تغسل الأشجان وعندما يبكي رجال الشرطة الذين يظن الناس أنهم قساة وغلاظ القلوب فإن ذلك ينبئ بخراب عظيم، ربت عثمان على كتف صديقه مواسياً.
- خسرت كل شيء فعلاً، ولكنك ربحت نفسك، قال المسيح عليه السلام "ماذا ينفع الإنسان إذا ربح العالم وخسر نفسه".
رفع حمدان رأسه ونظر إلى صديقه، كانت هناك بارقة أمل كبيرة تشع من عينيه وبدأت أنفاسه تهدأ ..إن الحديث عن المشاكل والهموم يذهبها ويزيلها خاصة عندما يكون الحديث مع شخص عزيز، ردد حمدان:- .. هل ترى ذلك؟
- نعم حتماً ستعود عواطف والأولاد.. المسألة مسألة زمن، أما الوظيفة لدى صديق له شركة خاصة سأزكيك عنده ودعك من الحكومة واوزارها.
نهض عثمان مستأذناً صديقه، خرجا سوياً إلى الشارع، كان هناك شاب أنيق يقف جوار سيارة حمدان.. أشار حمدان إلى الشاب أن يقوم بتوصيل صديقه إلى البيت.. كان ذلك الشاب آدم !!
* * *
انطلقت السيارة تشق شوارع الخرطوم ومن نافذة العربة نظر عثمان إلى هؤلاء الذين ذكرهم صديقه ، كانوا يتحركون في جماعات وأفراد يهيمون كالطيور، ينامون على الأعشاب في الحدائق العامة وفي الصالات أمام المتاجر الفخمة، فعلا" دخلوا فقراء إلى الدنيا وكما دخلوا منها خرجوا".

عادل الامين
[email protected]
الخرطوم 1988





تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 3306

خدمات المحتوى


التعليقات
#705106 [ملحم]
0.00/5 (0 صوت)

06-24-2013 11:14 AM
الخ الفاضل العزيز عادل لماذا يصر (البعض) هذه الايام تصوير السودان كأنه جنوب افريقيا ايام الفصل العنصري بيض وسود عرب وافارقا علما بانالسودان ليس عربا حتى ولو تحدثو العربية وكانو بعضهم ذوبشرة بيضا ولسنا افارقة كبعض دول دول افريقيا حتى ولوكنا سودا فنحن نسيج خاص تكون نتيجة اختلاط مكونات عة فلا العرب سيقبلون بنا مهما حاولنا التشبه بهم ولا الافارقة يتقبلوننا مهما حاولنا ان نتأفرق فارجو ان نكون نحن سودانيون كل يعرف قدر نفسه ولايقارن نفسه بالاخرين فلكل شعب مساؤئ وعيوب بقدر لما لهو من محاسن المشكلة فقط اننا نرى الاخرين بعيوننا وطريقة تربيتنا ومفاهيمنا التي نشأنا عليها ولو ما تغيرت طريقة تفكيرنا سنظل على هذا الحال كل نتهم الاخر بالعنصريةويفسر اي موقف حسب افكاره ويخرجها في شكل قصة قصيرة كقصتك هذه اوفي شكل تنظيم كتنظيم منبر السلام العادل او حركات دارفور التي يختبئ خلفها وخلف شعاراته الرنانة كثير منالعنصريون من الجانبين لينفثو احقادهم الناتجة لتربيتهم الخطاء من الاباء والاجاد فليتحد هذا الجيل لكي نزيل هذه الاحقاد ولو بنسبة تجعلننا نتعايش معا


#697561 [اسامه]
0.00/5 (0 صوت)

06-15-2013 02:40 PM
قال عمل من ايام الانجليز في الشرطة وهو الان شارف علي العقد الخامس يعني عمرو كان كم لمان كان في زمن الانجليز اكنر من خمسين سنة يعني لم تكن مولود ودي غلطة في سردك للموضوع لكن قصة جميلة


ردود على اسامه
United States [عادل الامين] 06-16-2013 02:43 PM
شكرا على الملاحظة فقط علينا رفع السن من العقد الخامس الى العقد السابع لكن بيني وبينك يا اسامة هذه القصة ممكن تكون في الزمن المفتوح من 1956 لحدي الليلة ..لانه المناظر هي ذاتا والصور نفس المشاهد واغريبة نفس الناس والتردي مستمر ويرحم الله الشاعر حميد لمن قال حكومات تجي وحكومات تغور وتحكمك القبور
الى اليوم لم يتم تاهيل الشرطة والامن لتانسب مجتمع مدني حقيقي والدليل موت المرحومة عوضية عجبنا بوساطة الشرطة
اعادة تاهيل الشرطة تحتاج لتجاوز كل السودان القديم وتاسيس شرطة فدرالية ايضا وشئون داخلية تراقب النشاط الاجرامي لمنتسبي الشرطة انفسهم
وكما ترى المثقف يشخص المرض ولالسياسي يعالجه
وشكرا على الملاحظة الذكية


#697171 [ملحم]
0.00/5 (0 صوت)

06-15-2013 08:19 AM
فلم هندي بايخ وسمج


ردود على ملحم
United States [عادل الامين] 06-15-2013 02:17 PM
ملحم
سلام
لو لااختلاف الاراء لبارت السلع والامر اسوا بكثير من ما نتكبه هنا وقد مات قبل اعوام متشردين بكمية كبيرة في ظروف غامضة ولم يجدو باكيا عليهم غير الاسطورة نقد الله وجعل لهم ماتم كبير
والفلم الهندي والسينما الهندية عبرت عن هوية الهند وفازت برنامج مليونير ل سنلقور بالاوسكار في قلب امريكا وكان فلم عن المتشردين ابحث معنا عن منتج سخي ومخرج عبقري لترى هذا النص فلم يفوز بالسعفة االذهبية في مهرجان كان


#697109 [التــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــائه]
0.00/5 (0 صوت)

06-15-2013 05:31 AM
حتى ولو كانت القصه نسج خيال فهى واقع معاش حتى هذه اللحظه والمشردون عالم جميل تسببت
فيه الحكومات الفاشله الخائبه . استمتعت بالسرد الجميل وتفاعلت مع القصة وكانى احد ابطالها
وتالمت لطلاق عواطف شديد . وحرقت 5 من سجاير المارلبور الاحمر
ولو كانت الشرطه من امثال حمدان لما تنمر علينا ابناء التنفيذيين فى شارع النيل
بعرباتهم الفارهة وساريناتهم المستورده المكلفه .
قبل ايام تم القبض على ابن مسؤل كبير فى الدوله مركب سارينا على عربته فى شارع النيل
سعرها 20 مليون .. شكرا عادل


ردود على التــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــائه
United States [عادل الامين] 06-15-2013 02:12 PM
الاخ العزيز التائه اشكر تفاعلكم
ولكن السؤال المحزن هلى كان المركز الذى تجسده جمهورية العاصمة المثلثة منذ الاستقلال 1956 يمثل السودان والسودانيين فعلا.؟؟.هل كان مرآة مستوية يرى فيه الجنوبيين والنوبة والفور والمكونات الاصيلة للمجتمع السوداني نفسهم...من اين جاءت ثقافة ((الكشة)) ومن الذى شوه الشرطة السودانية عبر العصور وحتى الان وشوه الامن والجيش ايضا وحلوهم ادوات قتل من غير رحمة ومن اجل ماذا؟؟
وحدود السودان يجسدها الهلال والمريخ وحدود كوش يجسدها المطرب الاسطورة محمد وردي هذه هي الخارطة الوجدانية للسودان...ولا زلنا نعيش متاهة شعب اسود...انا اكتب لاتحرر من الشعور بالعار..واعتقد اذا لم يتغير المركز فكريا وثقافيا لن يتغير سياسيا واذا لم يتغير سياسيا سيظل يشوه المجتمع السوداني وهذا الادب الذى اكتبه هو ادب الهامش والمهمشين وشهادة على العصر وداوم على زيارتنا


عادل الامين
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة