المقالات
السياسة
سوريا خطوة الي الوراء خطوات الي المجهول
سوريا خطوة الي الوراء خطوات الي المجهول
06-15-2013 05:36 PM


بسم الله الرحمن الرحيم

أخاف أن يكون مسار الأحداث في سوريا قد وصل الي مرحلة اللأحلول! بمعني إما بفرض تسويات تُعلي من مصالح الجهات الضاغطة في إتجاه فرض هذه التسويات، علي حساب الشعب السوري ومستقبل الدولة السورية، وهي بالطبع مصالح متضاربة وأحيانا متناقضة وبالتالي تحمل بذور عدم الإستقرار في رحمها! أو بالوصول الي معالجات هشة ومتعجلة تمهد الطريق للحرب الأهلية والفتن الوطنية والإنقسامات الداخلية! وخاصة البيئة الداخلية تتغذي سلفا، علي مورد هائل من الشكوك وضعف الثقة وتبادل التهم والإحساس بالظلم المتبادل، لدي قطاعات كبيرة من مكونات الداخل السوري، وكلها تشكل وقود سريع الإشتعال عسير الإطفاء. فالمرحلة التي وصلت اليها المسألة السورية، علي غرار المسألة الفلسطنية بحكم التشابه! فالقضية الفلسطنية إكتسبت نوع من الرضا بالأمر الواقع، غصبا عن مفارقته للحقوق العلنية الواضحة ومجافاته للشرعية القانونية والأخلاقية! وبمرور الزمن أصبحت كنوع من (المنخفض الجوي) السياسي الدولي، الذي يتيح الفرص للآخرين للعب أدوار سياسية او دبلوماسية، تضيف إليهم مكاسب شخصية! تخدمهم بقوة في مشاريعهم الإنتخابية او مطامحهم السياسية داخل بلدانهم! وأيضا قد تُتخذ كقميص عثمان من قبل أنظمة إنقلابية لتكسبهم شرعية، بإعتبار أن القضية الفلسطنية، هي قضية العرب المركزية وتمثل جرح لكبريائهم القومي، والمقصود بالطبع أولويتها علي الديمقراطية وتداول السلطة سلميا والمنافسة الحرة بين الجميع! وهذا للأسف ما يبدو ان مسار الأحداث في سوريا تتجه إليه، أي ما يمكن تسميته باللأمبالة الدولية! وكأن الجميع يشاهد أحد أفلام الرعب، ثم يذهبوا بعدها للعشاء والنوم! او النظر لتلك القضية الإنسانية المؤلمة، بمنظار المكاسب المتحصل عليها! من أجل إيقاف مسلسل العنف الدامي في الداخل السوري. ليصور هذا الواقع الكابوسي، مسرح اللأمعقول في أصدق رؤية إخرجية آنية! وقلب لحقائق الواقع، او محاولة خلق واقع بديل، يراعي التوازنات الدولية ومصالح الجيران، أكثر مما يراعي حق وكرامة شعب، سُرق ماضيه وحُوصر وحُورب وأُهين حاضره وفُتح مستقبله علي مصير مجهول! يحمل صعوبات ومتاعب جمة في أحشائه، ومن غير إكتراث أو إحترام لفيضان الدماء التي سكبها شعب جريح، بل الإصرار علي تصوير ذلك الواقع البديل المُزيَّف، كحقائق لا تقبل النقاش او المجادلة، وكل ذلك يعكس بالتحديد، حجم العجز والإنغلاق الوجداني والإنساني والشرعي، وهوان الحياة وجحيمها في وقتنا الراهن! عندما تصبح الحقوق ضعيفة الأنياب مهيضة الجناح أمام غول المصالح والأطماع العابرة للحدود، وتمسي الشرعية باهتة المظهر تثير السخرية من شدة إحتقارها وشللها وفقدانها لأي سند، يدعم وقوفها علي أرجلها ويكسبها هيبتها وتصدرها لواجهة العلاقات الدولية حيث مكانها الطبيعي، والمأمول من سلطتها المكتسبة عبر التجربة التاريخية ولفوائدها الأخلاقية، ولدورها في تنظيم الحياة، وخلق حالة من الهدوء العالمي، تسمح لشعوب العالم بتجاوز زمان الصراعات والحروبات والحلول العنفية، وإستبدالها بنوع من الممارسة الإنسانية المتحضرة او التفاهمات الودية، التي تسعي لحل الخلافات سلميا، من أجل حفظ كرامة الإنسان وصيانة النفوس من الأذي والبيئة من الخراب والدمار، او كل ما من شأنه أن يعين علي تحسين شروط وجود الإنسان في الحياة، وتعمير الأرض، وتغيير وجه التاريخ الصارم ومزاجه المعتكر، الملئ بكثير من الفظائع والمحن وقليل من الإشراقات، بسبب سيطرة الطغاة والفراعنة وأهل الدجل علي معظمه! وأيضا من أجل السعي الجاد لخلق حالة من الإستقرار الدولي، تتيح الفرصة للتعاون وتبادل الخبرات والتجارب بين الدول والشعوب، ومن ثم التوجه لمعالجة الأخطار الكونية، التي تهدد الكوكب الأرضي بالفناء!
فحالة التباطؤ المستفحلة وعدم التعامل الجاد مع الأزمة السورية، أفضي بدوره لتعقيدها كثيرا! وإخضاعها لقانون التوازن والمصالح الدولية كما ذكرنا سابقا، وتم توظيفها للوصول الي تفاهمات في ملفات أخري عالقة(ليست ذات صلة بالقضية السورية تحديدا) بين الدول العالمية المؤثرة علي صدور القرارات الدولية من جهة! ودول الجوار الإقليمي المحيطة بسوريا، وبعضها متورط في سفك دماء الشعب السوري! من الجهة الأخري. مع التغيِّب الكامل لحق الشعب السوي في الحصول علي دولة، تحترمه وتعالج قضاياه وتسمح بمشاركته في إدارتها، وتحمل مسؤولية نهضتها او تبعات فشلها، بقسطٍ متساوٍ بين جميع مكوناتها، أي أن تتحول الدولة الي أداة او جهاز تنظيم لمصالح الجماعة السورية، والحؤول دون تورطها في نزاعات دموية، أي الدولة وسيلة وليست غاية، بمعني آخر المواطن فوق الدولة، او الدولة من اجل المواطن او في خدمته! فحضور المصالح الغربية بصورة طاغية، غيَّب تضحيات ودماء الشعب السوري المسفوك بغذارة! وحرمه من إيجاد واقع جديد، يسمح للشعب السوري بإسترداد دولته المخطوفة والرهينة لدي النظام الأسدي الفاشي! ويمكنه من محاسبة النظام الأسدي الفاقد للصلاحية! علي أخطائه في الماضي والتخلص من إرثه الضار، والشروع لتأسيس مستقبل، أكثر حرص علي البناء والتنمية وإحترام كرامة الشعب السوري. وكل ذلك يبين ويؤكد مدي تناقض تلك الدول! ويعكس بجلاء ما يستبطنه لاوعيها او عقلها الباطن او إحساسها الداخلي البعيد عن التغليف اللفظي المجامل! تجاه شعوب تلك المنطقة او كل الشعوب البعيدة عن المركزية الغربية! كشعوب همجية متأصل فيها التخلف والجهل، ولا تصلح معها ديمقراطية او حياة كريمة او إنسانية كما تحياها شعوبها المتحضرة!! فهي شعوب ألِفَت الإستبداد وتطبعت به وأصبحت تحن اليه عند غيابه! وهي دول لا تعدم المبررات لتأكيد زعمها المراوغ او حرصها علي الباطل! من شاكلة الإرهاب والتجربة التاريخية المختلفة والدين والثقافة، وغيرها من المعيقات حسب وجهة نظرها! وهي مبررات علي الرغم من وجاهتها الظاهرية! إلا أنها مجتزاة من صيرروتها التاريخية، والظروف المحيطة بها، والعوامل المساعدة علي حضورها وسيادتها علي المشهد! وبقول واحد قابليتها للتعديل والتطوير او التراجع بوصفها نشاط إنساني! لذلك يصح زعمهم في حالة وأحدة، وهي أن إنسان تلك المنطقة أقل مرتبة من الإنسان الكامل!! وكل ذلك من أجل رفع العبء الأخلاقي والشرعي الذي تبشر به تلك الدول، وفرض تجربتها التاريخية كمرجعية وخلاصة، للجهد البشري علي مستوي التطور والحضارة والنور! ولكن من خلال التجربة السورية الحية والمشاهدة بصورة خاصة، وتجارب أخري معلومة لدي الجميع بصورة عامة! ظهر بوضوح مدي إنتقائية هذه الدول المتحضرة، وإنتهازيتها المفرطة، وإستغلالها للتعقيدات والمشاكل والحروبات التي تعاني منها الدول الأخري، لأسباب عدة وبعضها يرجع إليها حصريا منذ الإستعمار! و أحيانا خلقها بتوظيف تناقضات تلك الدول الداخلية او مع بعضها البعض! لأن ما يهمها فقط هو خدمة أهدافها! وبصورة أدق نخبها السياسية والإقتصادية(ويستبعد جماعات الدفاع عن حقوق الأنسان والبيئة وغيرها، بصورة مبدئية، وتضحياتها من أجل ذلك بالجهد والمال واحيانا النفس) التي تحاول إختلاق تلك المبررات إذا دعت الضرورة، او تكريسها وإلباسها ثوب الإستحالة، الذي يلتصق بجلد تلك الشعوب ولا يخلعه عنها إلا الموت الزؤوم، بدلاً عن فهمها في سياقاتها وإحتمالات نتائجها ومن ثم وضع العلاج المناسب لها! لأن القيام بذلك الدور، يسحب من تحت أيديها، تلك الورقة التي تغطي عورتهم المصلحية المفارقة للإنسانية! ولتذهب تلك الشعوب الي محرقة الفتن الطائفية والحروبات الأهلية والتدهور المستمر، والنفي من الوجود والوضع علي الهامش وطلب العون والإغاثة والمساعدات الإنسانية! غير مأسوف عليها! ولكن بدرجة لا تهدد مصالح الكبار أرباب العلم والتطور والحضارة!
وأكثر ما يبين حالة إنعدام الجدية وخمول التفاعل الإنساني والقانوني! من قبل المجتمع الدولي تجاه المأساة السورية وشعب سوريا الثائر بالتحديد، ليس في إطالة أمدها! الذي يدفعونه من دمائهم الغالية، بتباطئه وتأخره المتعمد فقط! وإنما في طرح مبادرات ضعيفة المضمون، متحيزة الطرح، بعيدة عن الواقع وغريبة عن وعي وحوجة اللحظة التاريخية الراهنة(الوعي بحقوق الإنسان والحوجة للحكم الديمقراطي) بعد كل هذه الأهوال والتضحيات، مثل مؤتمر جنيف -1 ومن بعده جنيف-2، وهي لا تعكس عدم الجدية فقط! ولكنه تطرح حلول فطيرة ومستعجلة تعمق من حجم المأساة أكثر من السعي بجد لحلها، لأن السعي الجاد في مثل تلك المبادرات او المؤتمرات او المعاهدات، يسبقه مسعي جاد، لدراسة المشكلة من كل جوانبها بإستفاضة، وإبتكار الحلول التي تضمن عدم تجدد النزاع، بعلاج أسباب المشكلة جذريا وفق خطط وطروحات تستند علي الحقوق وفق الشرعية الدولية وإتخاذها كمرجعية لحل كل الخلافات، او علي الأقل تحديد نقاط الخلاف والإلتقاء بين المتصارعيين، ووضع تصور للحلول ينال القبول او التوافق بينهما! كأرضية تسمح بالإنطلاق منها لوضع الحلول المتوقعة، وتحديد الحوافز التي ينالها الطرفان في حالة الموافقة علي الحلول المطروحة، وكذلك العواقب المترتبة علي رفضها، والعقوبات التي تنال كل من يتقاعس عن الإلتزام بما تم التعهد به وتنفيذه بحرص وأمانة، وتحديد المرجعية في حالة تضارب التفاسير وحضور شيطان التفاصيل! حتي لا يتم الدوران في حلقة مفرغة! وتحويل تلك المبادرات الي نوع من تسجية الوقت، وخلق موضوع للتخلي عن الواجب ودفع التكاليف، عندما يكون الشعب المتضرر يملك القليل من الثروات ولا يقوي علي تسديد كل الفواتير! او التكسب المادي من تنظيم المؤتمرات والزيارت التي لا تنتهي! وتحقيق شهرة إعلامية بتسليط الأضواء عليها! بمعني آخر أن يكون المؤتمر تتويج لعمل مسبق وناجح، وليس جسا للنبض، وعقده من أجل وضع اللمسات النهائية والمباركة الدولية! وهذا ما لم يحدث في جنيف -1 ومبادرة جنيف-2 التي تسابق الزمن من أجل عقدها، كعقدة الشعور بالذنب، يحاول المجتمع الدولي التخلص منها!
وأعتقد أن الجدية تنطلق من شرط او حل أساس، يرتكز علي غياب بشار من المشهد العام نهائيا، ومن ثم يكمل هذا الشرط، ببقية التنازلات من طرفي الصراع، وهو ما يشابه الحل اليمني وبالتالي يمكن الإستفادة منه وتجاوز سلبياته، وهو في الحقيقة ليس بحل مثالي او كامل العدالة، او يكافئ تضحيات الشعب السوري، الي لا تقدر بثمن او مكاسب، ولكنه يراعي توازن القوي بين الطرفان المتصارعان، ولحماية الدولة السورية من السقوط في هاوية اللأدولة او الصراعات الداخلية، التي تنهي سوريا كدولة وتاريخ وشعب، وتدخل كل المنطقة في مواجهة أثقالها التاريخية وتعرضها هي الأخري للإنقسام والضياع، خاصة أن كثير من القضايا والطوائف لها إمتدادات إقليمية، والدولة نفسها تعاني من الهشاشة ولم تكتمل شروطها في تلك المنطقة! والانتماءات ما دون الدولة، أكثر تماسك وإرتباط في وجدان معظم الكتل السكانية في تلك المنطقة، وتاليا تحوز علي معظم الولاء!
لذلك يمثل الإنطلاق من الحل المذكور أعلاه، أي غياب بشار الأسد، الذي أصبح يعادل القتل الممنهج للشعب والتخريب المنظم للدولة! فرصة ذهبية للتقليل من الإحتقانات والترسبات السلبية وبداية للتعافي الوطني، بعد المواجهة العنفية عديمة الرحمة من قبل النظام الأسدي تجاه الشعب، وتساعد تاليا علي تطيب النفوس وتناسي الجراح للوصول الي التراضي الوطني، كأرضية ثابتة وقاعدة متينة لمعالجة بقية الملافات الشائكة والقضايا الساخنة! علي أن يتم ذلك تحت أفق بقاء الدولة السورية، كدولة واحدة غير قابلة للتقسيم، ولكنها عابرة لكل التقسيمات والمكونات الداخلية وممثلة لها ومعبرة عنها في نفس الوقت، مع مراعاة الغضب الآني والتظلمات التاريخية المتجذرة لدي كل طائفة وفرقة وجماعة، اي القيام بعملية تطمين كبري وشاملة جماعية وكلية، وبجملة وأحدة، العمل ليس من أجل قيام دولة المواطنة فقط! ولكن إقناع الجميع أنها الحاضنة والرافعة التي تمكن الجميع من رؤية أنفسهم عبرها، وأنها القادرة علي تلبية الطلبات وإشباع الرغبات وتوفير الحماية وبناء أنتماء أكبر واصدق، يشعرهم بالفخر ويدفعهم لحمايتها والدفاع عنها كواجب مقدس!

بالرجوع لمبادرة جنيف-2 بالتحديد، نجدها تطرح سؤال جوهري، اكثر مما تعد بحلول عملية وواقعية ومرضية، للطرف الأكثر تضرر ومظلمة! والدافع الأكبر لتكاليف الصراع الدموي! والسؤال هو، ماهي الأسباب التي أفشلت جنيف-1 حتي تطرح جنيف-2؟! وفي ذات السياق ما هو الضامن لنجاح جنيف-2؟! والأسوأ أن جنيف-2 عقدت القضية او الحلول بصورة أكبر من جنيف-1 ذاتها!! فالسبب الأساس والصريح لقتل جنيف-1 يرجع لإعترافها الصريح أحيانا والمبطن في الغالب، ببشار الأسد كجزء من الحل او الإعتراف بالنظام كطرف في ظل وجود بشار في رئاسته! والجميع يعلم ماذا يعني ذلك! هذه الرسالة المبعوثة من جنيف-1 عبدت الطريق أمام بشار بصفة خاصة والنظام بصفة عامة، للتصرف وفق أنهما جزء من الحل، ان لم يكن الحل كله! وليس المشكلة، كما هو حادث ومعاش، بعيدا عن غيبوبتهما المجيدة! وبوصول هذا الإحساس الي بشار اوالنظام(الصورة الباهتة لبشار اوالنقتف كما في افلام التصوير) بدأ يمارس عادة التعنت بإفراط، ويتمادي في هذا المسلك بصورة أوضح، وهو يري تقاعس المجتمع الدولي وردات فعله الخجولة تجاهه! ودعم البعض له جهارا نهارا، بل وإيجاد المبررات لفظائعه! ليزداد الوضع تعقيدا يوما بعد يوم، وتتباعد آفاق الحلول السلمية بإضطراد، ويتحكم العنف والعنف المضاد علي المشهد العام، ولعب نظام دمشق ومن خلفه المجتمع الدولي البارد، الدور الأعظم في الوصول الي هذه المرحلة الدموية المرعبة! وبعد حالة من المرواحة، لدرجة وصول الأمر الي مرحلة من التعود! علي مشاهدة القتل اليومي والخراب الشامل دون إنفعال! اي كسلوك وممارسة عادية تتم داخل سوريا! اي اصبح وضع سوريا الطبيعي هو تلك المشاهد! وتاليا فقدت سلطتها المعنوية والأخلاقية (كعملية إجرامية تستوجب عقاب الجناة) الدافع والمحرك لعجلات التدخل الدولي، حسب توجهاته المعلنة، وبعض التجارب السابقة، التي سارع بالتدخل فيها وحمي الكثيرين من الموت سَنبَلة، وفي ظروف أقل بكثير من عمليات الإبادة الجماعية التي تتم داخل سوريا! المهم صمت المجتمع الدولي او تهاونه مع نظام دمشق! أعطي الاوضاع نوع من الثبات او ترديها للأسوأ، وهي ظروف تعمل ضد الشعب، خاصة بعد تجاوز نظام دمشق لكل الخطوط الحمراء، بإستخدامه للأسلحة الكيميائية، وجميع أنواع الأسلحة الثقيلة ضد شعبه، وظهور بشار في الأجهزة الإعلامية وهو أكثر إصرار علي مواصلة النزال، بأقصي طاقات العنف حتي هزيمة شعبه الإرهابي! وتقديمه للأدلة الواضحة عن غيابه وغربته وعزلته وجهله بحقيقة الأوضاع علي الأرض! ناهيك عن الحكم عليها بموضوعية! كل ذلك أعطي نظام دمشق فرصة كافية لإسترداد أنفاسه، وإكتساب مزيد من الثقة، التي تدفعه للإعتقاد بمقدرته علي تشكيل المستقبل القادم!! وفي ظل هذه الأوضاع المجحفة تجاه الشعب المغدور في دمشق، يتم الإعلان عن جنيف-2 !! وفق اجندة مشابهة لجنيف الأولي!! المقبورة بسبب تعنت النظام! علي الرغم من أنها تصب في مصلحته! وتقدم له حبل النجاة وتغسل أياديه الملطخة بالدماء! وبظهور إرهاصات جنيف-2 وإصرار المجتمع الدولي علي تقديمها، من غير مقدمات تبشر بممارسة ضغط مؤثر، علي نظام دمشق الذي يملك القوة ويفقد الشرعية! وجد نظام دمشق الفرصة، في ظل إحجام المجتمع الدولي عن محاسبته! لفرض أوضاع جديدة علي الأرض، تتيح له مساحة أكبر للمناورة، وتحسين موقفه التفاوضي للحصول علي مكاسب أكبر، او فرض دور حيوي في المستقبل، والإفلات من المحاسبة، وكل ذلك عبر جنيف-2 او المخرج الآمن الذي يقدمه له، المجتمع الدولي كهدية مجانية لا يستحقها باي حال من الأحوال، أي عطاء من لا يملك لمن لا يستحق! وهذا إذا ما أجبر علي التواضع والحضور!! وكانت المحصلة فتح الباب علي مصراعيه أمام الإيرانيون من جانب وحزب الله من الجانب الآخر، ليدخلا الصراع، بصورة لا تعرف الحياء! ليغيرا من موازين القوي، كما حدث في مدينة القصير القريبة من الحدود اللبنانية، وهذه المشاركة العلنية وبغض النظر عن مشروعيتها او تأثيرها علي الأوضاع الميدانية! فهي تطرح سؤلان مهمان؟ أحدهما متعلق بحزب الله والآخر بمسألة التدخل الخارجي بالنسبة لنظام دمشق بالتحديد!
فيما يتعلق بحزب الله، فدخوله هذه المرة الي ساحات المعارك بصورة سافر، وتخطيه مرحلة إيجاد المبررات والأعذار، حتي ولو كانت واهية، يؤكد ما يُثار حوله! ويثبت الشكوك المتعلقة بهذا التنظيم ودوره وإرتباطاته وعلاقاته الخارجية! فهو كتنظيم يحتل المكانة ما تحت الحزب وما فوق العصابات! والمقصود بالعصبات ليس ما يتعلق بجانب السلب والنهب! ولكن في عدم إنضباطه بمرجعية قانونية او دستورية تربطه بالدولة اللبنانية دولة المقر! وبمعني آخر مرجعيته هي ذاته ومصالحه والغرض من تكوينه والمهام الموكلة له! وهذا لا ينفي إمكانية تحوله الي عصابة بالمعني الحرفي للكلمة! في اي لحظة يتعرض فيها وجوده للتهديد، او عندما يقل الدعم المالي الذي يحرك أنشطته ويشبع قياداته، والذي يجده من نظام الملالي في إيران! الناهب بدوره للخزينة الإيرانية وموظفها لمصلحة بقائه في السلطة! وبمعني آخر إن الحزب يقترب من التنظيم الحزبي المعروف، في حالة الأوضاع السياسية المستقرة، وذلك للحصول علي المكاسب السياسية، التي تمكنه من توظيف الدولة اللبنانية الحديثة لمصلحته بطريقة سلمية! أما عندما يتعرض للخسارة فانه يقترب من تنظيم العصابات ويهدد كيان الدولة ذاته! والسبب في كل ذلك أنه تنظيم مشوه لم ينشأ بسبب الحوجة الداخلية له في لبنان، وتاليا يكرس نشاطه لتطوير العملية السياسية في لبنان المتعثرة بدورها! أي أوضاع لبنان غير المستقرة أسهمت في خلق البيئة التي أنتجته، من ضمن عوامل ثانوية ساعدت علي وجود الحزب، مثل الغالبية الشيعية في الجنوب اللبناني، وتماسها مع الحدود الإسرائيلة، وهو ما يعني إلتهابها اوقابليتها للإلتهاب في اي لحظة! والحرب الأهلية ومشاركة الفصائل الفلسطنية فيها، مما عجل برحيل منظمة التحرير الفلسطنية وتشتت قياداتها، ووخلق حالة من الفراغ المقاوم لو جاز التعبير إستفاد منه حزب الله! ولكن يظل الغرض الرئيس من تكوينه، هو العمل كأداة في أيدِ قوي خارجية، ليمارس لها أدوارا لا تليق بها كدولة، ويدافع عن مصالحها من خلف الكواليس، دفعا للحرج السياسي عنها، وللتقليل من أكلافها البشرية والمادية لإنعكاساتها الخطيرة علي الإستقرار الداخلي وهو مطلبها الأساس! ونقصد بالتحديد إيران الملالي ومن بعدها سوريا الاسد! ولإكساب هذا الوجود شرعية ونوع من القبول الداخلي والإقليمي، كان لابد من إستغلال حالة العداء لإسرائيل، والقضية الفلسطنية او الدجاجة التي تبيض ذهبا، لسهولة إستخدمها وقلة تكلفتها! ليس لحزب الله بالأساس ولكن للدول المؤسسة والداعمة للحزب، أيران وسوريا وبالتحديد الأنظمة المسيطرة عليها بوليسيا! حيث يتم توظيف القضية الفلسطنية بصورة ثابتة، للهروب من الإستحقاقات والمسؤوليات الداخلية، ولكتم أنفاس أي أصوات معارضة، وتجريمها ودمغها بالعمالة، ليسهل تصفيتها علي الأقل معنويا في نفوس مواطنيها! ولتبرير العجز والفشل في إنجاز مشاريع نهضوية، تنقل شعوبها الي مستوي أكثر كفاية وأمان، ولا نقول رفاهية، رأفة بالمرحلة التاريخية التي نمر بها، وبعيدا عن الدعاية المجانية ودغدغة المشاعر لشعوب عاطفية!
وإذا أفترضنا صحة وشرعية تكوين الحزب ودفاعه عن مصالح لبنان الدولة، فالحزب يدعي أنه حزب مقاوم، وهذا إذا لم يحتكر فعل المقاومة لنفسه حصريا! وغرضه الأساس إخراج إسرائيل من لبنان، ولا نقول رميها في البحر كما رددت القومية العربية أيام مراهقتها فورانها! والتمدد في المهام أحيانا لمساعدة شعب فلسطين وتحريره! فبهذا الهدف المعلن يكون أمام الحزب خياران لا ثالث لهما إلا تحايلا! فإما ان يواصل مقاومته ويقضي علي إسرائيل او يجبرها علي الخروج من لبنان وفلسطين عنوة وإقتدار! وعندها يكون قد أدي دوره مشكورا عليه ويعلن فورا حله لنفسه وإنتهاء أجله! أو يعلن بعد هذه المسيرة الطويلة أنه ليس بمقدوره هزيمة إسرائيل ومحوها من الوجود منفردا! وفي هذه الحالة يعلن أيضا عن حله لنفسه، ويقدم إعتذاره لإهدار زمن الأمة في رفع شعارات أكبر من طاقته! ويترك هذه المهمة للدولة اللبنانية، للتعامل معها وفق الأعراف والشرائع والقرارات الدولية والمؤسسات العدلية، او عبر أي طريقة تراها مناسبة، طالما أتت الحكومة بإرادة الشعب وبالتالي قدرة الشعب علي محاسبتها! والمحصلة في كل الأحوال لأ مستقبل لحزب الله بشكله الحالي في الدولة اللبنانية، إلا عمله كخميرة عكننة وإعاقة في طريق تطورها وإستقرارها! او تغليبه للمصالح البنانية العليا علي حساب دول الجوار الداعمة له! أي تحوله الي حزب سياسي بعد تخليه عن سلاحه طواعية، وطرحه لبرامج سياسية ينافس بها الآخرين علي قدم المساواة، وقطع إرتباطه الأمني والمخابراتي والمالي والإعلامي مع النظامين الحاكمين في إيران وسوريا، إلا عبر القنوات الرسمية وتحت إشرافها ومسؤوليتها! وهنالك ملاحظة أخري بخصوص حزب الله، تنبهت إليها، بعد أن ذكرها أحد زعماء الإتجاه السلفي داخل لبنان، خلال برامج حواري كان مستضاف فيه مع آخرين، علي شاشة قناة فضائية، للأسف لأ اتذكرها! وقال أنه متحفظ علي تسمية الحزب، بإسم حزب الله! وأتفق معه في ذلك تماما! لأن تسمية الحزب بهذا الشكل، تتجاوز مرحلة الأحزاب الدينية، التي تعتقد وتعلن وتتعامل بوصفها خليفة الله في الأرض! وتتقدم ببرامجها وفقا لهذا التصور المغالي! الذي أربك العملية السياسية في المشرق، وعطل حركة تقدمها الي الأمام، بمصادرته حق الإختلاف والحوار وإستسهال العنف! ولكننا نجد حزب الله(فات الكبار والقدرو) فهو بهذه التسمية تجاوز مرحلة الخلافة! ليصل الي مرتبة الإرسال لوجاز التعبير! أي أنه مرسل مباشرة من الله عز وجل، لينفذ أوامره، بمعني أدق مشاركة الرسل الكرام صفاتم والقيام بدورهم، والخطورة الحقيقة في ما يحمله هذا التصور من تقديس لأقوال وأفعال الحزب! وتاليا عدم جواز مخالفتها أو إطلاق يد الحزب للتصرف بحرية مطلقة! ولكنه من الجانب الآخر يفسر القدرات القتالية العالية وتقديم النفس والتضحيات الكبيرة لدي عناصره المقاتلة! بل حتي المتعاطفين معه يحمل تعاطفهم طابع التبجيل والتقدير الشديد، الذي يستنكر نقده او الإختلاف معه! وعلي العموم لا يمكن أغفال او عدم إعطاء الحزب حقه، في مسيرة النضال ضد الكيان الصهيوني، كعدو يجب النضال ضده، طالما تبني العنصرية وإغتصاب حقوق الآخرين والإستهانة بالقرارات الدولية ومؤسساتها! كوسيلة وحيدة للعيش والحكم! ولكن ما يقلل من قيمة هذا النضال كما ذكرنا أكثر من مرة، أنه نضال موجه من الخارج، وأحيانا يحمل كوارث للدولة اللبنانية لأ قبل لها به! كما أنه يشوش علي تحمل المسؤولية والعبء الذي يجب أن تطلع به، الشعوب العربية مجتمعة وأنظمتها ضد الطغيان الصهيوني، أي أنه يجد مخرج لإعفائها من دورها وواجبها التاريخي او تبرير لتقاعسها! وهذا بالطبع تلام عليه تلك النظم وليس حزب الله حصريا! ولكن المقصود أنه قلل من إمكانية توحيد الجهود والوسائل والأهداف، وتنسيقها بصورة جماعية وبالتالي أكثر فاعلية وأبعد رؤية إستراتيجية، وهذا لا يعني أنها، لا تعاني من قصور بنيوي وتنظيمي وشرعي يقلل من إمكانية الوصول لذلك الهدف!
والأمر الآخر متعلق بمسألة التدخل الخارجي، والخارج كما يعلم الجميع، ظل يشكل أحد دعامات أو مبررات إستمرار نظام دمشق، بنسخته الممانعة والمقاومة لشيطان الخارج، في السلطة بصورة مطلقة! ولا ندري تقيِّم نظام دمشق لحزب الله ونظام إيران، هل هما من الداخل او الخارج؟! وكذلك روسيا ومن خلال مواقفها الصلبة مع النظام، لدرجة تزويده بالسلاح لقتل شعبه، وتحوّل الخارجية الروسية الي سفارة دمشقية متحركة، للدفاع عنه في كل المحافل العالمية! هل هي داخل أم خارج؟! والحقيقة الواضحة التي يحاول نظام دمشق ومشايعيه، إنكارها، أن النظام هو الخارج او العدو الخارجي! الذي يسعي لإستئصال شعبه بالقتل العمد والعنف المعلن والمطبق علي أرض الواقع! او هو نظام خارج(من قوات اوتنظيم الخوارج التاريخي) بمعني أنه خارج علي الشرعية والدستور والقوانين او مبررات وجوده كسلطة مسؤولة، ليس علي الحكم وتنفيذ القوانين فقط! ولكن بالحرص علي حمايتها ضد الإنتهاك والإشراف علي سلامة تطبيقها! بإعتبار أن هنالك عقد بين السلطة المسؤولة عن إدارة الدولة وشعبها، يقوم فيه الطرف الأول بإحتكار العنف وتوفير الخدمات ...الخ ويقوم الطرف الثاني بالتنازل الطوعي عن حريته المطلقة وأخذه القانون بيده، وتعرضه للعقوبة في حالات التجاوز لحدود المسؤولية او التقصير في أداء الواجبات الموكلة له ..الخ وغيرها من الترتيبات والنظم التي تحافظ علي العلاقة سوية بين الطرفين وبالتالي تحقيق نوع من الإستقرار المساعد علي عيش الحياة بصورة طبيعية! وعند الإخلال بشروط العقد، يفقد العقد شرعيته ويعتبر لاغٍ، وهذا إذا كانت سلطة منتخبة، فكيف الحال بنظام كالنظام الأسدي، لا يعترف أن هنالك طرف أساسا يكافئ له، حتي يتعهد تجاهه بشئ او يعده بأمر! فهو منذ قيامه، قام بنفي الشعب وإخراجه من دائرة الفعل والهم به! وفرض عليه حصار ونوع من الإرهاب الشامل، والتحكم الدقيق في كل تفاصيل حياته، اي تشبعت البيئة السورية بنوع من الأسدية المطلقة! واحيانا تفيض عن الحاجة ويتم التكرم به علي دول الجوار! وسيطر علي الدولة ما يقارب النصف قرن، من الإذلال والترويع لشعبه، لدرجة فقد فيها المواطن كرامته وهيبته وحقوقه! وأصبح عبارة عن شئ من ضمن الأشياء، التي تمتلكها الأسرة الأسدية، مباح لها التصرف حيالها! بل الدولة نفسها فقدت صفتها ودورها بعد إعتلاءها بواسطة الطغاة الأسديون! وتحولت من دولة مكونة من شعب وأرض وسلطة، الي سلطة عائلية مطلقة، او نوع من الأسدية، ما فوق الدولة والسلطة والشعب، وهي أسدية غير قابلة للوصف او التحديد! والشئ الوحيد الذي يميزها وتعرف به! أنها قادررة علي فعل أي شئ في سوريا! وفي كل الأوقات، وغير مسؤولة أمام أي جهة، فهي الأعلي دائماً من كل شئ! ومنذ ذاك الحين تحول الشعب الي منفذ فقط لرغبات وطموحات ونزوات وتهورات العائلة الأسدية! أي الي مجرد آلات او تروس تعمل في ماكينة الدولة، بجسدها فقط، مقابل تلبية حاجاتها المادية! وهي نفسها غير ملزمة للعائلة الأسدية! مع إلغاء كامل لوجود الشعب، ككائنات لها إحساس ورغبات وطموح، ونزعة للترقي والتطور وإشباع لحاجات الروح، اي تحولت الدولة الي نوع من الحظيرة العملاقة، تعلف فيها تلك الأشياء التي بداخلها، لتؤدي دورها في حماية وتسلية السلطان الأسدي، ولحوجة السلطة نفسها لبشر، يبرر وجودها ويكسبها ذاك النوع من الشغف بالغواية والمغامرة والتملك والغرور!
والمحصلة كانت إنتاج نظام خارج او هو الخارج بحق وحقيقة، بني وجوده وشكل مؤسساته وفلسفته للحكم علي الخارج وليس الداخل وظروفه! لذلك إتخذ من المقاومة والممانعة والحماية مبررات وجود وإستمرارية، اي حولها من قضايا او صراع مؤقت ينتهي بإنتهاء مبرراته، الي مشاريع وجود دائمة! لذلك أصبح الخارج وقضايا الخارج هي ما يثير حساسية النظام! او هو المواد التي تساعد علي تنشيطه وزيادة تفاعله، عكس الداخل الذي أصيب بالخمول! وتحول الي خلايا ميتة تعمل كدروع لحماية لحاء وساق النظام، الذي جعل خلاياه الحية وعملياته الحيوية تتوجه الي الخارج، بمعني أن الخارج هو المتن والداخل هو الهامش، الخارج هو الممكن والداخل هو المستحيل! والنتيجة كانت أن النظام البعثي الأسدي، وطوال تاريخه يعيش في حالة إنفصام حادة، جعلته يشخص ببصره الي الخارج ويهمل الداخل، او يوظفه لخدمة قضايا الخارج، وتاليا الجهل التام بقضايا الداخل وإحتياجاته، وتجذر التمايزات والمحاباة الي مجموعة محددة وتنظيم بعينه في الداخل! وبناء دولة الإرهاب والخوف في أكثر نسخها رعبا! والنظام كعادته ولغيابه عن مسؤولياته الداخلية، يحول كل ذلك السلوك القاسي، الي نوع من العمل المحمود! تحت شعار توحيد الجبهة الداخلية وضرب الخونة والعملاء بيدٍ من حديد! كمدخل أساس لتقوية الجبهة الخارجية او ما يشغل تفكيره وشعوره ويثير خوفه وهلعه! لذلك ظل نظام دمشق مهجس دائما بالخارج ويسكنه الخارج ويعمل للخارج وبالخارج بإعتباره اللغة التي يفهمها! بعد أن حذف الداخل من سجل إهتماماته! حتي أتت الثورة السورية لتعكس الآية، وليعلن الداخل عن ميلاده، ليفاجأ النظام الذي ظن أنه لا يوجد داخل لديه بل كله خارج! وبما أنه لا يعرف الداخل او يجهل وجوده! كان من السهل عليه نسبة الحدث الصادم والفعل الثوري الي الخارج، وتحويل شعبه كله الي عملاء ومأجورين! وبالتالي الصراع ضده ليس من أجل كرامة شعب منسي، وإحياء لذاكرته الممسوخة، بافاعيل حزب البعث والعائلة الأسدية المجرمة! وإنما مؤامرة من الخارج تستهدف الدولة السورية/العائلة الأسدية! ولكن الشعب السوري هذه المرة رفض الإستكانة لخيال بشار المريض او إرهابه او إحترام سلطة غير جديرة بالإحترام! لذلك خرج الشعب ومن غير عودة، دفاعا عن كرامته المسلوبة، ورد لبشريته المضاعة، أي أن يتحول من أشياء مجهولة الأبعاد والوجود، الي بشر موجودين! لهم كامل الحقوق في الحياة بكل تفاصيلها، بمعني آخر خروج لإعلان الوجود وإنكار لوضع الفراغ والتشيؤ(من الاشياء)! خروج لرد الإعتبار للزمان والمكان أي من زمان ومكان الأسد الي زمان ومكان الدولة السورية والشعب السوري. أو في الحقيقة هي ثورة للحرية والتجديد وتجميل معاني الحياة، ثورة للبناء والنماء وإمتلاك المستقبل وتحمل مسؤولية صنعه! ثورة ضد الإلغاء والتهميش والإزدراء، ثورة لتحرير الواقع من قبضة الخوف والمجهول واليأس والخمول، ثورة لإعلان نهاية الطغيان وذاكرته المليئة بالفواجع والمحن والرعب والإرهاب، ثورة لتحريك سكون الزمان وثباته في محطات القهر والجوع والسراب، ثورة لتعديل شكل الخرائط والمكان وتخليصها من قيود الكتمة والضيق والظلام، ثورة من أجل النور والضياء، ثورة لعودة العصافير وزمان التغريد، ثورة للنشيد، ثورة لتتفتح الزهور ولسد الثغور، ثورة لتحطيم الأسوار والمعتقلات ثورة لإثبات الذات. ثورة لتعديل الصورة المقلوبة والسلطة المقلوبة والدولة المقلوبة! ثورة لأجل تخليص السلطة من مقتها لشعبها، ولحماية الشعب من كره سلطته! ثورة لحضور الوطن في أبهي صورة والشعب في كامل حريته ولياقته النفسية والجسدية. والمحصلة أن الثورة السورية إعلان صريح وواضح، للوجود العلني بكل مستحقاته وفرصه في الحياة، أو اللاوجود والفناء! ومسؤولية العالم الآن، ممثل في المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان والمؤسسات العدلية والأمنية الدولية! هي الوقوف بقوة مع الشعب السوري الشجاع، وتمكينه من الوجود وإعلان الخلاص، من نظام يعلن علي الدوام عن نفيه للوجود او الحياة، إلا وجوده هو أتباعه، وهو وجود لا يفرق كثيرا عن الفناء بالنسبة للآخر! وعلي الرغم من كل ذلك، يظل الأسوأ فيما يحدث في سوريا، ليس القتل والترويع وحرب الإبادة الممنهج والخراب المنظم، والصمت حيال هذا النظام الأسدي القاتل من قبل المجتمع الدولي فقط! ولكن في إرساله لرسالة سلبية لبقية الشعوب المضطهدة، المحكومة بأنظمة الطغيان المفلسة، أن هولاء الطغاة غير محاسبين علي جرائمهم العلنية! وأن من حقهم سفك دماء شعوبهم بصورة مجانية، وأن هنالك إمكانية لإيجاد مخارج لهم ليس للإفلات من العقوبات فقط، ولكن بإتاحة الفرصة تلو الفرصة لهم بالمشاركة في أدارة مستقبل بلادهم من موقع قوة!! لذلك يجب علي الشعوب المنكوبة، والباحثة عن الخلاص وحقها في الحياة الكريمة، او علي الأقل من أجل أجيالها القادمة، أن لا تعول علي الخارج كثيرا، وأن تتوكل علي الله وتعتمد علي نفسها لنيل حريتها، وأن تنصت لصوت الفيلسوف الراحل حميد جيدا وهو يردد
ما بينصفكم إلا ضراعكم
عّبّوا ضراعكم يا رجّالة
وخَلّوا بصركم دغري وسالم
حُكم العسكر ما بينشكر
كلو درادر ... كلو مظالم
وفي الختام، الثورة السورية طرقت باب الأمل لكل الشعوب المقهورة، ووضعت أول خطواتها في طريق الخلاص الطويل، وأنارت شمعة في دهاليزها المظلمة، ودقت أكبر وأهم مسمار في نعش، أنظمة الطغيان البوليسية الأمنية عديمة العقل والرحمة، وهذا وحده يكفيها ويعظم أجرها. وكل ثورة والجميع بخير.

mekawy222280@yahoo.com

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 557

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبدالله مكاوي
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة