المقالات
منوعات
قراءة فى كتاب ” الإزقار- بانوراما كوستاوية“
قراءة فى كتاب ” الإزقار- بانوراما كوستاوية“
06-20-2013 02:32 AM


مع أن كتاب ” الإزقار- بانوراما كوستاوية“ لمؤلفه الاستاذ دفع الله حماد حسين صدر فى 2007، لم احظ باغتناء نسخة منه، رغم البحث المضنى، الا قبل أيام قلائل. وكان باعث الحرص على قراءة الكتاب ليس فقط الدافع الوجدانى لمن نشأ وترعرع فى كوستى، بل لأن مؤلفه يمتاز بما عرفناه عنه منذ وقت مبكر من رحابة الافق الثقافى وعمق المعرفة باتجاهات الادب ومدارسه ونظرة جادة لاهمية الرسالة التنويرية للكتابة.

اعتمد المؤلف فى ايراد المعلومات المتصلة بالشخصيات والحوادث البارزة فى المدينة على ما كان يدور فى ميدان الحرية وسوق حرفة السِكَافة وأحد الملتقيات الاجتماعية. فهذه الاماكن الثلاث بوسط المدينة بما تمثله تعبر عن فضاء المدينة و مُجمل حياتها فى جوانبها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. فميدان الحرية ” هو المكان الذى تقام فيه الندوات لمختلف الاحزاب السياسية والدينية لموقعه فى قلب المدينة وهو أيضاً المكان الذى تنطلق منه المظاهرات وشتى ضروب الاحتجاج.“ وسوق الاسكافية يضم اكبرالصَنْعات الممارسة بالمدينة وهى جزء من الحرف المختلفة التى تشكل عصب النشاط الاقتصادى لمواطنيها، والسوق يمثل الضلع الشرقى لميدان الحرية و لذلك كان ” على مقربة من الاحداث التى تدور فى المدينة الأمر الذى جعل الإسكافية أول من يعلم بما يجرى فى المدينة على مختلف الصُعد وهم اول من يتضرر من رائحة القنابل المسيلة للدموع.“ وأخيراً شجرة المِحنة التى تقع فى الشمال الغربى لميدان الحرية التى ” يلتقى فيها المعلمون وخاصة فى العطلات الدراسية حيث يكثر تأخر المرتبات وأيضاً يؤمها لاعبو الكرة والمشجعون؛ ولموقعها قرب المجلس البلدى والريفى فى ذلك العهد قبل أن يصبح المجلس الريفى مقراً للمحافظة، فقد كانت مسقط أخبار المجلس البلدى وموعد التقديم للحصول على الاراضى السكنية والاكشاش التجارية وملتقى سماسرة الاراضى حيث يتصيدون العائدين فى العطلات الصيفية..“ وأيضاً كانت الشجرة مكاناً لتفريخ الشائعات وعلى حسب رواية أحد روادها ” أنه عندما يرتادها ويستمع لروايات المجالس الليلية يشعر كأنه كان حاضراً فى كل مجلس من مجالس الأنس المسائية ولذلك لا تفوته شاردة ولا واردة ويحرص على المرور بها كل يوم.“

الكتاب عبارة عن عرض للمعالم المهمة فى سيرة الحياة الاجتماعية لمدينة كوستى منذ نشأتها، وقد اعتمد الكاتب لانجاز عمله على اسلوب روائى احيت أحداثه شخصيات واقعية. وقد يختار الذين يمارسون هذا النوع من الكتابة مشروعية تصوير شخصيات خيالية لعرض الأحداث بدون تحريف محتواها التاريخى؛ ولكن استنطاق الكاتب لشخصيات من الواقع كاملة الحيوية أظهر مهارته وحذقه. كما تناول الكاتب ذكر شخصيات وايراد طُرف من هنا وهناك وتوفق كثيراً فى ملاءمتها للوصف البانورامي لكوستى. وأخيراً لم يهاب الكاتب التعرض لما تحمله الثقافة الشعبية من أفكار لا تراعى ما يحرمه أولو الأمر....

اتخذ المؤلف من شخصية الإزقار الشخصية المحورية التي انطوت افعالها واقوالها على دلالات حول التطور الاقتصادى والاجتماعى لمدينة كوستى. كان الإزقار اسكافاً تعلم الصنعة منذ أن كان صغيراً فى مدينة ود مدنى حيث نشأ فى اسرة وهبت جلّ حياتها لهذه الحرفة. ومجىء الإزقار الى كوستى تزامن مع تحولها لمركز تجارى مزدهر يربط بميناء نهرى شمال البلاد بجنوبها وغرب البلاد بوسطها وشرقها بالسكة حديد عبر جسر مقام بجنوب المدينة. والى هذا الموقع الفريد توافد العديد من التجار وطالبى العمل بالميناء النهرى والسكة حديد.

بعد مجيئه لكوستى استطاع الإزقار أن يوفر بعض المال، الذى مكنه من أن يبيع ويشترى تيمنا بالمثل القائل ” بيع وإشترى وما تَنْكَرى“، وسريعا ما ترك المهنة وتحول الى تاجر أحذية بلدية. وكان السكان الريفيين القاطنين حول المدينة، الذين جادت عليهم النهضة الزراعية التى انتظمت النيل الابيض بعد الاستقلال ببعض اليسر (الى حين)، يمثلون معظم زبائنه. كان الإزقار رجل طويل القامة ممتلئ الجسم، ونسبة لضخامة قدميه كان يصنع له حذاء مخصوص ويطلق الأساكفة على ذلك المقاس المخصوص لفظ (الإزقار) الذى لُقِّب به.

اتخذ الإزقار مكاناً لنشاطه التجارى فى سوق الاسكافية الذى يضم الصناع الذين يعملون على اساس إنتاج ما يسمونه ”القسمة“، وهى كمية الاحذية المنتجة فى اليوم الواحد، ويريدون بهذه التسمية الاشارة الى رزق اليوم باليوم، وحتى هذا الرزق صار فى خطر عند ظهور أحذية (الباتا) وقد عَبَّر عن هذا أحد الصناع بقوله ” الكلام الجد (الباتا) هددت الصنعة بتاعتنا دى، نحن الواحد مننا ومعاه إثنين صنايعية نشيطين ما يقدروا يعملوا أكثر من قسمتين، 16 جوز، لكن تعال شوف باتا! الجزم بالصناديق ..شغل مكنات يجنن جن! “

وفرت التجارة للإزقار وضعاً مالياً أفضل نسبياً من الصناع زملائه فى المهنة سابقاً .......كانت مواقف الإزقار وتصرفاته تتركز فى اتجاه الحفاظ على نشاطه التجارى، فقد تفنن فى استمالة الريفيين البسطاء ودفعهم لشراء بضائعه. وكان يلعب دور الراقي ويعزم على النساء مما أكسبه شعبية وسطهن. وكانت المسبحة لا تفارقه ولا يوقف انزلاق حباتها الواحدة بعد الأخرى على اصابعه الا تَصَيُّدُه لزبون أو معابثة القرويات الغرائب اللائي يفدن إلى السوق من البوادى.

لكن الإزقار كان نشيطاً اذ أنه فى فصل الخريف كان ” يتجول فى مضارب العربان .....ويعود محملاً بالسمن والعسل وجلود الاصلة والفهود والنمور..“، وكان كتاجر صغير متطلعاً لحياة أرقى شغل باله هم مصدره اعتقاده فى عدم صلاح الامور على يد الحكومات الوطنية بعد جلاء المُستعمِر مما يشكل عقبة أمام تحقيق تطلعاته المرجوة، وعن هذا قال لمحدثه (الاتحادى) ” زمن الإنجليز كان بيرقين وزمانكم هسه بيرق واحد. أيام الانجليز خواجة بربندى (بروك بوند) بى حصانه حاكم البلد دى كلها أما اليومين ديل مية أفندى راكبين الكوامر وما مسوين شئ والأدهى والأمر يكتِّلوا فى الناس بالجملة. براك شفت الحصل فى عنبر جودة. لخبطوا الدنيا ووقفَّوا علينا السوق، شهرين ما بعنا شئ وطلع كلام الافندية صحبان سليطين البِقرأ معاهم جريدة (الصراحة) طلع كلامهم صاح.“ وسليطين، وهو الاسم التى لُقب به، كان أصغر الصناع أخرجه أهله من المدرسة ودفعوا به لتعلم الصنعة فى سوق الإسكافية لمساعدة أسرته الفقيرة. والعجيب أن سليطيناً على (شيطنته) كان ذكياً تعلم الكثير من مجالسة المثقفين والتحدث معهم وقراءة الصحف. وكان الإزقار لإرضاء نزعته الكارهه لما آلت اليه البلاد بعد التحرير ولإغاظة زملائه الذين لا يوافقونه الرأى يطلب من سليطين اسماعه القصيدة التى ألفها الاخير فى مزارعى مشروع جودة، والتى تقول ابيات منها :

تحش وتزرع من ما تَبَيت
غير الشقا ما شفناك أبداً جنيت
كل اللقيته كنت صبى وعقب انحنيت
تلقط وتخيِّش وتسلم كل شئ كمبليت
وكان إتكاسلت ولا ابيت توا العسكر بجوك
شايلين البنادق والنبابيت
يسألوك ويقولوا ليك كيت وكيت
تقول شاركوك وقت الزرع ولا ساعدوك فى القلع
ملاريا وبلهارسيا وبى عرقك عايشين عيشة دلع
عشاك القوا وعشاهم زيتون ونبيت
مصّوا دمك مَصْ ونصيبك من القصبة فرِد فَصْ
ولمن يجى وقت الحساب قطع شك
مطالب
بالقانون والنَّص

كان ميدان الحرية الذى يطل عليه دكان الإزقار قلب المدينة النابض الذى يتجمع فيه السكان فى المناسبات المختلفة، فكانوا عندما يملَّهم كذب السياسين فى الليالى السياسية يتجهون لإنعاش آمالهم بخلق أبطال لهم من لاعبى الكرة التى كانت مبارياتها تقام بالميدان قبل تشييد (استاد كوستى) فى مكان آخر من المدينة. فقد كان اللاعب المتفرد (أحمد ميرغنى)، وهو معلم، عندما ينتقل من فريق لآخر ينتقل معه عدد كبير من المشجعين، وكان لا يدخل الملعب للعب مع فريقه الا بعد دقائق قليلة من بداية المباراة مرتدياً فانلة تختلف عن فريقه –وكان ذلك مسموحاً به آنذاك- وعند ظهوره يستقبله الناس بعاصفة من التصفيق والهتاف الداو.

ومن الاحداث الغريبة التى حدثت بالميدان هو أن النميرى فى إحدى الليالى السياسية خاطب المواطنين، الذين لم يحملوا وداً لنظامه فى أى يوم من الأيام، قائلاً ” يا ناس كوستى قالوا عرقيكم بتاع العيش بِدَّور العربية!“ أذهلت المفاجأة السكان الذين لم يفيقوا من صدمتها الا بعد أن أتى الرد على النميرى ومن جنس لغة القاع الذى كان يستقى منه ألفاظه عندما خاطبه أحد السكارى وكان يجلس على الأرض فى الصفوف الامامية قائلاً ” وكان ما عجبك عرقينا بتاع التمر بِقوِّم الطيارة“ وعندها ضج الحضور بالضحك وانفضوا من حول النميرى تلاحقهم شتائمه ووعيده.

مرت السنوات وألم المرض بالإزقار مما حدا بأفراد اسرته المجئ لكوستى ونقله لود مدنى حيث توفى هناك. رحل الإزقار ولم يتمكن من تحقيق طموحه فى تنمية عمله التجارى رغم كَدِّه ، بل أن الحرفة التى كانت الإسناد الذى يغذى نشاطه تهافتت ولم تتطور الى مرحلة صناعية أعلى اذ بلعتها منافسة مفروضة فرضاً! وحتى المدينة، التى استقبلت الإزقار والتجار الآخرين واصحاب المشاريع الزراعية والعمال عند نشأتها، انتقل اليها العديد من الريفيين وتحول معظمهم ” ممن لا حرفة له إلى مهنة التسول أو فيما بات يعرف بالشماسة الذين جاءوا على ظهر القطارات تفادياً لدفع أجرة السفر أو تسللوا عبر صنادل البواخر النيلية تارة وسيراً على الأقدام تارة هرباً من جحيم الحياة وازيز الرصاص، أتوا الى مدن الاواسط وكان نصيب كوستى الأوفر لوقوعها فى ملتقى الطرق بين الشمال والجنوب وبين الشرق والغرب فترهلت ..وأحاط بها حزام من السكن العشوائى إحاطة السوار بالمعصم فشاخت فى ريعان شبابها ودب الوهن فى أوصالها “.

كانت كوستى فى مناشدتها لغدٍ جديد يحمل عالماً من الحداثة والرخاء لا تغيب عنها ذكرى ابن المدينة الشاعر المبدع عبد الرحيم احمد عبد الرحيم ( أبو ذكرى) الذى أنشد ذات يومٍ قائلاً:

إنتظرنى ..إنتظرنى
فأنا أرحل فى الليل وحيدا
موغلا .. منفردا
فى الدهاليز القصيات إنتظرنى
فى العتامير وفى البحر ..
إنتظرنى .. إنتظرنى
إنتظرنى فى حفيف الأجنحة
وسماوات الطيور النازحة
حين تنهد المدارات و تسود
سماء البارحة..
إنتظرنى..إنتظرنى


[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 865

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#702488 [النورس]
0.00/5 (0 صوت)

06-21-2013 02:05 AM
متعك الله بالصحة والعافية عمنا دفع الله حماد حسين ابن كوستي البار فقد ايقظت فينا كوامن الشجن وتركتنا نرحل بعيدا الى مراتع الصبا حيث الحياة كانت جميلة في تلك المدينة الوادعة الساحرة هي مدينة متفردة بكل المقاييس واهلها نسيج وحدهم فلكوستي ثقافة خاصة بلدة لاتعرف الاحقاد والعصبيات تحتضن كل غريب وافد اليها وتودع كل حبيب غادرها وتفتح قلبها للمستقبل كل يوم جديد


د. محمود محمد ياسين
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة