06-20-2013 02:08 AM



في الحافلة التي أقلتني من أبو ظبي إلى مدينة العين لزيارة أحد أبنائي الذي كان يدرس في جامعة الإمارات صيف عام 2001 إلتقيت بالصدفة رجلا كان يبدو عليه الإنهاك والإحباط .. بعد أن تأكد أنني عربي في ذلك الجو غير العربي أخذ في الحديث وكأنه كان ينتظر اللحظة ليبث هموما أثقلته والتي بدا لي أنه قد بثها للكثيرين..

لم ينتظر موافقة مني ، حكى قصة موجعة لخصت مأساة بلد توفرت له كل مقومات التطور والنهوض واندفع في لحظة من لحظات مغامرة الطغاة بمستقبل شعوبهم في اتجاه معاكس تماما نحو الانهيار،، سأوجزها… قال : أنا من العراق أنهيت الثانوية العامة عام 1981بمعدل عالي ، وكان والدي يخططان لإلحاقي بهندسة البترول التي كان يدرس بها أخي الأكبر قبل أن يستشهد عام 1980في الحرب مع إيران ، ولأننا إثنين إخوان فقط فقد كنت معفي من التجنيد لأن أخي شهيد، وفجأة إستبدلت السلطات كلمة شهيد بكلمة مفقود لكي تتحايل على القانون، وبموجب ذلك التعديل لم يعد الإعفاء ينطبق علي وعلى أمثالي فأخذوني إلى الجبهة..

في نهاية 1982أسرت وظليت أنقل من سجن إلى آخر حتى عام 1999 لا أعرف شيئا عما يدور خارج أسوار السجون التي أقضي في بعضها عدة سنوات وفي البعض الآخر عدة أشهر، كانت سنوات السجن تبدو بلا نهاية، حتى جاء عام 1999عندما زارنا ضابط إيراني ومعه فريق من الأمم المتحدة وأبلغونا أن الأوامر صدرت بالإفراج عنا والعودة إلى بلدنا، في تلك اللحظة نسيت آلام سنين السجن التي بلغت سبع عشرة سنة، قلت يا الله تهون من أجل العراق.. قفزت فوق كل هذه السنين، لملمت تعبي الموزع على كل تلك السجون… وفي ساحة التجمع مع بقية الإخوة الذين تم الإفراج عنهم تبادلنا التحيات واستقلينا الحافلة وكان عددنا حوالي تسعة، طوال المسافة التي قطعناها حتى الحدود العراقية تحدثنا وغنينا ولم نكن نعرف شيئا عما حل بالعراق، على الحدود تسلمتنا نقطة عسكرية عراقية، أخضعونا لأسئلة كثيرة وبعد ذلك سلموا كل واحد منا ظرفا فيه ثمانمائة وخمسين ألف دينار عراقي ..

صرخنا عندما رأينا المبلغ الضخم بفرحة أنستنا آلام السجون وعذاباتها الطويلة.. في لحظة رحنا نحسب ونسأل ماذا لو لم نؤسر كل هذه السنين هل كنا نستطيع مهما عملنا أن نجمع مثل هذا المبلغ ؟ هتفنا بصوت واحد يحيا صدام ، ودخلنا في أنشودة طويلة تمجده ..نسجنا أحلاما كبيرة.. زواج، مشاريع تعوض ما فات من العمر. في أول محطة على االطريق الطويل إلى بغداد نزلنا لشراء سجاير وبعض الأطعمة قال لي صاحب الدكانة حسابك ثلاثمائة وستين ألف دينار، سألته : تمزح ؟ رد علي بحزم : تدفع يا تمشي مش فاضي لك.

إكتشفنا حجم المأساة، تحول الفرح إلى كابوس. بدأت فصول الكارثة تتضح لنا. عدنا إلى العراق المحطم، بقينا في السجن في بغداد ستة أشهر، بعض زملائي جاءوا أهلهم ليستلموهم خلال هذه الفترة أما أنا فلم يتبق من أسرتي سوى أختي التي جئت لزيارتها بعد أن تزوجت إلى مدينة العين كما ترى، عندما أسرت كانت في الثامنة. هي كل ما تبقى لي في هذه الدنيا وعليها أعول أن أجد عملا أعيش منه. لم أسأله لماذا لم تعمل في العراق .. كان غارقا في مأساته ولا يحتمل المزيد من الأسئلة..

الميدان





تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1096

خدمات المحتوى


التعليقات
#701999 [مواطن]
0.00/5 (0 صوت)

06-20-2013 11:37 AM
الطغاة الحقيقيون هم حكام الدول الغربية وأذنابهم مشايخ الخليج .. فلن ننخدع لديمقراطيتهم المزيفة التي دمرت العراق وليبيا وسينبلج فجر الحرية والانعتاق من التبعية للغرب وذلك
اليوم حتما سيأتي ....


#701834 [مواطن]
0.00/5 (0 صوت)

06-20-2013 09:24 AM
الناقل جريدة الميدان ( الشيوعية ) ومعلوم عن الشيوعيين عداؤهم وحقدهم على البعثيين
تماما كالأخوان المسلمين ...كما أن شيوعيي العراق جاءوا خلف الدبابة الأمريكية
وباعوا كل شعاراتهم ضد الامبريالية ... تماما كما باع جورباتشوف الاتحاد السوفيتي
السابق للولايات المتحدة ....


ردود على مواطن
[حليم - براغ] 06-20-2013 12:12 PM
ياسيد مواطن أولاً تقبل التحية..ثانياً إنت أخوه شيطان ولا بعثي؟؟؟إنت الظاهر إنسان مشحون بالغضب الشديد تجاه الشيوعيين!!! . د,ياسين نعمان بحكي عن موقف في اتوبيس مع شخصي عراقي حكي لنعمان قصة حياتة المؤلمة ...الدخل الشيوعية وخورباتشوف والدبابات الأمريكية شنو!!! يأخي خليك عاقل وله ما تعلق وإذا علقت علق بطريقة بعيدة عن الدبابة الأمريكية وجريدة الميدان وجورباتشوف وله تكون عندك مشكلة شخصية مع جورباتشوف ؟؟!! مأهو ناس البشير باعوا البلد وقسموا البلد ..وأمس واحد من كلابكم قال شاف في الحلم البشير لابس ميري ومعاه علي عثمان النجس ونافع الكلب المجرم الرسول صلي الله عليه وسلم ماسكوه من يده وبتونس معاه .. في كفر وإلحاد أكتر من كدي؟؟؟


#701720 [الشعب الفضل]
0.00/5 (0 صوت)

06-20-2013 07:19 AM
لا تعليق


د.ياسين سعيد نعمان
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة