اليراعان
06-27-2013 07:55 AM



الصورة تبدو أكثر بشاعة.. مما كان يزعم كأنه لا يعلم فداحة العاقبة.. كل هذا الوقت وصوته الداخلي ظل خافتاً.. ربما مكتوماً.. كان الصخب بؤرة اللذاذات المترعة بالابهارات ، يلفه بهالة من الوميض الخاطف.. باطن قدمه اليمني تغوص في النعومة الطافحة.. فلا يتورع من الدفع بالأخرى غير مبال بعاقبة هذا الغوص..!!؟ الأهم لحظة الانغماس وما تحدثه في النفس من انهيارات شبقية.. تتداعى الإسقاطات.. وينهمر غيث الانبثاقات..!؟.. يسلم قياده لأفراح وهمية.. تشرع أجنحتها لفضاء مفتوح.. يوغل سابحاً على ظهر موجة مترعة بطنين النحل.. يفرغ كأس العسل في جوفه حتى الثمالة.!!؟... مرارة العلقم المتكلسة تأخذ في التفتت والذوبان.. انفجارات البالونات القزحية تلون عيونه الرمادية.. وتفض بكارات الأحلام العصية.. يظل مغموساً في بؤرة الألق الكاذب‼.. أنها أكذوبة كبرى تلك الحياة الفاضلة.. السير حافياً على حبل الحواة المعلقة بين فعل أسطوري.. أهي دعوة للسقوط؟.. أكل هذا المذاق الطيب.. الفريد النكهة.. أيسمونه سقوطاً؟.. وما عاشه من نهارات رمادية وليال عابسة.. كدراء.. لا بد أنها جميعاً الوجه الآخر.. والنقيض الأمثل لهذا الانزلاق ، الانزلاق الانسيابي لقاع الكون‼؟...
لحظة كسر الحاجز بين عالمين.. لم تكن ميسورة ... بؤبؤ العين.. من يجرؤ على طبزه‼.. هكذا كان.. فعلاً عصياً.. بعيد الحدوث.. من يصدق صدوره عنه؟‼.. لكن في نهاية الخط المستقيم.. وقعت الواقعة.. في البدء تعرجت الاستقامة.. ثم انحدرت إلى أسفل.. ولم تلبث بداية الانهيار أن دوت.. لدهشته لم يكن صداها صاخباً.. بل أقرب إلى صخب الأمواج الهادرة.. لا.. ربما لم يكن صداها صاخباً.. بل أقرب إلى صخب الأمواج الهادرة.. لا.. ربما كان أوهن من الهدير.. أو لعله ثرثرة.. لا.. بل همساً.. ما أعجب هذا الكائن.. وما أغرب أفعاله‼؟.....
ماذا بعد؟.. زمن مضى.. وزمن آت.. وزمن آني.. أين هو من هذا المثلث الرهيب؟.. أين تاريخه؟.. وأين موقعه الجغرافي؟.. ماذا فعل؟.. وماذا فعل به؟..
صرخة الميلاد.. وصرخة الممات..!!؟... مساحة زمنية محدودة.. مرة أخرى الزمن.. في الأولى.. فعل هلامي... وفي الثانية فعل مطلق أيهما ألصق بالوجود؟‼
الزمن.. الفعل.. أيتوازيان.. أم يتداخلان؟‼.. من يدري؟.. والإيهام يفضح قصور العقل ومحدوديته ويرمي به عاجزاً أمام الميتافيزيقيا..!!؟...
أضجره أن يشغل ذهنه بهذا الاشتطاط الذي لا يجدي فتيلاً.. خيط غير مرئي يجره إلى حفرة عميقة الغور.. تجتذب أحذق الصائدين إلى قيعانها!!..
هذا اليراع أضاء عتمة دروبه الموحلة وهو يضرب بخطى مترددة صوب البدايات الأولى لمسار حياته المحفوف بالابهام.. كم ملأته مفردات الثناء ثقة وحقنت مخليته بالأحلام.. غير النبع الذي انبثق في داخله منفجراً وعيناه تصافحان كلماته مطبوعة على صحيفة متداولة.. كان يرى مستقبلاً مطرزاً بالفتوحات حتى من خلال نظرات الحسد التي تكاد أن تطفح من بين حدقات قرنائه.. وتصفعه.. حشد جيوش طاقاته على حدود طموحاته وأشرع سنان يراعه نحو الآفاق.. ومضى‼..
الكتابة.. أن يكتب.. كان فعلاً عصياً.. ولكنه حدث.. دهشة حدوثه نقلته درجات على الأقل أمام النفس اللوامة.. وكسرت إطار دائرته الموصدة.. كان مثابراً.. ومدفوعاً بخطاب هتافي.. أورثه له ترعرعه وسط مناخ شبه صحراوي يميل إلى التطرف.. فتصدى لقيادة قافلة العميان.. ولم يلبث أن فقد القدرة على المجادلة كأنه يكتب على وجه النهر ويصرخ في صحراء (العتمور).. إلا أنه ظل قريناً حميماً لهاجس الكتابة.. ثمة علامة فارقة بين الحرفة وما يفعله الآن.. إنه يسود صفحات بيضاء بمداد أزرق.. دون أن يدري على وجه الدقة مردود هذا الفعل.. كان بحسبه أن تذيل حروف اسمه هذالتسويد.. كان يعشق هذا الوليد الهلامي الذي تشكل على يديه.. لذلك لم يفكر أبداً- طوال هذه المساحة الزمنية التي ظل يجترح خلالها فعل الكتابة- تفكيراً جدياً في الاحتراف.. إلى أن كانت صدفة.. جرته جراً.. إلى حضور محفل ما.. كان مجلسه بجوار أحدهم.. ظنه في مبدأ الأمر أحد المتحدثين ينتظر دوره ليمتطي صهوة الكلمات.. ويجمح بها صائلاً وجائلاً كما فعل سابقيه.. ولكن لدهشته. لم يحرك من ظنه الخطيب القادم ساكناً وقبل أن ينفض المحفل.. كان جاره قد لاصقه تماماً.. وهم أكثر من مرة أن يبادره بالحديث لكنه لم يجد ما يرهص بوجود أي إشارة يمكن أن تفتح حواراً بينهما.. علائم اليأس تعلو وجهه.. بغتة يسقط قناع التشيث بالأصول.. ويقتحم الحدود الفاصلة.. ونبرة التطفل عبثاً تحاول أن تتخفى بين ذبذبات صوته:
- معذرة.. أظن أني قد رأيتك في مكان ما.. قبلاً.. أليس كذلك؟
- كلا.. ربما شخص آخر يشبهني.
- المسألة لا تتعلق بالشبه.. بل أكثر من ذلك.. ثمة ومضة تلتمع بين الحين والآخر داخل هذه الجمجمة.. إنها تختزن رصيداً هائلاً من الأحداث والصور.. ولا بد أن تكون أنت وثيق الصلة بذلك المخزون وإلا ما جرؤت على اقتحام عزلتك المجيدة تلك.!؟...
للحظة استهوته الطريقة التي يؤدي بها إخراج المفردة وهي تقترن بالأخرى ثم اقترانها بالثالثة.. حتى تبلغ مرحلة التكوين.. لتتخلق عبارة كاملة تنبض بالمعاني.. ولكنه لم يلبث أن ضاق به ذرعاً.. حينما تمدد حديثه واستطال.. وبدا كأن ليس له نهاية.. أكثر من مرة هم بأن يبتر هذا الحديث بكلمة قاطعة ثم ينصرف معتذراً.. إلا أنه لم يتح له هذا الهامش.. فظل مسمراً على المقعد لا يبرحه.. أو يبدي ما يشير إلى قدرته على التحرر من قيود وهمية كبلته بأذيال لزجة.. لا تكاد تنقطع لتبدأ من جديد في التشعب والاستطراد‼؟...
انتبه بغتة إلى أنه برفقة (حسين عبد المعطي) يقرعان سوياً أسفلت شارع النيل بخطى وئيدة في طريقهما إلى سينما (البلونايل).. للحاق بالدور الثاني.


* * *

اكتشف (خالد سليمان).. مع تواتر اللقاءات وطولها أن للصدفة أثر بالغ الخطورة في إحداث فجوات.. ربما مخاطر على جسم تاريخ السيرة الذاتية لشخص ما.. فقد استطاع (حسين عبد المعطي).. أن يشبع لديه رغبة جامحة في سماع كلمات مترعة بالإطراء.. فيما يتصل بأحلامه الحافلة بدوائر مضيئة آخذة.. في الاندياح.. وهج المفردة وانفجارها.. كان مرماه الذي حسب أن (حسين عبد المعطي) الوسيلة المثلى للارتقاء إليه‼
درج (خالد سليمان) متوثباً على العامود اليومي الذي اختار له عنواناً براقاً بإيحاء من (حسين عبد المعطي) الذي كان يعمل مديراً للتحرير لذات الصحيفة.. فقد أخذ من خلال هذا العامود اليومي بقلمه غير الهياب بتمحور حول قضايا ومفاهيم لصيقة باهتمامات الناس .. وأشواقهم وفي ذات الوقت يعمل جاهداً على تطوير أدواته وصقل مواهبه وترقية أساليبه .. وتحديث خطابه السياسي من خلال موقف ثابت ورؤية واضحة.. مما جعل له قاعدة عريضة من القراء.. وكاد أن يكون موضع حسد من قبل رفقاء القلم من أبناء جيله.. إلا أنه لم يغتر.. ولم يقارب ما يشبه الاغترار.. فقد كان يتوق لاجتياز الخط الأحمر.. الفاصل بين أرضين.. أرض جرباء.. وأرض خضراء.. لا سيما وهو الآن يمتلك سلاحاً ماضياً يخول له اجتياز هذا الخط قفزاً.. لكن ماذا بعد؟.. ماذا يكون موقفه وهو يقف كالجسم الغريب وسط الاخضرار والزهارة بهيئة جرباء‼؟...
نشب صراع طاحن.. كان سجالاً.. وهج الكلمات وانفجارها قطب.. و(حسين عبد المعطي) وطبق الفضة.. وعاء الطعام الشهي محفوف بالمخاطر.. قطب آخر.. كان بين قطبي نقيض‼.. قمة جبل شامخة.. وعرة المدارج.. تتأبى على أحذق المتسلقين.. وحفرة عميقة الغور.. قاعها بحيرة من عسل الفردوس.. السقوط من حالق.. الانغماس.. الإرتواء من الينابيع مباشرة دون واسطة.. طزاجة الحياة وحرارتها.!!؟...
أخذها عنوة.. لقد ضجر مختنقاً من التعاطي مع مفرداتها.. باردة.. كأنها من فتات الموائد.. التناقض حقل من الأشواك الحسكية.. ينغرس في الوجدان و يخلخل الثوابت.. ولا يلبث أن ......
يطفو على أطراف اللسان وسنان القلم..
فتصطبغ الكلمات بلون البهاتة.. وتشحب.. ثم يستحيل وقعها في نفوس المتلقين رتيباً.. ويتباعد الصدى متخافتاً.. فيغدو العامود اليومي رسماً لمفردات تولد ميتة‼؟...
هنا فقط كان علي (حسين عبد المعطي).. أن يأخذ بتلابيب السانحة أخذاً.. ويجهز على ما تبقى من روح المقاومة.. والصمود لدى خالد سليمان) بضربه الحديد وهو ساخن‼؟...

* * *

في لحظة ما إلتحم القرار بالفعل.. فكسر قلمه.. لكن (حسين عبد المعطي) مد يده بقلم آخر.. تردد طويلاً قبل أن يأخذه:
- هذا قلم ينزف دماً !؟...
- لكنه يساقط بريق الذهب‼؟...
- قناعاتي مصدات لأعتى ريح.
- رياح الشمال لا قبل لك بها‼
- كيف علمت؟
- عيناك..
- ما بهما؟
- عين في الجنة.. وعين في النار‼
- ماذا تعني؟
- ما اعنيه.. أنت ادري به.. و..
- لا تزيد.. لقد علمت..

* * *

ها هو يعب عباً من نهر العسل المحرم.. لكنه لا يستشعر مذاقاً مراً لهذه الحرمة.. بل لقد بدا له الأمر جد مختلف.. في معية صنوه (حسين عبد المعطي).. حتى جائحة الشعور بالذنب.. التي كانت تغزوه بين الحين والآخر.. لم يعد لها أثر يذكر.!!؟...
لعل الأرض الجديدة.. التي عبر إليها خط أحمر.. أغرقته في دوامة الانغماس.. فسارع بإسقاط هيئته الجرباء.. وانغمس على الفور في بؤرة من الانزلاقات !!؟... المتوالية.. أكان جسوراً ...أم أن التجربة لم تستوجب الجسارة؟.. كانت بكل المقاييس نقلة نوعية كبيرة.. بلا ثمن.. كما حسب في مبدأ الأمر..إلا أنه أدرك لاحقاً.. أن حسبانه.. لم يكن صائباً.. أكان خاطئاً؟.. على وجه الدقة ليس بوسعه أن يضع علامة أمام أي الخيارين‼ على الأقل الآن.. ربما غاب عن وعيه أن الثمن كان محسوماً بأثر رجعي من رصيد العمر‼؟...
الآن يذكر مستحضراً.. الدهشة التي طفحت من بين محجريه وأذنيه تتلقى كلمات لها وقع الصواعق.. بينما كان يرابع ثلاثة من رفقاء القلم في باحة نادي نقابة الصحفيين.. كانوا يتحدثون حديثاً عاماً عن قضايا الساعة.. .. وكانت حينها قضية (الكنغو) قائمة على أشدها.. وأسماء الأطراف المعنية تلتمع على وجه الأفق إلتماعاً متراوحاً (لوممبا.. شمبي.. داج همر شولد).. وأسماء أخرى نافذة تقف خلف الكواليس.. تحرك دمى العرائس من خلال خيوط خفية.. فيزاح الأول ويلحق به الثالث ويظل الأوسط كشوكة الحوت.. وتتدفق أرهاط من المرتزقة لتثبيت ركائز الشوكة.. وغرسها عميقاً بين مسامات الأرض البكر.. يومئذ وهو يتابع الأحداث المتواترة في اشتعال.. من خلال موقعه المهني.. لم تصبه مجريات الوقائع ومحيطها المحفوف بالمؤامرات والدسائس- على نحو فاجع- بالذهول.. بقدر ما أصابته حرفة ارتزاق الجندية بالجنون‼.. وحينما أبدى رفضه لأن يرتزق الإنسان بدمه وربط بينه وبين من تأكل بثدييها.. سخر منه ثلاثتهم.. ووسموه بنعوت.. أدناها.. أنه (يعرض) خارج مظلة العصر‼.. هذا الزمن ولى مدبراً.. من يعيده؟.. ومن كانوا محسوبين عليه.. الآن لا يتورعون من الإجهاز عليه إذا بدا لهم أن ثمة ما يرهص بدبيب حركة الحياة يسري بين أوصاله!.. وهو دون حياء يتصدرهم.. هنا فقط.. سقط من بين أصابعه القلم.. بينما (حسين عبد المعطي) يمد يده بقلم ثالث‼..

- - - - - - - - - - - - - - - - -
تم إضافة المرفق التالي :
image.jpg





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 633

خدمات المحتوى


فيصل مصطفى
فيصل مصطفى

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة