المقالات
السياسة
ملهاة حوش الخليفة ومحنة الإمام!
ملهاة حوش الخليفة ومحنة الإمام!
07-02-2013 12:53 PM



(1)

لم أجد في تاريخ السياسة السودانية الحديث زعيما سياسيا صادقا مع نفسه ومتسقا في مواقفه أكثر من الإمام الصادق المهدي فالرجل منذ أن اطل على الساحة السياسية في ريعان الصبا وأصر على انتزاع رئاسة الوزراء من القطب الأنصاري العتيد محمد أحمد محجوب ومواقفه السياسية واضحة لا لجج فيها ولا نكوص عنها فهو صاحب حق مقدس موروث – حسب ما وقر في الصدر وصدقه العقل- وللمحافظة على هذا الإرث فهو على استعداد تام للإطاحة بكل من تسول له نفسه الوقوف في طريقة ولو كان ذاك الشخص عمه الإمام الهادي المهدي عليه رحمة الله نفسه فلا شيء يعلو فوق تلك المكاسب المقدسة الموروثة ولا قيمة للمبادئ والقيم إن لم تخدم وتحرس بقائها وتعمل على المحافظة عليها كحق أصيل غير متنازع عليه.

(2)

لم يخذل الإمام بالأمس أحد فقد كان كالعهد به وفيا لنهجه السياسي ومواقفه التي ميزته تاريخيا وجعلت منه "البراغماتي" الأعظم في تاريخ السياسة السودانية. والجموع الهادرة المغلوبة على أمرها التي أتته راجلة وعلى كل ضامر ومن كل فج عميق قد خذلت نفسها بنفسها حينما خانتها الذاكرة وأحسنت الظن بالرجل وما درت أن بعض الظن إثم فعادت بخفي حنين ، فبصفقة استيعاب إبنيه في النظام جفت الأقلام ورفعت الصحف وألقم الزعيم سد الحنك المعارض، وانتهى الأمر عند هذا الحد ، ومن لا يزال يعول على مواقف الإمام كمعارض عليه تحسس صواميل عقله قبل أن يجن .

(3)

لقد اتضحت الرؤية وبان المستور في تلك الليلة البائسة من قبل أن يتلو الإمام خطاب "المفاصلة التاريخي" فماطمئنان قوى النظام الأمنية وسماحها للوفود القادمة من الأقاليم بدخول العاصمة في يسر دون معوقات وغض البصر عن الحشود التي توافدت لميدان الخليفة مؤشر ساطع الوضوح ودليل بين على أن وراء الأكمة ما وراءها فما الذي يدفع هذه الأجهزة المتربصة للسماح بكل هذا الحشد في حين ترفض بتعنت التصديق لأي فعالية لقوى المعارضة الأخرى مهما صغرت ، كما أن الإمام نفسه ما كان سيدعو لحشد كهذا إن لم يضمن مسبقا من أنه لن يخرج عن طوع السيناريو المعد سلفا وربما باتفاق ورضا السلطة وإلا فما فائدة وجود كلا من عبد الرحمن بالقصر والبشري بجهاز الأمن؟!.

(4)

كثير من القوى المعارضة توجست من دعوة الإمام ولم تحسن الظن فيها بيد أن خطاب السيد الصادق قد فاق سوء الظن وأكثر مثلما فاقت مواقفه السياسية الرجراجة من قبل وهي تخبر الجماهير جهرا وتعلن في كل حين "أن التراب في فم" كل من عول أو يعول على تلك المواقف حاضرا ومستقبلا، فلا مصلحة عند الزعيم تعلو فوق مصلحة "آل البيت" ولو قضى الشعب

نحبه جوعا وقهرا ومرضا، وجماهير الأنصار ليست استثناء، فقد تبنى السيد الصادق منذ أمد إستراتجية مهادنة نظام الإنقاذ وصارت هذه خططه التي لا حياد عنها وهو يصر عليها ويؤكدها في تصريحاته بصراحة يحسد عليها، مهما حاول بعض "الأحباب" دفن الرؤوس في الرمال ومد حبل الصبر وحسن الفأل وإيجاد الأعذار.

(5)

لا شك أن الرهط الإنقاذي في تلك الليلة الظلماء قد تراقص طربا وبات جمعهم اللعين ليلته في فرح عظيم فقد نجحوا بجدارة في حرق الكرت الأهم وترويض جماح كاريزما الرجل على أتباعه الذين سئموا اللغة اللزجة وقاطعوه محتجين بالهتاف مرات مما يدل على عدم الرضا ونفاذ الصبر فالخطاب لم يروي غليل أحد وقد جاء كعادته فضفاض ومترع بلغة حمالة أوجه والطرح السياسي هو نفسه يراوح مكانه حول مبادرات حالمات ما أوقفت حربا ولا حقنت دماء أحد منذ أن انطلق قطار الإمام المعارض يعبر المحطات محطة تلو أخرى دون مستقر.

(6)

سفر طال أمده وخابت محصلة نتائجه من جنيف مرورا بجيبوتي ومن الجهاد المدني عبورا بالقوة الناعمة وتذكرة التحرير ولا يدري المرء كيف يحتمل الإمام كل هذا "المارثون السيزيفي" رغم تغير الأحوال وتبدل الأزمنة ودوران عقارب الساعة تنهب سنوات عمر مديد بإذن الله انقضى جله في السندكالية وهلم جرا وأخواتها والجموع ظمأى للفعل والحسم ترقب.

(7)

والملاحظة المدهشة والمؤلمة في نفس الوقت هي خطابات الإمام وتصريحاته الصحفية التي اكتسبت في الآونة الأخيرة نكهة "إنقاذية" فغدا العنف اللفظي سمتها وما من خطاب أو تصريح للإمام في هذه الأيام يخلو من غمز أو لمز لقوى المعارضة فتارة هي "طرور" و "كرور" وتارة أخرى حطب ناشف وكأنما يتبارى مع بعض أفراد الرهط الحاكم في هذا المضمار وهي ممارسة دخيلة على الساحة السياسية وليست من أدب الصراع السياسي السوداني وما عرفها أقطاب السياسة عبر التاريخ من قبل إلا بحلول عهد الانحطاط الإنقاذي ونربأ بسليل بيت المهدية أن يخوض ميادينها الزلقة.

(8)

للسيد الصادق المهدي أن يختلف مع قوى المعارضة في الوسائل لا باس فمن حق الحليف أن يختلف مع حلفائه هذا حق مشروع تكفله صيغة أي تحالف الذي ما هو إلا وعاء تنظيمي اقتضته ظروف مرحلية يتواثق فيها الحلفاء على تنفيذ برنامج حد أدنى من أجل انجاز هدف مشترك ولكن المعيب هو رجم الحليف لحلفائه بلغة الاستخفاف والاستهزاء متى اختلفت الوسائل أو تضاربت المصالح، إلا إذا ما قرر المفاصلة والمفارقة بغير إحسان وصار هدفه الذي يسعى إليه غير ذاك الذي اتفق عليه من قبل ،وهنا اللبيب بالإشارة يفهم!!.

(9)

من الواضح أن إسقاط النظام الحالي لم يعد هدف الإمام، وما اختلاف الوسائل وتصعيد الخلاف مع قوى المعارضة إلا "حجة فارغة" وورقة توت يحاول بها ستر حقيقة انحيازه لإبنيه والنظام الحاكم ففي ليلة "المفاصلة" الأكثر بؤس في تاريخ حوش الخليفة ظهر "البشري" في معية أبيه متأبط سلاحه الآلي معلنا و"بالمفتشر" أن إمام الأنصار قد غدا منذ الليلة في حمى النظام!! فأي معارض هذا الذي تحميه أجهزة السلطة الحاكمة من جماهيره؟! ، لقد انقضى الأمر واتضح جوهره فهل بقى أمام قوى "الطرور" و"الكرور" – على حد زعم الإمام – من سبب لعدم تمايز الصفوف؟!! فالباب الذي "بيفوت جمل" وعناه الإمام هو نفس الباب "البجيب الريح" ويخشاه ويريد أن يوصده ويرتاح فتركوه في حاله يا هداكم الله وقوموا لنضالكم يرحمكم الله.

** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.

تيسير حسن إدريس 02/07/2013م

تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1470

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#712507 [الدرمبال - السديرة]
5.00/5 (1 صوت)

07-03-2013 01:08 PM
و قوموا الي نضالكم يرحمكم الله
فان كان البشري وعبد الرحمن هما العصاية النايمة فمريم هي العصاة القايمة مع المعارضة وياتري اين يقف المهدي ابن المهدي في اي نقاش داخل حوش عن الاوضاع الاقتصادية والامنيه في السودان هل يقف مع مريم والتي تشبه المهدي في حواراتها وطرحها ام مع البشري المدجج بالسلاح الانقاذي ام مع الديكور المستشاروالذين غاصا في وحل الانقاذخصما علي بيت المهدي وتاريخه ويا تري اين موقع الغبش وغلابة دافور انصار المهدي من هذه المعادلة البسيطة والمعقدة في نفس الوقت


#711862 [كروري]
0.00/5 (0 صوت)

07-02-2013 05:58 PM
من يريد معرفة السيد/ الصادق و حقيقته فليرجع الى ماكتبه عنه الدكتور عمر القراي


#711803 [ٍSaif]
5.00/5 (1 صوت)

07-02-2013 04:11 PM
فالباب الذي "بيفوت جمل" وعناه الإمام هو نفس الباب "البجيب الريح" ويخشاه ويريد أن يوصده ويرتاح فتركوه في حاله يا هداكم الله وقوموا لنضالكم يرحمكم الله.

ومن المفترض مثل هذا أن يتجاوز أصلا ولا يذكر ولا يحسب..كأنهم خشب مسندة.. ويخرج الناس ولا يمسكوا الخشب..

وإني أرى الأمواج تتدفق والشارع يتحرك والزلزال يعتمل والديمقراطية آتية ولو كره المنافقون..

شكرا صديقي المناضل تيسير..


#711724 [ABU SHAWARIB]
0.00/5 (0 صوت)

07-02-2013 02:31 PM
الصادق ومن معه ( ابناءه ومن لف لفهم )انحازوا للنظام ( الرصين )
فصاروا مع ( الرسين )

ملحوظة :
وضعت كلمة الرصين بين قوسين خوف التصاقها مع كلمة مع فتصير ( مع الرصين ) ( النظام )
وكما هو شائع عندنا نحن السودانيين العاديين ( دونما تقسيمات جهوية وعنصرية و ....)
فأننا كثيرا ما نختصر وندعم الأحرف , فمثل كلمتينا هاتين ( مع الرصين ) غالبا ما تختصر فيهما الألف واللام فيتبدل المعنى ويصير الأمر ربما( عمالة وسخة) بدلا عن ( انحياز )
وهذا المعنى لا يمكن أن يتهمنى به بشر ولا جن فمن منكم يا معشرى الانس والجن يطلع على الدواخل ويعرف خبايا النفوس؟!

أما لماذا قد وصفت النظام بالرصين فهذا الأمر ليس من عندى بل النظام يقول عن نفسه أنه اسلامى وصاحب مشروع حضارى وهما صفتين لعمرى تلزمهما الرصانة كصفة واجبة علينا لوصفه بهما عند الحديث عنه ولن يكون مقبولا منى كمسلم حسن الاسلام أن لا أعطى كل ذى حق حقه.......

والاّ أكون مثل ذاك الشاب الذى ورد الماخور راغبا فى احدى المومسات وكانت مرته الأولى فلم يقوى عليها وعندما قرر ترك الأمر رفض دفع الأجرة فخاطبته من كان معها وقد كانت من احدى دول الجوار مطالبة بأجرها ( انت ساعت ماتغدر تشيل حغوغ الناس ليه )


تيسير حسن إدريس
تيسير حسن إدريس

مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (2 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة