07-19-2013 05:07 AM


لا بد أن يلتقي بك ، حتما ستصادفه . لانه من أهم معالم السوق الكبير ، ستلقي به في حركته الدؤوب التي لا تفتا تجوب بين البرندات و الدكاكين ، زنك الخضار ، زنك اللحمة ، في المنحني الذي يدخل به الناس الي السوق من الجهة الجنوبية ، بين الجامع القديم و ميدان المولد ، هناك في الطرف الغربي من السوق حيث طلمبات البنزين و الجاز ، حيث موقف اللواري و البصات التي تسافر شمالا وتتبعثر في دورب ضواحي المدينة العديدة و المختلفة الأنحاء، في شارع المستشفي الذي فيه الجامع الجديد ،تعرفه الأكشاك الصغيرة و يتألف معه أصحابها دون تراكمات ، دكاكين الأواني ، ورواكيب الإسكافية و الحلاقين ، العجلاتية ، دكاكين تجار الجملة في الجانب الشرقي من السوق لا تمتص استمتاع أصحابها بالسيطرة علي المدينة ، لا تحس هذه الدكاكين بزهوهم إلا حين تواقع خطواته وصوته العذب الممتلئ بتلقائية تسمح له أن يصف الأشياء بمسمياتها العارية :
"ما تتحركوا يا جلابة" .
يتجاوز ويهزم كل هذيان وتجليات السياسيين و المثقفين حين يناقشون القضية العنصرية ، كان يلبي نداء أولئك التجار الجلابة دون انتباه يخلف أي أثر للدونية.
"تعال هنا يا عب "
يواجه "توتو الباشا " كل ذلك بضحكة مجلجلة و طرب ،لم يحدث أن لا حظ أحد أن الضحكة قد اختفت يوما من أثير السوق الكبير ، فقط يوم الجمعة ، حيث يكون " توتو الباشا" في راحته الأسبوعية ، في هذا اليوم تختفي هذه الضحكة المميزة من الصباح و لكنها تعود لتمنح ذلك الفراغ الذي يميز يوم الجمعة في كل الأسواق ، ضحكة " توتو الباشا " تمنح ذلك الفراغ بعض الطمأنينة فترتاح أبواب الدكاكين المغلقة ، يحدث ذلك حيث يكون " توتو الباشا" قد عبر السوق الكبير ، مجرد عبور ، مستمتعا بيوم راحته ، يقضي "توتو الباشا " عادة ليلة الخميس بــ" قعر الحجر" يمكث هناك حتى ما بعد الغداء من اليوم التالي ، الجمعة، يخرج "توتو الباشا " عصرا من " قعر الحجر" عابرا السوق ، مانحا ضحكته للاماكن الحميمة التي اعتادت عليه ، لاينسي " توتو الباشا " مطلقا أن يمر بقهوة "الأخوان" حيث يعمل هناك كجرسون خارجي مهمته أن يغطي كل منطقة السوق الكبير بالشاي السادة و بالحليب و الكاكاو و القهوة و الحلبة و الحليب ، ممزوجة كل هذه الطلبات بمداعباته وضحكاته ، لا ينسي "توتو الباشا" أن يمر بالقهوة ، يقف امامها مزهوا و مستعرضا استمتاعه بالراحة ، عادة ما يكون منتشيا بقيلولة رطبة بفعل "المريسة و العسلية"، يقف بجلباب نظيف متخلصا من تلك "المريلة" ذات الجيب الكبير الذي توضع فيه "الموارك" الملونة حسب نوع الطلبات ، يقف "توتو الباشا" امام مقهى "الأخوان" ، لا يدخل ألي الداخل ابدا ،
يرفع يده أمام الموجودين بالمقهى و يعلن : يا هوي قولو لي عبد الباسط ، الباشا جاي من قعر الحجر وماشي العصا صير "
هكذا كل جمعة ولمدة سنوات ، يقف " توتو الباشا" أمام مقهى الأخوان معلنا عن خط سيره بتباه عظيم ، يتحرك مارا بذلك الزقاق الطويل الذي يسمي "شارع أفجخني" ، يربط ذلك الزقاق السوق الكبير بالسوق "البره" ، في المساء الذي يمر فيه "توتو الباشا" بشارع " أفجخني" لا احد يفجخ احد ، هذا من سمات يوم الجمعة ، يعبر بدون اكتراث -السوق البره- حيث يصل الي السينما ،لا يختار ،توتو الباشا" الفيلم الذي يشاهده يوم الجمعة ، إنما يدخل السينما كما اتفق ، هكذا كل جمعة و لعدة سنوات ، بعد انتهاء العرض السينمائي يتجه "توتو الباشا" ألي حي "العصا صير" حيث يقضي ليلته هناك ، يقضيها كيفما اتفق أيضا ومع صياح ديوك حي " العصا صير " المصرة علي استقبال الصباح يكون "توتو الباشا" قد خرج من هناك بباقي نعاس خفيف حتى يصل إلي المقهى ، يغسل وجهه و يلبس " المريلة" يشرب أول كوب حليب و أول كوب شاي و"عبد الباسط " صاحب المقهى يصر علي هذه العادة ، أن يشرب "توتو الباشا" أول الطلبات وكان يتفاءل بذلك ويستلم "توتو الباشا" "الموارك" الملونة من عبد الباسط .يعدها . يقذف بها ألي داخل جيب " المريلة" الكبير ، قبل أن يخرج من المقهى مقتحما السوق بضحكته كان دائما يرمي بهذه الجملة في وجه "عبد الباسط" الذي يرتاح لذلك "بسم الله ،هبشك ألما ضراك ".
يدخل "توتو الباشا" السوق ، يخرج منه ، يدخل المقهى ، يخرج ، يحمل في يده صينية كبيرة ، يصيح بصوته العذب حين يدخل المقهى : أديني ثلاثة سادة وسطاني ، سبعة شاي علي موية بيضا ، ارمي معاك خمسة كاكاو وأثنين حلبة، يا ، حرك - اها جاكم ، يا ، كركاب مطره بدون سحاب " .
دائما ما بيدأ "توتو الباشا" أسبوعه المتنقل بين دروب وزقاقات السوق الكبير تسبقه ضحكته العذبه و مداعباته التلقائية .
كان حي السوق في ذلك اليوم من ماض بعيد يضج بالحركة ، أصوات طبول تهدر، صيحات نساء و فتيات لم تأخذ من الزغاريد بطرف ، ولم تتخل هذه الصرخات عن ملامحها ذات البساطة، كانت اقرب ما تكون لتلك الصرخات التي يميز بها سكان الجبال و الغابات ، في الفسحة التي بين المدرسة الشرقية الأولية حيث تصطف أشجار المسكيت أو "الأصفر أخضر" كما يحلو للأطفال أن يسموها وبين منزل "اسماعيل يعقوب" ، كانت اللواري قد جلبت من تلك الضواحي البعيدة ، البعيدة عن مظاهر المدينة و الحضارة أفواجا من نوبة الجبال ، رجال شباب ، نساء صبايا أو فتيات ، أطفال بعضهم كانوا عراة الا ما يستر العورة ، فقط ما يغطي تلك المنطقة المحرمة ، عبارة عن شريط من جلد أو قماش يلتف حول تلك المنطقة يثبت بخيوط جلدية او حبال نباتية حول الخصر ، اكتظت تلك الفسحة بتلك الجموع التي كانت صيحاتها تهدر وطبولها تعلن عن قدومها ، جماعات من مختلف الضواحي ، من " شاة الدمام" "شاة الصفيا" ، "كاتشا"، "طورجي" ، "البرام"
"أم سردبة" ،"أم دورين" "سرف الضي" ،" ميري" ، "دمبا" ،"كحليات" ، من كل مكان استطاعت ايادي ،، اسماعيل يعقوب ،، التجارية أن تصله ، حشد من نوبة الجبال ، ذبح ،، اسماعيل يعقوب ،، ثورا و عجلا وعدد من الخراف و الغنم ، طاولات من الرغيف ، أفرغت كميات من صفائح الزيت علي عدد من الأواني الواسعة التي تناثرت في كل أنحاء الفسحة ، فكان أن أغرقت النساء و الفتيات شعورهن وصدورهن العارية بالزيت ، و الرجال و الشباب تمسحوا أيضا بالزيت ، تناثرت الرقصات المختلفة في المكان "الكمبلا" ،"الكرنق" ،" البخسة" ، " الكيسة" وامتزجت أصوات الطبول بنغمات البخسة بصيحات الراقصين بضربات أقدامهم علي الأرض بالغبار الكثيف الذي يغطي المكان كله، كانت افراحهم حقيقية ، كانوا فرحين جدا ، كانوا يحتفلون ببراءة أحلامهم و بساطة طموحاتهم ولاسيما أن السيد " اسماعيل يعقوب" قد وضع طاحونة في كل منطقة من تلك المناطق فكان هذا بمثابة معجزة ، معجزة حقيقية لا يملك امامها
هؤلاء القوم البريئون إلا أن يطيعوا السيد ،، اسماعيل يعقوب ،، في كل ما ينوي فعله حتى لو كان هذا الفعل يقودهم ألي الهلاك ، انه نوع من رد الجميل ، جميل أن تختفي تلك "المحراكة" التي أتعبت النساء و الفتيات ، جميل أن تكون عملية صنع الطعام . اسهل مما يتصورون ،لذلك كان هذا الحشد بصيحاته و رقصاته المتنوعة أحد تجليات رد الجميل ، جميل أن تكون الحياة اسهل .
كان حي السوق في ذلك اليوم من أيام الستينيات قد أصاب بالدهشة الكثيرين من أولئك الذين جلبتهم لواري ،، اسماعيل يعقوب ،، ألا آن مستوي الدهشة عند "توتو كجو كوكو" ذلك الصبي الذي لم يتجاوز الخامسة عشر كان اكبر ، ملأ "توتو كجو كوكو" المكان برقصاته المميزة وصرخاته المنغمة حين مل كل ذلك وبدافع من فضول مكثف خرج من تلك الفسحة و اقتحم منزل ،، اسماعيل يعقوب ،، توغل إلى داخل المنزل ، كان يحملق في كل الموجودين ، عالم ملئ بالدهشة ، أحس بتفاهة مظهره أمام تلك الجلاليب البيضاء التي كانت متناثرة في ديوان " اسماعيل يعقوب" الواسع حين كان "توتو كجو كوكو" واقفا في ذلك الحد الفاصل بين تساؤلاته الخاصة و البسيطة وبين العالم الذي أمامه كان السيد ،، اسماعيل يعقوب ،، يدخن غليونه بشراهة متباهية بينما يستقبل التمنيات بالنجاح في الانتخابات إذا أنه أحد أهم مرشحي الحزب الوطني الاتحادي ، وما ذلك الحشد الذي يتراقص في الخارج الا عدد كبير من الأصوات التي تضمن له الفوز .
خرج "توتو كجو كوكو" من داخل المنزل ، انتبه ألي رسم كبير علي الحائط و بألوان صارخة ،نظر إلى الرسم ، كان الرسم عبارة عن عنقريب كبير ، ولو كان "توتوكجو كوكو" يعرف القراءة لكان قد فك طلاسم تلك الحروف
البارزة التي كتبت فوق العنقريب المرسوم : - "انتخبوا مرشحكم ،، اسماعيل يعقوب ،، رمز العنقريب
.
انتهت مراسم رد الجميل وحين عادت اللواري بذلك الحشد الراقص ، لم يرجع معها "توتوكجو كوكو" فضل أن يبقي في المدينة التي زارها لاول مرة ،تشرد فيها ، خبر دروبها ، استهلكها ، و استهلكته ، تخلص لسانه من عجميته ، تخلص من أن ينطق السين شين و الحاء خاء ، عرف سكان المدينة وعرفوه حصل "توتوكجو كوكو" علي لقب باشا وميزت ضحكته ومداعباته عالم السوق الكبير بعد أن استقر كجرسون خارجي في مقهى "الأخوان" ، قبلها كان قد تنقل في مهن كثيرة ولكنه نجح في مهنته الأخيرة .
في تلك الجمعة لم يعبر "توتو الباشا" السوق الكبير ،أحست بذلك الدكاكين و الأكشاك المغلقة افتقدت خطواته و ضحكاته في عصر تلك الجمعة ، "عبد الباسط" أحس بالشفقة عليه حيث أنه لم يسمع تلك الجملة التي اعتاد أن يسمعها منه في عصر كل جمعة : -" الباشا جاي من قعر الحجر وماشي العصاصير " .
في تلك الجمعة خرج "توتو الباشا" من قعر الحجر "كما اعتاد وحين عبر خور "كلبي" الذي يجف في هذه الأيام اتخذ شارع "الملكية" الذي يؤدي ألي السوق ، لا حظ عدد كبير من الناس ، شيوخا و رجالا ونساء وفتيات و أطفالا بملابس زاهية يتجهون نحو ميدان الحرية ، حين سأل عن الأمر قيل له أن هنالك "صراع" بميدان الحرية حيث تحتفل المدينة اليوم بعيد الاستقلال ، وقف قليلا ، قرر أن يغير اتجاهه هذه المرة، تخلي عن تلك الطرق التي اعتاد أن يسلكها منذ سنوات و اتجه إلى حيث يتجه الجميع إلى ميدان الحرية ، كان منتشياً بتلك القليولة ، أسرف في الشراب هذه المرة، كان قد خلط العرقي بالعسلية وحين وصل "توتو الباشا" إلى ميدان الحرية كانت الجماهير الغفيرة قد ألتفت حول الميدان من كل جوانبه ، كان المصارعون بأجسامهم الفارعة و الممتلئة
يظهرون قدرتهم بحركات استعراضية امام الجماهير ، فريق من المصارعين في هذا الجانب و الفريق الأخر في ذلك الجانب لكل مصارع معلن يخبط علي الأرض
معلنا اسمه ومزايا مصارعه ، تسلل "توتو الباشا" من بين الناس ، اقترب اكثر من المصارعين ، حدق فيهم بكل تاريخ صباه ،فرح حين عرف أن أحد الفريقين من قبيلته وهنا قادته نشوته، قاده حماسه ، فخلع جلابيته ، تلك النظيفة ، رمي بها علي الأرض ، اصبح بالسروال فقط ، دعك جسده كله بالتراب ، جري نحو قبيلته ، انضم إليهم ، صرخ مثل صرخاتهم ، استعرض قدراته وسط صياح الجماهير ، قاده الحماس اكثر ، اقترب من الفريق الأخر ، اختار منهم أحد المصارعين ، تراجع وتقدم نحوه.
تقدم نحو المصارع وبعد قليل من الاستعراض امسك ذلك المصارع بعنق"توتوالباشا" وجذبه نحوه فكان أن سقط "توتو الباشا" علي الأرض مضيفا إلى قبيلته هزيمة لم تكن في الحسبان ابدا ، حاول أن يعيد الكرة ، لكن أفراد قبيلته من مصارعين و معلنين الجموه عند حده و و كان تلقي منهم العديد من الصفعات و الضربات وكان الجمهور وقتها يضج بالضحك .
وفي الصباح اليوم التالي استطاع "توتو الباشا" أن يتجاوز بكل انسياب وتلقائية فضيحة صراع البارحة محولا الأمر كله إلى مداعبات وضحكات وكان يخرج من المقهى إلى السوق ويدخل المقهى مناديا بصوته العذب : أديني سادة وسطاني و أثنين حليب وثلاثة كاكاو وخمسة شاي علي موية بيضا يا - أتحرك يا - كركاب مطرة بدون سحاب .
*****
[email protected]

تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2848

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#726287 [hanankokoabas]
0.00/5 (0 صوت)

07-21-2013 11:22 AM
لقد ابدعت استاذ يحى حقيقة ذهبت معها بعيدا


#725032 [Magdi Sarkis]
5.00/5 (1 صوت)

07-19-2013 12:43 PM
.You are genius narrator,Yahia.Well done.


يحيي فضل الله
يحيي فضل الله

مساحة اعلانية
تقييم
9.69/10 (5 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة