المقالات
السياسة
لا يا سلمان!! التأييد لاتفاقية المياه لم يكن بالإجماع المطلق!!
لا يا سلمان!! التأييد لاتفاقية المياه لم يكن بالإجماع المطلق!!
07-20-2013 08:12 PM


مراجعة لمراجعات سلمان والطاهر حسن التوم
لا يا سلمان!! التأييد لاتفاقية المياه لم يكن بالإجماع المطلق!!

(1-3)
عبد الله الفكي البشير
[email protected]

لم يكن الأستاذ محمود معارضاً لاتفاقية مياه النيل فحسب وإنما كان مقاوماً لها

ربط الأستاذ محمود بين مياه النيل والحدود في كتاباته ومحاضراته منذ خمسينيات القرن الماضي

طالب الأستاذ محمود بإشراك الرأي العام وتنويره بسير المفاوضات وبمآلات اتفاقية المياه لأن مستقبل المصالح والعلاقات بين البلدين يتوقف عليها

الوضع الطبيعي والمتوقع والمطلوب بالطبع، أن يكون إجراء المراجعات للملفات والأحداث والوقائع والمسارات والقضايا والتاريخ... إلخ، خادماً للمستقبل، منفتحاً عليه، داعماً لفرص التغيير، لا خادماً للماضي بإعادة إنتاجه، فتكون المراجعات سهماً من سهام تجميد حركة التغيير، واستمراراً وتمكيناً لحالة التغييب والتضليل. فإجراء المراجعات هو اعمال للحس النقدي، وإعادة نظر وقراءة للإرث السياسي والفكري ...إلخ وتصحيح للمفاهيم والمسارات ودراسة في أسباب القعود، وسعي للتعلم من الأخطاء والإخفاقات إلى جانب أنه سعي لتنمية الحس العدلي ومحاولة لجرد الماضي وإبراز للحقائق بأخلاق ومسؤولية. لهذا يجب أن يتم إجراء المراجعات بعلم وصدق وحذر. لعل من أخطر، ما يصاحب إجراء المراجعات، خاصة مع الخبراء والمتخصصين والباحثين الأكاديميين في مجال ما، بتر المعارف وتجاهل جهود الآخرين المثبتة في المصادر، والتسليم بما هو معلن من التاريخ، سواء كان ذلك بقصد أو بغير قصد، بحسن نية أو بسوء نية. فبتر المعارف في العقول والصدور، سواء تم بوعي أو بغير وعي، بسبب نقص في المعلومة أو قصور في البحث، لا شك هو من مقدمات بتر أراضي الأوطان ومن أسباب تعميق التهميش والتمزق والتشظي. بل يزيد من خطورة الأمر، (وهذا ما دعاني لكتابة هذا المقال) تأكيد الخبير أو الباحث الأكاديمي، أثناء إجراء المراجعات معه، على قوله بثقة مطلقة، دون أن يعطي اعتباراً لما يمكن أن يجهله ولما لم يبلغه خبره، فيحتاط أو يحترز احترازاً يضمن الحد الأدنى من الشروط العلمية ويحقق شيئاً من الأسس الأكاديمية. فثقة الخبراء في أقوالهم وهم يسهمون في الخدمة التنويرية، وتأكيدهم على صحة ما يقولون لحد الاطلاق، ينبغي أن يواجه بالنقد والتصويب من أجل التصحيح وترفيع مستوى الحوار، ومن أجل بث ثقافة المسؤولية الأخلاقية عند تقديم الخدمات التنويرية وتنمية الوعي وتوجيه الرأي العام.

ضمن مراجعاته الاسبوعية استضاف الأستاذ الطاهر التوم في برنامجه الموسوم بمراجعات، الدكتور سلمان محمد أحمد سلمان، الخبير القانوني والباحث الأكاديمي في قوانين وسياسات المياه، والمستشار الأسبق لقوانين وسياسات المياه في البنك الدولي. وهو من الخبراء الدوليين في قوانين وسياسات المياه. أشار مقدم البرنامج الأستاذ الطاهر إلى أن سلمان من أبناء مدينة رفاعة درس ودرَّس بجامعة الخرطوم، وألف أو حرر عشرة كتب عن قوانين المياه. تُرجمت بعض كتبه إلى اللغات العربية والصينية والروسية والفرنسية، ونشر أكثر من خمسين مقالاً عن قوانين المياه في الدوريات العالمية، وأكثر من سبعين مقالاً في الصحف المحلية والمواقع الأسفيرية، إلى جانب تقديمه للعديد من المحاضرات عن قوانين وسياسات المياه في المنتديات الإقليمية والعالمية. جاء الحوار في أربع حلقات، تحت مظلة مراجعات حول اسرار وخفايا اتفاقية المياه السودانية المصرية. بثت الحلقات الأربعة على قناة النيل الأزرق الفضائية خلال الفترة ما بين 26 أبريل و17 مايو من العام 2013م، وعلى اليوتيوب، ونشرت بموقع الطاهر التوم الإليكتروني. تحدث سلمان في الحوار من خلال محاور عديدة، وتناول اتفاقية مياه النيل التي وقعت بين السودان ومصر عام 1959م، كيف تمت الاتفاقية؟ وما هي خبايا واسرار الاتفاقية؟ وما هي أبعاد ما قدمه المفاوض السوداني من تنازلات كبيرة لمصر؟ خاصة وأن التنازلات بدأت في سبتمبر 1954م، والتنازل الرئيسي في أبريل 1955م، وتوالت التنازلات حتى توقيع الاتفاقية في يوم 8 نوفمبر 1959م. وكيف قابلت القوى السياسية في السودان الاتفاقية؟ وما هو موقف النخب والأفراد من الاتفاقية؟ تحدث سلمان عن تفاصيل كثيرة عن الاتفاقية. ومن المعلوم أن خسارة السودان كانت كبيرة من هذه الاتفاقية، وقد تحدث سلمان عن تلك الخسائر وتناول مخاطر الاتفاقية. وفي رده على سؤال المحاور، الأستاذ الطاهر: كيف قابلت القوى السياسية في الخرطوم اتفاقية عام 1959م؟ أجاب سلمان قائلاً: السؤال عظيم والإجابة عليه مدهشة، غاية الدهشة القوى السياسية قابلت الاتفاقية بالترحيب والتأييد، تأييد مطلق بدون أي شروط وبدون أي ضوابط. ثم أشار سلمان قائلاً: جاء أول تأييد من السيد علي الميرغني راعي حزب الشعب الديمقراطي. كما أيد الاتفاقية عبدالله خليل ببرقية من لندن. كما أيد الاتفاقية السيد الصديق المهدي والسيد إسماعيل الأزهري والسيد عبدالله الفاضل المهدي، واتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل أيد الاتفاقية، والصحف السودانية أيدت الاتفاقية... إلخ. ثم تدخل المحاور الأستاذ الطاهر قائلاً: يعني القوى السياسية قابلت الاتفاقية بالإجماع، ما كان هناك أي صوت معترض؟ فأجاب سلمان قائلاً: لم يكن هناك صوت معترض، ولكن يجب أن أوضح شيئين، بحثت في الوثائق السودانية والأمريكية والبريطانية عن موقف الحزب الشيوعي السوداني والحركة الإسلامية. ولم أجد أي شىء من الحزب الشيوعي السوداني أو الحركة الإسلامية. أتصلت بمجموعة من الإخوة في المنظمتين وسألت ما إذا كان هناك أي بيان صدر يوضح رأيكم في الاتفاقية، فقال بعضهم أنهم ضد الاتفاقية، ولكني قلت لهم أنا أكاديمي وموثق وأريد شيئاً موثقاً صدر في عام 1959م يوضح رأيكم وموقفكم من الاتفاقية. ولكني لم أجد شيئاً موثقاً سواء من الحزب الشيوعي السوداني أو من الحركة الإسلامية يبين موقفهما من الإتفاقية. ثم وجه المحاور سؤالاً لسلمان قائلاً له: وماذا عن الأفراد والنخب ما في أي زول قال حاجة؟ فأجاب سلمان قائلاً: لم يكن هناك صوت معترض، فقط السيد ميرغني حمزة هو الشخص الوحيد الذي أبدى بعض التحفظات. ثم تحدث سلمان عن مسألة الربط بين اتفاقية مياه النيل والحدود مع مصر.

الأستاذ محمود ومقاومة اتفاقية مياه النيل

يبدو أن سلمان محمد أحمد سلمان، وهو يبحث عن مواقف القوى السياسية والمثقفين من اتفاقية مياه النيل عام 1959م، لم تتح له فرصة الاطلاع على ما كتبه الأستاذ محمود محمد طه، برغم أنه تحدث بقوة وثقة عن اطلاعه على الوثائق السودانية والأمريكية والبريطانية. الشاهد أن الأمر عند الأستاذ محمود لم يكن في حدود إعلان موقفه من اتفاقية مياه النيل بعد توقيعها في يوم 8 نوفمبر عام 1959م، وهي المواقف التي كان يبحث عنها سلمان كما وردت الإشارة، فالأمر عند الأستاذ محمود أمر مقاومة للاتفاقية. فالأستاذ محمود لم يكن رافضاً لاتفاقية مياه النيل ومعترضاً عليها فحسب؛ وإنما كان مقاوماً لها، قبل أن يتم توقيعها، بل منذ النصف الأول من خمسينيات القرن الماضي. بل كان الأستاذ محمود يطالب، كما سيرد قوله لاحقاً، بضرورة إشراك الرأي العام في السودان وتنويره بسير المفاوضات وطبيعة أبعاد الإتفاقية ومآلاتها. كما عاب الأستاذ محمود، على الحكومة تقصيرها في عدم تنوير الرأي العام بإزاء شأن يتحكم في مستقبل العلاقات بين البلدين. كما طالب الحكومة بترك العواطف الرخوة عندما يكون الكلام عن أمر جاد وهو إتفاقية مياه النيل. ودعا إلى ضرورة التسوية العادلة لمياه النيل بما يضمن المصالح المستقبلية. ونبه إلى أن أمر إتفاقية مياه النيل، هو أمر يتوقف عليه مستقبل العلاقات بين البلدين، السودان ومصر.

بدأ الأستاذ محمود نشاطه باكراً من أجل مقاومة الإتفاقية، ولكن كثف من نشاطه منذ شهر فبراير عام 1958م. لقد كتب الأستاذ محمود في مقاومته لتوقيع اتفاقية مياه النيل الكثير من المقالات، منها ما جاء بعنوان: "مشكلة مياه النيل" ونشر في 14 سبتمبر 1958م. وأصدر عدداً من البيانات وأقام الندوات في فبراير ويوليو من عام 1958م. وكل هذه المقالات والبيانات منشورة في الدوريات السودانية، وكذلك ملخصات لمحاضراته. كتب محذراً ومنبهاً لخطورة المسألة على راهن ومستقبل العلاقة بين البلدين، ودعا لضرورة الربط بين اتفاقية مياه النيل والحدود. إن رأي الأستاذ محمود الموثق والمنشور في الدوريات السودانية بشأن إتفاقية مياه النيل، ينسف فكرة التأييد لاتفاقية المياه بالإجماع المطلق التي جاء بها سلمان. بل يفيد رأي الأستاذ محمود ومقاومته لاتفاقية مياه النيل بأنه كان صاحب رؤية سياسية ثاقبة. تجلت تلك الرؤية وكشف عنها تنبيهه الباكر لضرورة الربط بين اتفاقية المياه والحدود مع مصر. ولعلي على يقين بأن سلمان لو كان يعلم برأي الأستاذ محمود وأطلع على ما كتبه، لاحتفى به احتفاءً كبيراً، ولهذا فإن المساحة الأكبر في التأويل والتحليل لحديث سلمان محمد أحمد سلمان هي لحسن النية. بيد أنه لفت انتباهي أن الخبراء والأكاديميين في السودان حينما يبحثون عن المواقف الموثقة للقوى السياسية في قضية من القضايا، لا يأبهون بمواقف الحزب الجمهوري، وهذا ما حدث لسلمان حينما قال إن القوى السياسية أيدت اتفاقية مياه النيل بالإجماع المطلق، بينما لم يكن الأمر كذلك. فموقف الحزب الجمهوري، برئاسة الأستاذ محمود يهزم فكرة سلمان هذه. كذلك حينما يبحث الخبراء والأكاديميون في السودان عن مواقف النخب والأفراد تجاه القضايا والأحداث لا يبحثون عن مواقف الأستاذ محمود، بل لا يأبهون بها، برغم أن مواقف الأستاذ محمود وأخباره في عقود الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، في كثير من القضايا، تكون في صدر الدوريات السودانية، وفي أغلب الأحوال تكون مواقفه في مقالات تنشر بحجم لا يقل عن الصفحة الكاملة في الصحيفة، وفي أحيان كثيرة تأتي في صفحة ونصف. الأمر الذي يؤكد أن مواقف الأستاذ محمود وآراءه، لا سيما في اتفاقية مياه النيل، كانت مواقف وآراء بارزة وواضحة ومنشورة، إلا أننا في ما يبدو ومن واقع ما آل إليه حال السودان، قد جافينا الاطلاع على مصادر المعلومات في مظانها، وانقطعنا عن دار الوثائق القومية في الخرطوم، فأسسنا لبتر المعارف في العقول فمن الطبيعي أن نشهد بتر الأراضي وتبديل الثوب الجغرافي للوطن.

كان الأستاذ محمود قد قدم قراءة باكرة لاتفاقية مياه النيل بين السودان ومصر. فقد عقد المحاضرات العامة ونشر المقالات في الدوريات السودانية قبل أن توقع الاتفاقية. ربط الأستاذ محمود في أحاديثه ومقالاته بين تشكيل الحكومة القومية واتفاقية المياه والحدود مع مصر. ففي يوم 26 فبراير عام 1958م نشر الأستاذ خوجلي محمد خوجلي، عضو الحزب الجمهوري، تلخيصاً لمحاضرة قدمها الأستاذ محمود عن "الموقف السياسي الحاضر" في مساء يوم السبت 22 فبراير 1958م بدار الحزب الجمهوري بمدينة مدني وتحدث فيها بتوسع عن الحدود مع مصر. كتب خوجلي محمد خوجلي قائلاً: "استهل الأستاذ محمود حديثه بأنه كان يود أن يكون حديثه عن الانتخابات ولكن الأزمة التي نشبت بين السودان ومصر في مشكلة الحدود تجعل الحديث عن الانتخابات مختصراً". وأضاف خوجلي بأن الأستاذ محمود بعد أن تحدث حديثاً مختصراً عن الانتخابات تناول مشكلة الحدود، قائلاً: "إن السودانيين ستكون خسارتهم كبيرة جداً لو لم يأخذوا الدرس الكافي من هذه الأزمة التي خلقتها حكومة مصر". ثم تناول الأستاذ خوجلي حديث الأستاذ محمود عن الأزمة المصرية السودانية، وإشاراته لسوء تصرف مصر، وتحليلاته لتصرفات مصر والتي مثلت امتهاناً لكرامة الشعب السوداني. وأضاف الأستاذ خوجلي قائلاً بأن الأستاذ محمود تناول أبعاد الأزمة وأطماع جمال عبدالناصر التوسعية، فتحدث قائلاً: "إننا نجهل البواعث الحقيقية لمثل هذا الحادث الخاسر الذي لن تجني منه مصر شيئاً ولكنا نستطيع أن نخمن فنقول إما أن عبدالناصر غافل جداً وليس له من ينصحه وإما أن الزهو والغرور قد أملى على دكتاتور مصر أن يوسع رقعته وذلك بالزحف على الجنوب وكل ذلك ينهض دليلاً لمسألة أصيلة في سوء الحكم المصري، وما سوء القياس بمسألة جمبيلا إلا دليلاً قاطعاً على وجود الغفلة، وثمة شىء آخر هو أن الحكومة المصرية دائماً تفكر من ناحية واحدة وتتجاهل مشاعر الآخرين، وما الكيفية التي تمت بها طريقة تأميم القنال إلا دليلاً على ذلك ومسألة تجاهل المشاعر تتجسم في تجاهل حكومة مصر للعواطف والمشاعر الإنسانية التي ربطت سكان تلك المنطقة بالسودان حقبة كبيرة من الزمن فكيف يراد لها بين عشية وضحاها أن تنسى كل ذلك". ختم خوجلي قائلاً: "هذا وفي نهاية النقاش اتخذ الحاضرون قراراً بارسال برقية لاتحاد الصحافة يستنكرون فيه تجاهل حكومة مصر لحكومة السودان، ويعتبرون أن المسألة غير منتهية حتى تفعل حكومة مصر ذلك. ويطالبون الذين استرضتهم حكومة مصر أن يرفضوا استرضاءها".

وفي يوم الأحد 14 سبتمبر 1958م نشر الأستاذ محمود في صحيفة أنباء السودان مقالاً بعنوان: "مشكلة مياه النيل". يكشف المقال عن المتابعة الدقيقة للأستاذ محمود لسير المراسلات بين الحكومتين السودانية والمصرية، وحرصه على نقد التعاطي من قبل الدولتين مع ملف المياه ونقده بشكل أشد لمواقف حكومة السودان. كتب الأستاذ محمود في مستهل مقاله قائلاً: "لقد جاء في رد مصر على مذكرتي جمهورية السودان الخاصتين بمشكلة مياه النيل المؤرختين 19 أغسطس و25 أغسطس من هذه السنة ما يأتي: "نود أن نسترعي النظر إلى ما بين هاتين المذكرتين من اختلاف في الاسلوب والاتجاه، إذ ترحب المذكرة الثانية بفتح باب المفاوضات حرصاً على ما بين الشقيقتين من علاقة في حين أن المذكرة الأولى بإعلانها عدم الاعتراف باتفاقية سنة 1929م من جانب واحد لم تهيئ جو الثقة المتبادل الواجب توافره في أية مفاوضات). هذا ومن الواضح بالطبع، (والكلام للأستاذ محمود) أنه ليس هناك تناقض في جوهر الأمر وإنما جاء التناقض في ظاهر الصياغة وذلك للحرص التقليدي الذي يصاحب كل حديث نقوله نحن السودانيين عن مصر (الشقيقة) وإني لأرجو أن يقلع على الأقل المسئولون عن مثل هذا المظهر المهين". وأضاف الأستاذ محمود قائلاً: "هذا وإني لألاحظ بارتياح تام أن حكومة السودان قد ردت على مذكرة مصر التي تشترط الاعتراف باتفاقية سنة 1929م كأساس للدخول في المفاوضات بأن جمهورية السودان تجدد تمسكها بعدم الاعتراف باتفاقية مياه النيل المبرمة بين دولتي الحكم الثنائي سنة 1929م وذكر الرد إلى جانب ذلك رغبة جمهورية السودان في الدخول في مفاوضات لتسوية المشاكل المعلقة بما فيها مياه النيل".

كذلك أولى رجال الحزب الجمهوري برئاسة الأستاذ محمود اهتماماً واسعاً ومستمراً بالتدخل المصري في شؤون السودان، وأثر ذلك التدخل على مشكلة مياه النيل ومسألة الحدود. ففي يوم 18 أكتوبر 1958م كتب الأستاذ عبداللطيف عمر مقالاً بعنوان: "حول الخطوة التالية لعبد الناصر هي السودان"، نُشر بصحيفة أنباء السودان، العدد 164. كتب الأستاذ عبداللطيف عمر وهو يتحدث عن التدخل المصري في الشؤون الداخلية، منبهاً لاطماعه في مياه النيل وأراضي السودان، وربط عبداللطيف بين المياه والحدود، كتب عبداللطيف قائلاً: "فالتدخل المصري مستمر بالإذاعة والصحافة لتأليب الشعوب العربية والشعب السوداني ضد حكوماتهم حتى لكأن هذه الحكومات حكومات أجنبية مفروضة على هذه الشعوب فجعل عبد الناصر ولى أمر وقيماً عليها. ومن الأمثال الواضحة حادث الحدود ومشكلة مياه النيل ففي كليهما وقف عبد الناصر موقف المتجبر، فهو ذو أطماع كبيرة في السودان: في مياهه الوافرة وأراضيه الواسعة".

أقف هنا، ونلتقي في الحلقة الثانية، لاستكمال الاستقراء في أدوات ومنهج الأستاذ محمود في مقاومة اتفاقية مياه النيل. وسأتناول محور الأستاذ محمود والربط الباكر بين اتفاقية مياه النيل والحدود. إلى جانب نماذج مختصرة من نقد الأستاذ محمود للحكومة في إدارتها لملف مياه النيل، ونماذج من نقده للصحفيين في تعاطيهم مع مشكلة مياه النيل.
2
مراجعة لمراجعات سلمان والطاهر حسن التوم
لا يا سلمان!! التأييد لاتفاقية المياه لم يكن بالإجماع المطلق!! (2-3)

عبد الله الفكي البشير: أشرت في الحلقة السابقة، التي نشرت بهذه الصحيفة، إلى ضرورة أن يكون إجراء المراجعات للملفات والأحداث والوقائع والتاريخ... إلخ، خادماً للمستقبل، منفتحاً عليه، داعماً لفرص التغيير، لا خادماً للماضي بإعادة إنتاجه، فتكون بذلك المراجعات استمراراً وتمكيناً لحالة التغييب والتضليل، ومن ثم بتراً للمعارف وتجميداً لحركة التغيير. كما لفت الانتباه إلى ضرورة أن يكون إجراء المراجعات، خاصة مع الخبراء والمتخصصين والأكاديميين، بحكم ثقة الجماهير في علمهم وخبراتهم، بعلم وصدق ومسؤولية وحذر. ونبهت إلى خطورة ما يصاحب إجراء المراجعات في مجال ما، من بتر للمعارف وتجاهل لجهود الآخرين، والتسليم بما هو معلن من التاريخ، سواء كان ذلك بقصد أو بغير قصد، بوعي أو بغير وعي، بسبب نقص في المعلومة أو قصور في البحث، فهو، أي بتر المعارف، بلا شك من مقدمات بتر أراضي الأوطان ومن أسباب تعميق حالة التهميش والتمزق والتشظي. بل يزيد من خطورة الأمر، تأكيد الخبير على قوله بثقة مطلقة، دون أن يعطي اعتباراً لما لم يبلغه خبره، فيحتاط أو يحترز احترازاً يضمن الحد الأدنى من الشروط العلمية. ثم وقفت على الحلقات التلفزيونية التي كان الأستاذ الطاهر التوم صاحب برنامج مراجعات الذي يبث على قناة النيل الأزرق الفضائية، قد استضاف فيها الدكتور سلمان محمد أحمد سلمان، الخبير القانوني والباحث الأكاديمي في قوانين وسياسات المياه، والمستشار الأسبق لقوانين وسياسات المياه في البنك الدولي. جاء الحوار بين الطاهر التوم وضيفه سلمان في أربع حلقات، تحت مظلة مراجعات حول أسرار وخفايا اتفاقية المياه السودانية المصرية. تحدث سلمان من خلال محاور عديدة، وتناول اتفاقية مياه النيل التي وقعت بين السودان ومصر عام 1959م، كيف تمت؟...إلخ. وتناول سلمان موقف القوى السياسية والنخب من الاتفاقية؟ وقال سلمان بيقين تام وبثقة مطلقة، وأكد جازماً بأن كل القوى السياسية كانت مؤيدة لاتفاقية مياه النيل بالإجماع المطلق. وأكد سلمان بما لا يدع مجالاً للشك أو الاحتراز أن كل النخب والأفراد من المثقفين في السودان كانوا كذلك مؤيدين للإتفاقية تأييداً مطلقاً، عدا ميرغني حمزة الذي أبدى بعض الملاحظات. ثم قلت إن ما جاء به سلمان يحتاج منه لمراجعة وإعادة نظر. فقد كان الأستاذ محمود محمد طه ليس معارضاً ورافضاً للإتفاقية فحسب؛ وإنما كان مقاوماً لها. بدأ الأستاذ محمود مقاومته باكراً وكثف منها منذ فبراير 1958م، فنشر المقالات، وأصدر البيانات وقدم المحاضرات. دفعت في الحلقة الأولى ببعض مما قدمه الأستاذ محمود، موثقاً، في مقاومته للاتفاقية، وفي هذه الحلقة وهي قبل الأخيرة، استكمل ما بدأته.

ففي اطار مقاومته لاتفاقية مياه النيل، نشر الأستاذ محمود في يوم 25 أكتوبر 1958م بصحيفة أنباء السودان، العدد 165، مقالاً طويلاً عن اتفاقية مياه النيل. جاء المقال بعنوان: "الأزمة بين السودان ومصر: إتفاقية مياه النيل سنة 1929م". تناول الأستاذ محمود في مقاله هذا، قصة مياه النيل، فوقف عند اتفاقية عام 1929م وتاريخها وتتبع جلسات مباحثاتها واجتماعات لجانها منذ أن كانت الاتفاقية فكرة أولية عند البريطانيين ونمت في اطار الأهداف الاستعمارية والعلاقات مع مصر. وتحدث في مقاله عن بداية التفكير في اقامة مشروع لزراعة القطن في أرض الجزيرة وتناول تطور الفكرة ووضوحها في الأذهان حتى تقرر ري مساحة مائة ألف فدان وتطورت المساحة إلى ثلاثمائة ألف فدان. تناول الأستاذ محمود في مقاله تعهدات بريطانيا لحكومة مصر بألا تزيد المساحة من مشروع الجزيرة بدون التشاور مع حكومة مصر. ثم وقف على مقتل السردار السير لي أستاك وأثره على التطورات بشأن اتفاقيات مياه النيل، وما تبع ذلك من إنذار بريطانيا لمصر بأنها تخلت عن مبدأ التشاور معها بشأن زيادة المساحة الزراعية، وأن الزيادة في المساحة المزروعة في السودان ستتم دون التشاور مع مصر. رفض رئيس الوزراء سعد زغلول باشا ذلك، الأمر الذي أدى لتدخل الملك فؤاد الأول ومن ثم استقالة رئيس الوزراء. ثم قدم الأستاذ محمود تفصيلاً عن اللجان والتقارير والمراسلات التي تمت بين بريطانيا ومصر خلال الفترة ما بين 22 نوفمبر 1924م و26 يناير 1925م. أشار الأستاذ محمود في مقاله إلى تمسك مصر على الدوام بوجهة نظرها، في المفاوضات والمراسلات بشأن مياه النيل. فقد تمسكت مصر بأن مسألة تطوير الري في السودان يجب بأي حال من الأحوال ألا تكون بصورة تضر بالري في مصر أو تعوق مشاريع التوسع المرتقبة فيها والضرورية لتفي بحاجة السكان المتزايدين بسرعة شديدة.
ظل الأستاذ محمود على الدوام مشغولاً بمسألة مياه النيل، وداعياً لإقامة العلاقات مع مصر على العدل وحسن الجوار والاحترام المتبادل. إن الدارس والباحث يلاحظ أن الأستاذ محمود كثف من نشر مقالاته وإصدار بياناته وإقامة محاضراته العامة، عن مياه النيل في فترة الخمسينيات من القرن الماضي، وهو عقد الحراك بشأن اتفاقية مياه النيل التي وقعت في 8 نوفمبر 1959م. ففي يوم السبت 23/8/1958م نشر الحزب الجمهوري برئاسة الأستاذ محمود بياناً عن دعائم الميثاق القومي. تناول البيان رؤية الحزب للعلاقة مع مصر، ومواقفه من مياه النيل، يقول البيان: "لتحسين العلاقة مع مصر يجب تصفية المسائل المعلقة معها فوراً، مثل مياه النيل ومستعمرات الري المصري في الشجرة والجبل وملكال وذلك بوسائل المفاوضات أو وسائل التحكيم ويجب الا نترك هذه المسائل معلقة هكذا لأي فترة من الزمن بعد اليوم لأنها هي سبب سوء التفاهم المستمر فإذا ما تمت هذه التسوية فأن علاقتنا بمصر ستقوم على العدل وحسن الجوار والاحترام المتبادل".

أتبع الأستاذ محمود اهتمامه الشديد بمياه النيل بنقده للقادة والوزراء ومتخذي القرار. ففي يوم السبت 6/9/1958م نشر الأستاذ محمود بصحيفة أنباء السودان، العدد رقم 157، مقالاً بعنوان: "ماذا فعل الصحفيون بحريتهم؟"، قال فيه: "أبادر فاقرر هنا أن خطاب السيد وزير الداخلية الذى قرأه على الصحفيين في مؤتمره الصحفي فيما يخص مشكلة مياه النيل مع مصر لم يكن خطاباً لبقاً ولا كان موفقاً وليس الكيس من يأبى أن يقدم الوعيد والتهديد بين يدي الرجاء بالتعاون.. ثم أنه ما ينبغي أن يغيب عن بال رجل مسئول أن الشعب بجميع طبقاته بله الصحفيين غيور على حريته حريص على صيانتها.. وما جدوى الاستقلال إذا ما أمست الحريات سليبة؟". ثم أضاف الأستاذ محمود في نقده لوزير الداخلية الذي تحدث في مؤتمر صحفي عن مياه النيل، أضاف الأستاذ محمود قائلاً: "هل قرأتم ما جاء عن المؤتمر الصحفي الذى عقده وزير الداخلية عن مشكلة مياه النيل؟ لقد طلب الوزير من الصحفيين ألا ينشروا عن مشكلة مياه النيل من خبر الا ما يستقى من الحكومة ولا من تعليق الا ما يتوخى فيه توفير الجو الودي الذي يجب أن يسبق المفاوضات ليزيد فرص نجاحها وعند ذلك توجه إليه أحد الصحفيين بسؤال فحواه "هل طلبت مصر من صحافتها مثل هذا الطلب؟" فلم يجد الوزير بداً من أن يجيب "سنتوجه إلى مصر برجاء أن تطلب من صحافتها مثله" والآن فإن لهذا السؤال دلالة كبيرة. فهو يدل على أن بعض صحفيينا لا يعرفون فرقاً بين صحافة مصر وصحافة السودان ولا يقدرون مبلغ التفاوت في الحرية بينهما مع أن كل من يعرف شيئاً ولو يسيرا عن الحياة في مصر يعلم أن صحافة مصر لا تكتب شيئاً الا ما تمليه حكومة مصر إملاء. فإن لم يكن إملاء فهو لا يخرج عن ما اختطته الحكومة في روح سياستها من غير نقد او تساؤل. وهو يدل أيضاً على أن صحفيينا (بعضهم) حين يدافع عن حرية الصحافة لا يعرف حقيقة ما يريد وهو ليس لديه مانع من أن يعيش في حرية صحفية (كالحرية) التي تعيش تحتها الصحافة المصرية هل استعدي الحكومة على حرية بعض الصحف بقولي هذا ؟ كلا ؛ والحق لو إنى كنت مقتنعاً بأن حكومتنا رشيدة ذات فلسفة في الحكم ومذهب في التربية لطلبت إليها أن تجعل للحرية ثمناً هو حسن التصرف فيها أو تحمل مسؤولية سوء التصرف. فالناس أحرار ليفكروا كما يشاءون وان يقولوا كما يفكرون وان يعملوا كما يقولون على شريطة ان يقولوا صواباً وألا يعملوا عملاً يخل بحريات الأخرين". ثم ختم مقاله قائلاً: "فكم من صحفنا تقول الصواب؟ أم كم من صحفنا تعرف الصواب؟ حقاً ماذا فعل الصحفيون بحريتهم؟؟"

الأستاذ محمود والربط الباكر بين مياه النيل والحدود
ربط الأستاذ محمود باكراً بين اتفاقية مياه النيل والحدود. وقد ورد هذا الربط في المحاضرات العامة التي عقدها وفي المقالات التي نشرها. فبالإضافة لما وردت الإشارة إليه آنفاً، فقد قدم الأستاذ محمود محاضرة في مساء يوم 23/7/1958م بمدينة مدني، كانت بعنوان: "الموقف الدولي الراهن"، ونشرت المحاضرة بصحيفة السودان الجديد تحت عنوان: "الحكومة القومية خطرة وستضيع على السودان مياه النيل والحدود"، بتاريخ 7 أغسطس 1958م، تحدث الأستاذ محمود في تلك المحاضرة قائلاً: "الحكومة القومية خطيرة وستضيع على السودان مياه النيل والحدود.. فالحكومة القومية... خطرة لأنها ستأتي بأغلبية الموالين لمصر من الأحزاب وبالتالي تضيع المشاكل المعلقة بيننا ومصر وهي مياه النيل والحدود ولذلك يحبذ أن تكون في هذا الوقت حكومة حازمة من جهة مصر حتى تحل هذه المشاكل".

تناول الأستاذ محمود مسألة الحدود مع مصر ومشكلة مياه النيل، والمشاكل المعلقة مع مصر في مقال نشر يوم 3 مايو 1958م في صحيفة أنباء السودان، العدد 149، بعنوان: "نظرات في السياسة الخارجية والداخلية". تحت محور وسمه بـ "بيننا وبين مصر" كتب الأستاذ محمود قائلاً: "بلغنا أن حكومة السودان قد أستعدت بالوثائق التي تؤيد حقها في نزاع الحدود ولكنها لا تنوي أن تثير المسألة من جانبها وإنما تترك البدء لمصر ولقد تردد هنا أن مصر أيضاً لا تريد أن تبدأ بإثارة المشكلة من جانبها على الأقل في الوقت الحاضر". ثم أضاف الأستاذ محمود رابطاً بين نزاع الحدود ومشكلة مياه النيل فكتب قائلاً: "ولما كانت المسائل المعلقة بيننا وبين مصر لا تقف على مسألة الحدود فقط وإنما تتعداها إلى ما هو أهم منها مثل مشكلة مياه النيل التي لابد من حلها حلاً نهائياً حتى نستطيع ان نمعن في استغلال حصتنا من المياه". ثم أضاف الأستاذ محمود وهو يتحدث عن المسائل المعلقة مع مصر قائلاً: "ومنها مشكلة المستعمرات المصرية داخل بلادنا مثل ملكال وجبل أولياء وشجرة غردون ولعل المصريين لا يريدون إثارة مشكلة في الوقت الحاضر حتى يتمكنوا بمرور الزمن من استمالة سكان تلك المناطق بمختلف صنوف الدعاية والاغراء والرشوة، ذلك بأن الأخبار تردنا من منطقة حلايب بما يدل على أن أموراً من هذا تمارس هناك علانية وجهاراً". ثم نبه الأستاذ محمود حكومة السودان قائلاً: "والحزم يقضي على حكومة السودان بأن تثير هذه المسائل المعلقة منذ اليوم... ليس هذا فحسب بل إن حل هذه المسائل لا يجب أن يتعثر ويتعرض للتسويف كسابق عهده، ذلك بأنه من مصلحة مصر كما هو من مصلحة السودان أن تبنى علائقنا على [أسس] واضحة حتى ولو أقتضى ذلك اللجوء إلى هيئة الأمم لتشكل بيننا لجنة تحكيم يكون حكمها مرضياً من كلينا سلفاً"... إلخ. وكان الأستاذ محمود قد تحدث في بيان للحزب الجمهوري كان "حول السياسة الاقتصادية الرسمية"، صدر في يوم 10 نوفمبر 1955م، ونشر بصحيفة الاستقلال بتاريخ 17/11/1955م، وهو بيان طويل، تناول البيان استغلال مصر والسودان لمياه النيل، وتحدث البيان عن ضرورة أن تولي الحكومة جل اهتمامها بالتوسع الزراعي وإقامة المشاريع الزراعية في مختلف أنحاء السودان. كما تحدث البيان عن "إن مصر استغلت كل ما تملك من أراضي زراعية في حين أن السودان لم يستغل عشر أراضيه الخصبة".
أقف هنا ونلتقي في الحلقة الثالثة والأخيرة، لاستكمال الاستقراء في أدوات ومنهج الأستاذ محمود في مقاومة اتفاقية مياه النيل. وسأتناول في محور: مطالبة الأستاذ محمود بتنوير الرأي العام وتربية الشعب على الديمقراطية. كما سأقدم بعض الإشارات التي تبين مدى انشغال الأستاذ محمود بمياه النيل، وكيف أن اهتمامه بمياه النيل ظل حتى في آخر نص كتبه قبل تنفيذ الإعدام عليه في يوم 18 يناير 1985م. ففي آخر نص خطه يراع الأستاذ محمود أثناء فترة إعتقاله الأخير (9/6/1983م-19/12/1984م)، وأرخ لكتابته النص بتاريخ 30 أكتوبر 1984م، ووسمه بـ (الديباجة)، كانت مياه النيل حاضرة فيه.

- [email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1241

خدمات المحتوى


عبد الله الفكي البشير
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة