المقالات
السياسة
نص فريد لا يتهيب المغامرة .. «ما سر سحر الماء؟» للسوداني أبو بكر الجنيد يونس
نص فريد لا يتهيب المغامرة .. «ما سر سحر الماء؟» للسوداني أبو بكر الجنيد يونس
11-22-2015 10:33 AM


موضوع الماء قديم في الشعر العربي، فقد استخدم القدماء صفاته في أغراضهم الشعرية، فالمطر والبحر والغيث مثلاً للكرم، والدعاء بالسقيا للقبر في الرثاء، ومع الانتقال لحياة الاستقرار في عصور تالية، بدأت تظهر الطبيعة ومفردات الماء فيها والاستمتاع بها في الشعر العربي، قبل أن تتحول في بدايات الفترة الوجدانية إلى موقف نفسي من الطبيعة ومحاولة استغلالها في تصوير الحالة الشعورية للشاعر، ولا نريد أن نذهب مع الشابي إلى أن «شعراء العربية لم يعبروا عن مثل هاته الإحساسات العميقة، لأنهم لم ينظروا إلى الطبيعة نظرة الحي الخاشع إلى الحي الجليل، إنما ينظرون إليها نظرتهم إلى رداء منمق وطراز جميل»…
«ما سر سحر الماء» للشاعر السوداني الشاب أبي بكر الجنيد يونس تجربة مائية/ إبداعية فريدة، فهي لا تختار شطاً ولا تتهيب المغامرة، ولا تلقي بحجر وتتابع اندياحاته في سياحة عاطفية مكرورة تقتات على الموروث ولا تكاد تغادره إلى خصوصية نحسبها شرطاً أساسياً لأي تجربة إبداعية حقيقية..
تقوم القصيدة على سؤال محوري، «ما سر سحر الماء؟»، يكرره الشاعر عدة مرات؛ ما يمكنه من محاورة الماء من عدة زوايا بحسب حال السائل. والسؤال- عادة- يفتح عدداً من النوافذ على حقل التأويل، ليسترسل الشاعر مستخدماً معجماً «مائياً» فريداً يستنطق فيه الماء أحيانا في معانيه المعجمية المباشرة، ويحركه أحيانا لمناطق من الإيحاءات والدلالات المجاورة بمهارة.
قال مسافر في لج يم العشق / افتتاح مراوغ فهو ربما يحيلنا مباشرة إلى أن الشاعر يريد اتخاذ الماء معادلاً موضوعياً لحالة شعورية معينة، فيسافر بنا ارتداداً إلى بدايات الشعر الوجداني، لكنه سرعان ما يفاجئنا بتناول مغاير لا يتوسل فيه الماء إلى غيره، وأبعد من ذلك أن الشاعر لا يكاد يعود إلى الموروث الجمعي المتعلق بالماء لا على مستوى الأسطورة، ولا على مستوى المعاني الدينية المتعلقة بالطهر في الأديان السماوية كافة، ما يجعلنا نقول إن الشاعر عمد إلى تجريد القارئ من مفاتيحه.
وبشكل عام فإن قصائد الجنيد قادرة على أخذ قارئها إلى طرقها غير المعبدة الحافلة بالمفاجآت، وهو ما يتجلى في هذا النص الذي يدخله المتلقي متسلحاً بخبراته في استكناه القصائد التي كتبت عن الماء، أو التي حاول أصحابها قراءة الماء من زوايا شعرية، والتي غالباً ما تبدأ من الطبيعة، وتناول الماء بوصفه أحد مفرداتها، لكن الشاعر يأخذه بعيداً ليخرج من ربقة المكان تماماً محلقاً في عوالم المعاني، بمعنى أنك لا تلمح مكاناً أو متعلقاته، ولا نعني هنا بالمكان مكاناً محدداً كالقرية التي ينتمي لها الشاعر والواقعة على ضفاف النيل الأزرق، ولا أم درمان التي نشأ فيها والحاضنة هي الأخرى النيل، وإنما نعني بالمكان الضفاف، الشواطئ، الرمال، البرك، ونحوها، وهي أكثر المفردات دوراناً في القصائد التي يمكن تسميتها بالمائية، التي – كما قلنا- تبدأ من الطبيعة لتعود إليها، كما نرى في أفقها أيضاً متعلقات الشاطئ من طيور بحرية كالنوارس وغيرها، حتى أن مفردات المكان عندما وردت فقد وردت في غير معانيها فالضفاف هي ضفاف القلب، والطمي هو طمي الأحلام، وطين الوعد، واليم هو يم العشق، والروضة هي روضة الإحساس، ﺑﺴﺎﺗﻴﻦ ﺍﻟﺮﺅﻯ، ونحو ذلك من التراكيب الإضافية التي تولد معاني جديدة، وحتى عندما أتى البحر، من دون صيغ الإضافة فقد ورد هكذا مفرداً غير منتم ،وهناك ملاحظة أخرى يفرضها تتبع معجم القصيدة وهي خلوّه من مفردتين لا يمكن لقصيدة «مائية» من تجاوزهما وهما مفردتا : الملوحة والعذوبة ما يمكن أن يكون إشارة أخرى لما ذهبنا إليه من أن الشاعر عمد إلى عتق قصيدته من المكان، حتى لو كان ذلك إيماءً للبحر والنهر، لكن لا نستطيع تجاوز استخدام الشاعر مفردة «شلهتة» وهي مفردة عامية تشير إلى بلاده بوضوح، وربما عددنا هذا من خيوط ربط النص بمكان.
عوداً إلى النص نلاحظ أن الشاعر عمد إلى استخدام صيغة المبتدأ والخبر في المقطع الأول من القصيدة
ﻓﻮﺿﻰ ﺍﻟﻤﺎﺀ.. ﺃﺟﻤﻞُ .. ﺩفقة .. ﻓﻲ ﺭﻭﺿﺔ ﺍﻹﺣﺴﺎﺱ..
ﻧﺠﻮﻯ ﺍﻟﻤﺎﺀ .. ﻫﻤﺲٌ .. ﺗﺼﻄﻔﻴﻪ ﺍﻟﺮﻭﺡُ ..
ﺩﻓﻖ ﺍﻟﻤﺎﺀ .. ﻋﺎﻃﻔﺔ ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ..
ﻣﻮﺭﺩ ﺍﻟﺸﺠﻦ ﺍﻟﺮﻭﻱ ﻭﺟﺪﻭﻝ ﺍﻟﻔﺮﺡ ﺍﻟﻀﻨﻴﻦ..
وعند انتقاله إلى المقطع الثاني، مجيباً على سؤاله «ما سر سحر الماء» مرة ثانية، انتقل بنا إلى استخدام الجمل الفعلية القصيرة المتتالية:
ﻳﻐﻤﺮ ﺍﻟﻮﺟﺪﺍﻥ ..
ﻳﻬﻄﻞ ﻓﻲ .. ﻓﻴﺎﻓﻲ ﺍﻟﻨﻔﺲ ..
ﻳﺮﻭﻱ ﻳﺎﺑﺲ ﺍﻷﺣﺴﺎﺱ …
ﻳﺴﻜﺐ .. ﻓﻴﻬﻤﺎ .. ﺍلإﺑﺪﺍﻉ
ﻳﺪﻓﻖ ﻓﻲ .. ﺑﺴﺎﺗﻴﻦ ﺍﻟﺮﺅﻯ ﺍﻟﺨﻀﺮﺍﺀ
فكأن الشاعر أراد في بداية قصيدته التأكيد على أفكاره بهذه الجمل الإسمية، ثم انتقل بنا إلى جمل فعلية، يلاحظ فيها كأنه أراد إكمالها ثم تركها للقارئ ليشاركه، قبل أن يعود ليصعّد الجمل، أو قل ليمنحها وجهاً آخر،
ﻳﺪﻓﻖ ﻓﻲ .. ﺑﺴﺎﺗﻴﻦ ﺍﻟﺮﺅﻯ ﺍﻟﺨﻀﺮﺍﺀ ..
ﺳﻠﺴﺎﻻ ..
ﻳﺒﻞ ﺗﺸﻮﻕ ﺍﻟﺼﺤﺮﺍﺀ ﻟﻠﺘﺤﻨﺎﻥ ..
ﺗﻬﻨﺎﻧﺎ ..
ﻛﻐﻴﺚ ﻣﻦ ﺣﻨﻴﻦ
ويمكن القول إن الشاعر مضى في مغامرته هذه لينتقل إلى شكل قد نعده ثالثاً
ﻧﻬﺮ ﺍﻟﺸﻮﻕ: ﻓﺎﺽ ﺻﺒﺎﺑﺔ ..
ﻣﻄﺮ ﺍﻟﺘﺒﺎﺭﻳﺢ: ﺍﺳﺘﺒﺎﺡ ﺑﻴﻮﺕ ﻃﻴﻦ ﺍﻟﺤﻠﻢ ..
ﺃﻫﺮﻕ .. ﻛﺄﺱ ﺃﻣﻨﻴﺘﻴﻦ .. ﻟﻦ ﺗﺘﺤﻘﻘﺎ ..
ﻭﺗﻌﺮ .. ﻣﻦ .. ﺯﻳﻒ ﺍﻟﺴﺮاب ..
ﺍﻟﺒﺤﺮ: ﻗﺮﺡ ﻣﻘﻠﺘﻴﻚ ..
ﻭﺻﺐ ﺳﻮﻁ ﻋﺬﺍﺏ ﻣﺎ ﺗﺮﺟﻮ ﻭﻣﺎ ﺗﺨﺸﻰ
وحتى لا نحمل الأمر ما لا يحتمل نقول إن هذا ما بدا لنا، وحتى إن لم ينتظم هذا التتالي الشكلي كامل مساحة القصيدة، فإنه يصبح سمة غالبة عليها، ويمكن أن نعده ظاهرة شكلية، ولابد
أن ذلك لم يكن أمراً عفوياً محضاً، نعم الفكرة قادرة على اتخاذ شكلها، إلا أن الشعر يبقى عملاً قاصداً وأن شاعراً كـ»الجنيد» قادر على توجيه قصيدته نحو أهدافها بدقة وسط أمواج الحرية التي تفرضها تفلتات لحظة الكتابة.
وإن كان لابد من بحر يشار إليه في هذا النص المائي فهو بحر «الكامل» الذي يرى القرطاجني أنه «بحر الاطراد والجزالة» والاطراد أخو التدفق، وإن كنا ـ مع كثيرين- لا نتفق مع النظرية القائلة بعلاقة الوزن بالغرض والتي ظلت محل جدل منذ القدم فإن هناك إمكانيات يستطيع الشاعر توظيفها لخلق الطقس الموسيقي المناسب لفكرته وهو ما برع الشاعر فيه ليعبر عن حالة شعورية دافقة، وأجدني هنا أميَل إلى أن الشاعر حقق قول من يقولون أن « الإيقاع بمفهومه الفني مبدأ وجداني يقوم في النفس ويصدر عنها»..... نقلاً عن القدس العربي
كاتب سوداني
أسامة سليمان

[email protected]






تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1830

خدمات المحتوى


محمد أحمد
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة