12-15-2010 08:38 PM

تراجيديا الرحيل إلى غابة الأبنوس

بقلم/ بدور عبدالمنعم عبداللطيف
[email protected]


إذا أخذنا كلمة \"الرحيل\" بمعناها العريض فنقول ببساطة إنه الانتقال الجسدي من مكان إلى مكان آخر. ولكن إذا عنّ لنا أن نضع تعريفاً أكثر دقة، فهذا يتطلب منا الغوص أكثر في تفسير ماهية كلمة \"رحيل\" مما يقودنا بالتالي إلى نوع من الرحيل هو في الواقع فراق، حيث أنه يعني الانفصال البدني والروحي والمعنوي. وهذا للأسف ما نعيش فصوله الآن ونحن نشهد والأسى يملأ قلوبنا تلك الجموع من أهلنا أبناء الجنوب يقتلعون أنفسهم قلعاً من بين ظهرانينا .. قلعاً تكاد تنخلع معه قلوبنا وجوانحنا وأرواحنا .. قلعاً تغيب فيه شمس آمالنا للأبد في وطن جميل ينعم فيه الجميع بالوحدة والمساواة والسلام والحرية والرفاهية.
وأنا أتابع مشاهد ترحيل هؤلاء الإخوة من خلال كومة \"الصور\" التي أمامي تطالع عيناي الوجوه الداكنة السمرة ثم ما تلبث أن تتجاوزها لتسقط على تلك الدواخل الجميلة المليئة بكل معاني الخير .. والأمانة .. والشرف.. والقناعة .. والطيبة .. والنقاء .. والكبرياء .. تلك المعاني التي لم تستطع غارات الفقر والفاقة على شراستها أن تهزمها أو أن تنال منها.
توقفت بغتة عندما وجدت نفسي لا شعورياً أعدد مناقب هؤلاء القوم بأسلوب أقرب للرثاء منه للثناء، مع أن هذا لا ينفي حقيقة أن بعضاً من أنواع الرحيل لا يخرج عن كونه صورة مصغرة للموت.
على كلٍ، إن ما قلته في حق هؤلاء الناس يأتي في إطار مقولة \"وبضدها تعرف الأشياء\"، بمعنى أن الكثير من هذه القيـم التـي ما زال يتمتع بها إخواننـا الـجنـوبـيين – الذين عاشوا بيننا- ويعضون عليها بالنواجذ قد أخذت في التراجع عندنا نحن أهل الشمال بشكل ملحوظ، فللفقر الذي جثم على صدور 90% من أبناء الشعب سطوته وقهره .. كما أن للمال وقد أصبح حكراً على أهل الحظوة والسلطة بريقه وإغراءه. وبين البونين تضيع معالم تلك القيم التي أورثنا إياها أجدادنا والتي كانت في يوم من الأيام سمة لإنسان السودان.
أمضي للقول إننا نحن الشماليين – كشعب – نكن حباً لا حدود له لإخواننا الجنوبيين، ونحمل لهم مشاعر صادقة مبرأة من كل غرض، وهم بالمقابل يبادلوننا حباً بحب ووداً بود حتى لأخالنا كالتوأم السيامي فصله لا بد أن يخلف وراءه الجروح والآلام .. ولكن هل مشاعر الحزن دموعاً نسفحها حبراً على ورق ينتهي به المطاف في صناديق القمامة؟

إن الناظر لهذه \"الصور\" لابد أن يقض مضجعه منظر هؤلاء البائسين يفترشون الأرض في العراء، وحولهم تتكدس أكوام من أمتعة متواضعة لولا الحاجة والخوف من المجهول لما تكبدوا عناء حملها معهم.
وتكتمل تراجيدية رحلة اللاعودة بهذا الإحساس القاتل والذي تزداد وطأته خاصة لدى كبار السن منهم وهم يترقبون بلهفة وبلا جدوى قدوم إخوانهم الشماليين لوداعهم الوداع الأخير، فقد شاطروهم السراء والضراء وقاسموهم الملح والملاح.
وفي النهاية لا يملكون إلا أن يبتلعوا غصصهم ويجلسون في هدوء في انتظار الباصات لتقلهم إلى مقرهم النهائي.
وقبل أن يسدل الستار على نهاية تلك المسرحية الحزينة وقبل أن يغادر جمهور الحضور القاعة .. وقفت على المنصة ... وأمام تلك الوجوه الواجمة حاصرني الحزن من كل جانب و بكيت .. بكيت أهلي ودياري .. بكيت تشتتنا وضياع أمرنا .. سالت دموعي أنهاراً حتى غطت كل شبر في بلدي المنكوب.

تعليقات 2 | إهداء 1 | زيارات 950

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#60578 [عبداللطيف]
0.00/5 (0 صوت)

12-18-2010 11:37 AM
ونسأل بعضنا بعضا من ضيع السودان ؟


#60340 [راشد كشكش]
0.00/5 (0 صوت)

12-17-2010 09:19 PM
احييييييييييييييييييييييييييييييييييك ايتها الرائعة


بدور عبدالمنعم عبداللطيف
مساحة اعلانية
تقييم
9.14/10 (61 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة