08-10-2013 03:09 AM

قد يقولُ قائلٌ بعد قراءة هذا المقال , انه لشيء عُجاب , ما انا بصدد هذا و لكنني بصدد لب الموضوع . الابداع جوهر الحياة , كنه التفكير , آلية التدبر , و عمق التخطيط. الحياة ببساطتها تنبع من الإبداع , دين و فهم وسياسة و اقتصاد و أدب و غير ذلك. المبدعون هم قادة المجتمعات , هم عقول ٌ ترمي لأبعد من الواقع , الى حيث الابتكار. و كما جاء في القرآن الكريم : "بديع السماوات و الأرض" أي خالقها على غير مثال سبق. و في حياتنا كبشر المبدع هو المنشئ أو المحدث الذي لم يسبقه أحد. فالإبداع هو ان ترى المألوف بطريقة غير مألوفة , هو الطاقة المدهشة لفهم واقع معاش و انتزاع ومضة من وضعه. و هو أيضاً طاقة عقلية هائلة في حل المشاكل بطرق مدهشة , و هذا لا يتنافى مع الاتيان بجديد و دمجه مع القديم بطرق حديثة.
ما دفعني للخوض في هذا الموضوع , اهمال الناس في مراكزهم المختلفة أسس الابداع و قد تأتي عبر مراحل : جمع المعلومات , توليف المعلومات شعوريا و لا شعوريا ,مرحلة الاشراق و هي خروج شرارة الابداع ثم التحقيق و التنفيذ. فهل يا ترى تحققت عندنا هذه المراحل فيما نزعم من زعم؟ ام اننا نندفع لا شعوريا و نشحن خططنا بما يشبه الحلم؟ كل هذه الأسئلة و غيرها مشروعة للبدء في مشروع الابداع الكبير, لخلق مجتمع مبدع علينا ايجاد القدرات المكونة للتفكير الابداعي, كتحليل الظاهرة النفسية و الاجتماعية للوصول الى عناصرها و عواملها الاساسية.
و من جهة أخرى فقد نوه "فرويد" الى عدد من العمليات النفسية و التي تعتبر منشأ الابداع و منها الصراعات في العقل الباطن , و التفريغ الانفعالي, و التخيل و أحلام اليقظة و لعب الأطفال و اعاقة القمع النفسي و الانسجام بين العقل الباطن و الأنا. أما التحليل النفسي الحديث فيرتكز على ما قبل الشعور في الابداع, و كذلك يلعب الحدس دورا هاما في الابداع و هو حكم عقلي أو استنتاج ليس مبني على التفكير المنطقي و انما على اللاشعور.
الآن برزت كثير من الجماعات و المنظمات و المؤسسات تحمل شعار العمل الابداعي. و نحن من هذا المنطلق و من خلال هذا المقال نهدف للإبداع كفكر و عمل و مبادرة حيوية في مجتمعاتنا التي تعج بالإبداع. نريد أن نخلق قاعدة عمل يجب الوثوق بها أولا ثم العمل بها في كافة المجالات. و بما أن المقالات سوف تكون تباعا ً فسوف اركز على الابداع التربوي ( أي في مجال التربية العملية و التعليم). و بما اننا بصدد هذا الجزء الهام من الحياة بل هو جوهرها و هنا اعني التعليم. دعونا نمحص سوياً بعض عناصر الابداع (الأصالة والطلاقة) , فالأصالة تعني التميز في التفكير و الندرة و القدرة على النفاذ الى ما وراء المباشر و المألوف من الأفكار. أما الطلاقة فتعني القدرة على انتاج افكار عديدة لفظية و أدائية لمشكلة نهايتها حرة و مفتوحة.
اذا اردنا حياة سوية فلنخطط لتعليم سوي , ليس به اغراض شخصية أو فكرية تخص جهة ما , اذا اردنا دولة عادلة عاقلة فلنخص التعليم و الابداع في التعليم بكل اهتمامنا. اجعلوها دعوة صادقة لا تنضوي تحت لواء حزب أو طائفة, بل تنضوي تحت لواء حب الوطن و انا اعني ما أقول. علينا تنظيم افكارنا و لو جمعناها و اتفقنا سوف تكتمل الشخصية التي مُزقت طوال تلك العهود السابقة. دعونا نرضخ لبعضنا البعض فهذه هي بداية الإبداع , دعونا نؤمن بإبداع الآخر, فالابداع في الفكر ليس حكر لأحد دون الآخر , و من هنا تأتي الدعوة للجميع. كلنا يكتب المقالات الطويلة , و كلنا يغني على هواه , و كلنا ينتقد الآخر بشكل أو بطريقة جارحة أحياناً و مسيئة أحايين كثيرة. لا ينقصنا استعراض الكلمات و العبارات , لا ينقصنا استعراض الكتب و الصفحات , لا ينقصنا استطراد الأفكار , و لا ينقصنا إدهاش الآخرين. و لكن بلا جدوى لأنها بلا عمل أو خطط. ما ينقصنا هو تمحيص كلمة "الأصالة" و استخراجها من ثقافتنا السودانية ثم "الطلاقة" و فك رموزها الشكلية و الكتابية و اللفظية ... الخ. و الطلاقة هنا المقصود منها المكون الأصيل في التفكير الابداعي. فالثقافة السودانية ثرية جداً , دعونا نجمع المعلومات و نحللها تحليلاً دقيقاً في مختبراتنا و ليتنافس في ذلك خبراء بلادي من العلماء و ليس الساسة و المروجين. حينها سينقلب وجه الوطن الى رقعة ابداع و نكون بذلك قطعنا مسافات في اول خطوة نحو الابداع العملي , لا يتيسر لنا قطعها لو تفرقنا. و هنا تبدر لي صورة حزينة , هي ان كل طرف يفخر بإبداعه و ثقافته و يغرد بها خارج السرب , فيبدو المشهد كالذي ينهش جسد الوطن الذي تربى فيه و كذلك يفعل الآخرون. ألم أقل في عنوان هذا المقال أن الابداع حاضرٌ غائب. ليس في ذهني ان اجتر عواطفي و المس بها عواطف الآخرين , فقد يكمن فيهم الاستعداد الذهني و ما ينقص هو فضيلة العمل.
دعوني استشهد لكم بمثال بسيط من بين ملايين الأمثلة , السودانيون يبنون حواضر العرب و العجم. في كل انحاء العالم يهرعون من عالم العوز و الحاجة في بلادهم الى عالم يتفتح و ينهض. في أحدى زياراتي لمدينة الدوحة في قطر , قابلت مصادفةً الاستاذ و الفنان المبدع / محمد السني دفع الله الممثل السوداني المعروف. و هو يعمل مدرسا في مدينة الدوحة في أحدى مدارسها الثانوية. فلتسألوني ماذا يفعل في هذه المدرسة و هو الحاصل على درجة الماجستير في المسرح؟ انه يدرس المدرسين كيفية الابداع المسرحي في الاداء التربوي و يدرس الطلاب كذلك. و قد ذكر لي بلسانه ان هذه التجربة لم تعمم في العالم العربي بل و الآسيوي , انها المدرسة الوحيدة التي تعمل بهذا المنهج في اسيا و ربما العالم العربي(على حد قوله). و في هذا المجال لا استطيع ان افصح اكثر من الذين يختصون في مجال التربية فهم كثر. و لكنني اذكر و اشجع و ادفع بما املك من احساس حدسي , لا مجال للعواطف أو الاحاسيس المجردة و لكن للعلم و العاطفة و الابداع لكي نبني حواضر تمليها علينا ثقافتنا السودانية و الاسلامية , فالمجال واسع و هنالك حيز للاختلاف لكن من أجل التنوع و الاعتراف به. فالانفراد بخصلة وحيدة من ثقافتنا دون الخصال الأخرى , كالذي يحلق حاجب عينه و يسعى بين الناس فيلتهمونه بأعينهم , و يرمونه بانتقاداتهم التي تتلذذ بنقد العيب. لا مناص من الأصالة فهي التفرد الثقافي في ثوب علمي و عملي حديث و هذا ملخص الأصالة.
لو ان حكامنا اتوا الى سدة الحكم بلا شعارات براقة , يستبطنها خوف , ترتفع معها الأصوات لبناء الثقة بمنطق الفرض و القوة , لأتتنا سبل الديمقراطية التي نزعم طوعا ً, و لهرع الناس الى اعمالهم دون ثرثرة في بلاط الدولة و خارجها , فكل صور الشارع الدينية و العقدية و السياسية و التربوية و الثقافية و السلوكية وليدة التربية. اذا غابت فكرة الاستخفاف بالآخر , نكون قد بنينا ثقة عالية بالآخر , و نكون قد اسسنا لحضارة تسد عين الجهل. كل ذلك الذي نبحث عنه موجود فينا , حاضر في أريافنا , في أمصارنا , ثم في مدننا. و لكنه مثل الحاضر الغائب. فلا تزهدوا في حق دنيوي , و لا تتعصبوا للرأي الخلافي الفرعي. كل حزب له مبادئ قد نتفق في هذه التسمية , و لكن ما معنى المبادئ؟ هل المبادئ تتجزأ؟ هل الأخلاق خصلة يظهرها كل صاحب مبدأ , ثم يتعصب كل واحد لتعريف يخصه و يركل ما لا يصادف هوىً في نفسه؟ كلا , فلنتفق على تعريف الأخلاق و لنقارب بين بعضنا ما استطعنا , كل ما يدرسه ابناؤنا الطلاب و ما درسناه في السابق في كتب الأدب و المطالعة و غيرها , يطرق باب الأدب و الأخلاق التي نعيشها. و لكن أن يأتي السياسي المتنكر لأصله فيركلها بحجة الاختلاف الأيديولوجي فهذا ظلم عظيم. ان محو ثقافة معينة بدعوى الكراهية و احلال غيرها , يؤسس لهدم الابداع التربوي الذي ننشد , لنختلف في السياسة ما شاء الله لنا أن نختلف , و لكن عند أبواب التربية و الابداع فليأتي من خَبَر هذه الدروب بلا خلفية سياسية مقيتة و ان كان له ميل قلبي لجهة ما , فليحاسب نفسه في بناء الصورة التربوية التي ننشد قبل ان يحاسبه عليها الشعب العظيم.
لست بأعلم الناس حين أكتب سطورا ً في هذا المجال , و لا بأعرفهم و لكن من خلال تجربتي المتواضعة في هذا المجال (و أعني مجال التربية و التعليم) داخل السودان و خارجه. قد بدت لي الأمور واضحة و جلية و لا تحتاج منا إلا لاجتهاد و صبر من أجل ان نطبق ما تعلمنا و ما تمليه علينا ضمائرنا , فلندع التنافس الشخصي جانبا , و السباق من أجل كسب شخصي لكي ننهض. ان العلماء و الخبراء الذين يهرعون وراء شعارات الدولة التي تريد ان تبني ذاتها لأجل ذاتها لا من أجل الشعب لهم الخاسرون , ان لم يسدوا لها النصح أو يتركوا العمل السياسي على حساب أعمالهم الحقيقية. فكثير جدا من علماء التربية و علماء آخرون قد اقحموا انوفهم اقحاما من أجل خطب ود السياسة انتصارا لميولهم الايديولوجية. و ان هم افلحوا لما سعوا لها سعياً , و لكانت المناصب قد اتتهم في أماكنهم و هم راغبون عنها. كل منصب قد يتقلده عالم أو خبير و هو غير كفء له انما هو سرقة بعينها , سرقة لجهد الآخرين , و استخفاف بالشعوب و ثقافاتها. و الناس في بلدي يمارسون السياسة ممارسة خاطئة و خاصة الخبراء منهم و العلماء. لذا أُهملت كل المجالات الحيوية و نشطت السياسة و أصبح المكون الوحيد الحيوي في بلادي. فليس هنالك نشاط ضخم للطباعة و التوثيق و التعليم. فأين خبراء التربية من التعليم؟ و أين خبراء التاريخ من حضاراتنا التي غطى عليها غبار الإهمال ؟ و ليس هنالك من ينفض الغبار عنها.
أيها العلماء أعملوا قليلا من أجل النهضة في التعليم , و خاصة الابداع التربوي , فلتنظروا من بعد ذلك للنتائج, فستجدون الحياة المرجوة. لكي تسعد أجيالنا القادمة , و التي لها حق علينا. علينا نصحها ليس من باب السياسة , فلنربيها تربويا و ابداعيا ثم ننظر النتائج أخبنا أم نجحنا ؟! فلنعيد للتعليم هيبته و صورته التي نريد.

وللحديث بقية ...
أحمد يوسف حمد النيل - الرياض
[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 602

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




أحمد يوسف حمد النيل
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة