08-23-2013 04:43 AM

حين يُقال بالذهاب إلى ( بيت العرس ) لا شيء يعلو الأفراح. أيوي أيوي أيويا.


بيت العرس



بحر الشوق
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. تحية كاملة الدسم..
أرفقوا بالواقف أمامكم فهو لا يعرف كيف يُمسك الورق. أشفقوا على من لا يتقن فن العوم. نزل إلى الساحل. طن في رأسه أن يعبر هؤلاء الحضور. هم البحر الواسع يُؤتى إليه. الرائع بأمواجه المتجانسة. المعمور برجاله ونسائه. عليه مراكب ملفوفة الثياب، وأخرى صغيرة مجدولة الشعر، تلوذ بالساحل تارة أو تلحق بالأمهات. تنساب هنا وهناك، حرة طليقة كالفراشات، ولكن ليس إلى عميق. قوارب العرض الكبيرة مثلما الرجال، منفوخة الجلاليب، مشدودة الحبال، معصوبة العمائم، تحيط بها الأمواج العاتية لكنها تعرف الدرب أعالي البحار.
على خط الأفق سفن كبيرة مواخر، تنفث الدخان، تشق قنوات ري طويلة، على السطح الأجاج ليس بعيداً عن مزارع الأسماك الضخمة التي تأتي أكلها لحماً طرياً وحلية تلبسونها. وطيور النورس بيضاء صغيرة، تحلّق، ترسم دوائر على مرسم السماء. وطير آخر مرتحل، عبر البحر. وجهته الأهل يحمل الأشواق إليهم. ومهاجر. زمن الخريف. تحت المطر. حاملاً رسالة من حبيب بعيد إلى التي بأرض الوطن. تطرز منديلاً من حرير. وثمة صياد يرمي شبكته يدندن هو الآخر:
لي وجداً لي جسمي ناحل بحر الشوق ماليه ساحل
بيني وبين النوم مراحل وين للطيف أنا ألقى حيله
خلفية اللوحة صحاب. الطيور العالقة كأنوار منسية وضح النهار، مثلما لمبات القاعة هذه. الواقف أمامكم قرر عبور بحر الشوق العميق بالمحبة. الذي أمواجه الحضور، وأشرعته الثياب والعمائم. الذي بلا ساحل. أرفقوا بصاحبكم. أدعوا له بالسلامة.

الدرج
لا أدري كيف أبدأ وقد انتهيت.. انتهيت إلى هنا.. إلى هضبة الستين.. ارتقيت إلى هذه المحطة الأخيرة من العمر ابتغي قطف الثمار. لكني ـ زمن الخريف ـ نسيت كل شيء. تخليت عن المعلقات. يأخذني التعب ووجع الساقين. ثمة صعوبة ومشقة رغم أن دربي الآن صار إلى نزول. إلى منحدر كمن يهبط الدرج. أخاف أن تزل بي القدم.
اللافت في رحلة الذهاب أن المرء يستميت يتعجل الصعود بعزم أكيد. ما الحياة إلا الأعالي. على عتبات الأربعين يلتقط الصاعد الأنفاس. يرفع نفسه خطوة خطوة غايته الثمار. الآن يلهث وقد كاد يمسك. يرتجف.
وحين الإياب يستبطئ النزول من كان بالأمس صاعداً. تحته قعر بئر السلم. يشد نفسه ( بفرامل اليد ) كي لا يقع. يتمسك بالسطح. يستميت. شحيح لا يفرط في الرصيد. يجمع أكياس الطريق يجدها تفيد. لكنه، وقت الغروب، هيهات، يتدحرج رغم أنفه، مثقوب الجيوب.
وجدتني التمس الطريق في هذه المدينة التي طال غيابي عنها، وزاد حنيني أضعافاً إليها. هي الأخرى بتراكم السنوات ترهلت. شغلها شاغل. يداها على الخاصرة متكئة على الجدار، تشكو الغضروف والرطوبة ونفايات الطريق. صار لها أبناء وحفدة. سرت بينهم تائهاً بلا ترجمان. غريب الوجه، واليد، واللسان. أسأل تارة وأخرى كل من ألقى يوصلني إلى من يهمه الأمر. أسوق إليه هذه الحكاية التي يطول شرحها.

إلى من يهمه الأمر
السادة الحضور هؤلاء، أمامي غياب، كما لو وقّعوا بالدخول أو بصموا ثم تسللوا خارجين. تركت النساء حقائبها أنهن قريب. والرجال عمائمهم على المكتب خمس دقائق يرجعون. أراهم جميعاً يضمهم هذا المكان، وهم شتى بالشواغل. متباعدون تلمهم المقاصد والأفق البعيد. مرتخون على المقاعد تشدهم المتاعب. آمالهم عريضة ووقتهم ضيق... هم قريب مني جداً. مرمى حجر. ولم الحجر؟ لا تراشق بعد اليوم. لقد اتفقنا على وقف العدائيات. قاموسنا الجديد: على مرمى زهرة. أبصرهم رأي العين. أمد يدي ألامس أكفهم بالمصافحة، وقليل منهم أذكر آخذهم بالأحضان. أطبطب على الظهر أنفض الغبار عن الذكريات القديمة.
واقع الأمر هؤلاء الرهط عندي، بعيد رغم مسافة الخطوات. خطوات بمقياس رسم مصغر تمثل عقوداً من الزمان مفتولة. أهلي هؤلاء بعيد جداً، نجوم السماء تبصرها ولكن لا سبيل.

بطاقة دعوة
قبل الدخول إلى هنا أُعطيت هذه البطاقة. وجدتها دعوة للمشاركة في هذا العرس. طُلب إليّ أن أقرأها على مسامعكم كون الدعوة عامة. وهاأنذا أفعل. المفرح أنها تنتهي بشكراً ، فأبقوا على مقاعدكم. يبدو أن من أعطانيها معجب بالفنان زيدان إبراهيم ، إذ جاء في صدرها:
يا سلام على ريدي الخلاك بقيت (CD )
لو الأماني بايدي كنت أهديك عيوني، واسقيك من وريدي.
يا لها من خارطة طريق صعبة التنفيذ!


قرص التعريف
غم عليَّ، فلم أعد أدري ما كان يعنيه العندليب الأسمر، حين أعرب عن محبته للحبيب. عن تلك المحبة التي برت المعشوق قلماً، أو بالأحرى جعلته (CD ) بالغ النحافة. سؤالي للعشاق: أي الأسياد كان يعني نجمهم المحبوب؟ هل كان يعني هذا القرص الصغير الذي استعبدنا؟ أم كان يعني الآخر الكبير ملك القلوب؟ لست أدري. لكن من المؤكد أن لا فكاك من كلا القرصين.
أخذت هذا ال ( CD ) من على الطاولة. تأملت المالك الجديد فوجدته بعد التعريب قرصاً دائري الشكل؛ وهو أشبه ما يكون بقراصة ( DVD ) نحشو بها البطون، فتمنحنا الطاقة أو تكسبنا الخمول، وذلك بحسب الملاح. هذا السميك بين اصبعيّ فعال مثلها. إنه روح الحياة المعاصرة. ولكن بطبيعة الحال لابد له من تهيئة. أنظر كيف يحاكون الإنسان: أليس نقول: فلان غني عن التعريف؟ أليس هذا الفلان يتنحنح عندما يتأهب للكلام؟
عن هذه التقنية أنشدوا:
ترى القرص الضئيل فتزدريه وفي قيقاته أسد هصور
ويعجبك الكرتون فتبتليه فيخلف ظنك الكرتون الكبير
القرص الضئيل هنا كثير عزة. مثل بين يدي الخليفة عبد الملك بن مروان هزيلاً شفه الوجد. أما الماثل أمامكم فلا يمكنه التعريف بنفسه ، كونه قد نسي (CD) التعريف في البيت. لكنه بإيجاز :
ـ من شمال السودان.
ـ العمر: متروك لكم تقديره بالتسنين. المعطيات تقول بأن الراوي عاش خارج هذه البلاد بأكثر مما عاش داخلها، وهو حين يتأمل أمر الدخول بعد الخروج يجده صعباً. كان متقدماً بسبع وعشرين نقطة. الآن نهاية شوطه الثاني. اهتزت حياته ثلاثاً وثلاثين مرة. ( حين لا تحقق في عامك شيئاً يُحسب عليك نقطة ). غاية ما يطمح إليه محدثكم معادلة النتيجة ، آملاً في زمن إضافي بين أهله، ثم إلى ركلات إشفاقٍ وتأميلٍ.
هذا يكفي. سأحتفظ بكروتي لنفسي شأن حريف.

شوقي إليكم كل المواسم
هل أنتم ( مهيئون ) لتناول فنجان من القهوة مع البنية؟ أعني هل أنتم فعلاً بلا مشاغل؟ هيا نخط على التراب أحلامنا في ظل الضحى ذاك.
أمرنا بسيط. الآن طفل صغير يقص الشريط الفاصل بيننا:
ـ اسمك؟
ـ عمار.
ـ في أي مدرسة؟
ـ مدرسة السودان للأساس.
ـ أنت من يقص الشريط هذه الليلة. حافظ جدول الضرب يا شاطر؟
ـ نعم.
ـ ثلاثة ضرب واحد كم؟
ـ ثلاثة.
ـ ممتاز. تفضل بقص الشريط.
سيداتي سادتي.. بلا حدود.. شوقي إليكم كل المواسم.



الوصول
أكرر الاعتذار لعشاق النجم المحبوب، ثم أقول: تأخرت عليكم جداً يا صحاب، وقد قالوا رتقاً للأمر: أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي. كنت أحسبها سنتين أو ثلاثاً فإذا هي ما تبقى من العمر. ظننتها وعكة طارئة فإذا الفشل والغسيل. أليس كلنا يغسل ويكوي بصورة أو بأخرى؟ عاينتها سحابة صيف عارضة فإذا الصفحات مترعة. مركبي ثمانون وتسعمائة وألف، ومرساكم اثنا عشر وألفان. حان الوصول للتزويد منكم بالوقود. بقراصة (DVD). بالكسرة. بالتسالي والقنقليس. بعواطف الشطة الحارة. بالعزم الأكيد. ثم الإبحار عنكم من جديد. الآن على الساحل بينكم:
ـ كيف الحال والأحوال؟ كيف أمسيتم؟ بالله كيف البلد؟
ـ على الله. عينك سرك.
ـ ونعم بالله. ما قلت لي: الجماعة كيف؟
. زمن يا كبتن. تفرقوا.
ـ وناس غبريال ؟
ـ رحلوا.
بين الإيجاب والقبول عرسنا الليلة. الأمور تجري على قدم وكراع. الصيوان يُقام. براميل الماء تُملأ. الثلج. الحطب. اللحمة. البطاطس. زيدان. الكوافير. الدقيق يا علي. بالله لا تنسى تكلّم ناس الفاضل. الشطة يا بنت. الملايات. أيوي أيويا. تلك أم العروس فاضية ومشغولة ونحن مثلها : شُغلنا بالأمور الفاضية!

أسماء
انتظرت الحظ يأتي كمن يلتمس الحياة تصفو. كمن يرجو السلام ترفرف أعلامه. قضيت عمري كله ارتقب. لم يأت الحبيب المنتظر راجلاً، راكباً أو منبثقاً من جوف الموبايل. قلت أذهب إليه أطرق بابه: أطمئن عليه، ثم أسأله لماذا لا يزور؟ لم لا يغشاني في المنام أسوة بغيري؟ لا فرق بيني والآخرين. ثم إن حبي له قديم. ما اختلفنا: كلنا في الهوى سواء. كلنا نركب المواصلات. مقاسنا خمسة أقدام وست بوصات. سواسية كأسنان الحمار. كيف دخل علينا هذا على ظهره شاعرهم:
سواء كأسنان الحمار فلا ترى لذي شيبةٍ على ناشئٍ فضلاَ
وغبار الآخر:
شبابهم وشيبهم سواءٌ فهم في اللون أسنانُ الحمارِ
المهم. سرت إلى الحبيب مركوبي ليس على دواب. أردد مشفقاً:( لعل المانع خير. الغائب حجته معه. يا رب سلّم ). على الطريق سألت الناس عنه. تباينت اجاباتهم. اختلفوا أين يكون: في المسالمة. الدروشاب. أم بدة. المايقوما. زقلوني من حارة لأخرى. تعبت. ذهبت باحثاً هنا وهناك. داخل هذه البلاد وخارجها. لكني ـ وقد طال السفر ـ لم أعثر علي أي أثر له. المفاجأة التي ما كانت ببالي أبداً، أن الحبيب المنتظر، لا باب له في بلدي. ولما الحال هذه صفقت بيدي في مقهى زمان. نحنحت. أطلقت النداء : يا أسماء عيل صبري، فما كلمتني صاحبة الحظ.

الحُلة الجديدة
ليس المنتهى إلى الحِلة الجديدة أو غيرها من البلدات. كلها منازل لها في القلوب منازل. وليس على طريقة زيدان المغني في تلك الليلة الليلاء. مساري آخر. عُنيت بمظهري. لبست حُلة خصيصاً لهذا اللقاء. الحُلة ـ التي ترون ـ تم تفصيلها من أجل خطف أضواء أخافها وأسعى إليها. مثل مشتاق يتمتم: أغداً ألقاك؟ يا خوف فؤادي من غدٍ . مكرهاً فعلت ما فعلت. آخر العلاج الكي لحالة حب بلا شفاء، تفضي إلى المبارك شيخ الظهر ينظر فيها: الأشعة قفاها جنيت، وجهها دستر. آخر المسوح قطران تحت ثياب السهرة؛ أجربه وقد استحكم الجرب.

القمر يلف ويدور
ـ أتدرون لماذا القمر يلف ويدور؟ لا بفعل الجاذبية، ولا مثل الفراش مختل الجناح حول نار الهوى، ولا هو تابع للأرض يدور. منا تعلم اللف والدوران. قال شويعر بالحاصل:
ليس حياتنا أبداً، أمسك لي وأقطع لك.
لكنا حول الأمور، نلف وندور.
بلا حسم ولا عزم.
وأضرب لكم مثلاً
إذا أردت المسئول يلف ويدور أسأله عن الغلاء.
وإذا هو سألنا عن الإنتاج..
إجابتنا: ( لا تُنطق ولا تُكتب ).
إجابتنا ....
الكواكب نحن قدوتها:
الارض. عطارد. الزهرة...
علمناها كيف تلف.
كيف تدور.
لماذا لا نجرب ( أمسك لي وأقطع لك )
بها غنى المغني زمن الصبا :
( أنت تمسك لي وأنا أقطع لك ).
تلك طريقة ناجعة نمسك بها اللحم
نقطعه يوم العيد فرحانين .
لكن حذار:
قد يجرح القاطع ماسكَ اللحم
كلاهما شارد الغنم.
شارد الفكر
.....
ـ أحيّْ.. جرحتني يا ظالم!
ـ كان مصيرك تنجرح بالسلاح المرة بيهو جرحتني .

إفادة القمر
صحيح أنني منكم تعلمت اللف والدوران. لكني لا أسرق ولا أنهب ولا أقتل. أعطي ولا آخذ. بصراحة: أنا عاشق ولهان وباب الحبيب مغلق. لذلك أتسلق الجدران. أطلع الكثبان. أرتقي الشجر. الجبال. مساري بين خيام السماء المضروبة. درب التبانة طريقي جيئة وذهاباً. تدمي النجوم قدمي. يدمي الحبيب قلبي. أبحث بمصباحي عن الغائب المحبوب. في ظلام دنياكم سرق قلبي. وحين ألقاه سأكف عن اللف والدوران.
بدور
الخرطوم القديمة ترهلت. هؤلاء الحاضرات بناتها. ثلاث جميلات كل واحدة تقول:
ـ قم يا قمر الزمان. أنا أقعد محلك على عرش الجمال.
واحتار القمر لأي من الثلاث...
الناعمات القاتلات المحييا ت المبديات من الدلال غرائبا
احتار لأي منهن يهدي فؤاده المستهام: الكبرى عسجد الرمال. الوسطى عطرها جنينة السيد علي. الصغرى لعوب، لا لهذه ولا لتلك. واثقة تسلب العاشقين قلوبهم تجري بها، وهم خلفها كالصبيان نشيدهم:
ـ أنا في هواك سلمت قلبي.
احتار العاشق الولهان لأي الحسان قيامه والقعود. ابتكر من الحيل الكثير: مرات يسترق النظر وقت الغروب، فوق الجدار. تغار الشمس منه تعاقبنا جميعاً ولا ذنب لنا. ترمينا بالهجير والعقوبات الاقتصادية. حصتنا منها جوع وزمهرير زمن الشتاء. ما ذنبنا نحن يا أختنا الكبيرة؟ لماذا الغيرة؟
الولد الولهان نهاره يسترق النظر، لا نراه. طويل ليله. قمر 14 لا ينام. يكتسي ثوب السهرة المخرم بالنجوم، والموشى بآيات الجمال. يتدثر بالسحاب زمن الخريف. مثلما عمر بن ربيعة بين الخيام. نظنه من البنات فننظم الشعر فيه: أحبك يا قمر، وهو من الرجال. غُم علينا فلم نعد ندري الفرق بين الوسامة والجمال. ليس ندرك تمام الشهر من نقصانه. وحين نفيق من تتالي ضربات الزمان، نصوم الشهر الكريم. نقلع عن التدخين والمال الحرام. بعد العيد، موسم الزيجات، ننتظر القمر نسأله الجواب:
ـ أي الثلاث تريد؟
لكنه يلف ويدور، لا يجيب.
ـ أي الثلاث تريد؟
مثلنا يلف ويدور، والمأذون على أحر من جمر الحريق، تنتظره زيجة أخرى على نفس الطريق. سكت العاشق الولهان. لم يقل بحري. أم درمان. ولا الخرطوم جوابه. غُم عليه هو الآخر. أكمل الثلاثين حباً. ثم دنا. تورد خده، فسحب سحابة غطى بها صفحة وجهه. قال بصوت خفيض خجول :
ـ بدور.
أراد المأذون يستوثق:
ـ يا ابني لا تطمع. أي الثلاث تريد؟
ـ بدور.
ـ لابد من تحديد: ثلاثة ضرب واحد كم؟
ـ واحد!
هنا كان البدر قد هبط تماماً. قعد جنب المأذون يتجشأ شعره بالمشروبات الغازية، يلمع بقطرات الندى. من فرط حسنه جعل المأذون يكتب خارج الصفحة. هذه أول مرة في حياتنا يهبط فيها قمر الدجى. غم على الموثق المسكين. سقط قلمه. سمعنا حشرجة صوته يسأل من هبط:
ـ ثيب أم بكر؟
ـ يا مولانا هذا العريس.
ـ هذه العروس.
ـ هذا العريس. هذه العروس. هذه هذا. هذه هذا.
وفي هذه ( الهذيهذاء ) لم يعد ممكناً معرفة النوع ذكر أم أنثى. وتفاقم الأمر أكثر بوصول بص سيرةٍ جديد أفرغ حمولته من الأفراح والزغاريد. أكثره نساء عجائز أردن التشويش لا أكثر ولا أقل، إذ لا موضوع لهن. اتجهن صوب المأذون مباشرة يرششن عليه العطور، يقطعن الطريق بالغزل المسلح والبخور. غناؤهن المتصل:
ـ لو مكذبنا، وما مصدقنا، أسأل العنبة الرامية فوق بيتنا.
خاينة يا دنيا.. غدارة يا دنيا!
جعلن يبكين ويندبن حظوظهن، فزجرهن أحد الرجال كمن يرش الناموس:
ـ يا حريم يا عجائز: أم جركم ما بتاكل خريفين.
ـ تأكلك الأرضة يا مطموس!

الخرطوم جُنت
قالت نسوة المدينة:
ـ الخرطوم جُنت.
لحقني السوط. جريرتي أنني لم أمسك لساني. قلت في فاتحة اللقاء أنها ترهلت. صار لها أبناء وحفدة. نقلت الواشيات كلامي بحذافيره وأضفن إليه من عندهن الشمار. أوصتهن الخرطوم أن أمسك لساني وألزم حدي. أن أكون محترماً مثل الرجال. وبما أن عيني عليها، أرسلت لها مبعوثي الخاص حاملاً رسالة شفهية غنى بها:
ـ معقول أنا أقول فيك كلام.
كانت تتدرب على رقصة العروس حين وصول رسولي إليها. قعد عندها يدندن بالعلاقات الثنائية بيننا، والمسائل ذات الاهتمام المشترك. وما زال بها حتى رضيتْ تمام الرضا. لكن الغيرة أخذتني لما أطال عندها المقام. استدعيته على وجه السرعة للتشاور وكنوع من الاحتجاج. عاتبته على تأخيره بعد إكمال المهمة. قال كان يلتقط الصور. قلت أرنيها... فإذا الخرطوم كاملة الأناقة. تكحلت، تصنفرت وتكبرتت. صارت جميلة جذابة مثل محطة الوقود. لو أوقدتَ ثقاباً لشب الحريق. الدفاع المدني نبه المواطنين بمنع التدخين ليلة العرس حفاظاً على أرواحهم وممتلكاتهم. الحمد لله حظوظي في التأهل ما زالت قائمة. راجعت خططي. دخلت معسكراً مقفولاَ خارج البلد. حذفت الثوب الكلاسيكي الأبيض والذي له قجيجة، بعدما نمى إلى علمي أن العاصمة ترفضه. كسوة العجائز الثوب ذاك. الخرطوم ما زالت صغيرةً.
قالت نسوة المدينة:
ـ الخرطوم جُنت.
................
................
( شوقي إليك كل المواسم) يصدر في الخرطوم قريباً
[email protected]

تعليقات 3 | إهداء 1 | زيارات 1430

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#750612 [sahar]
0.00/5 (0 صوت)

08-23-2013 05:00 PM
مـــــــــــــــبـــــــــــــــــــــدع


#750487 [أبو المهدي]
0.00/5 (0 صوت)

08-23-2013 12:10 PM
منتهى الرقي ... حلقت بنا في عوالم جميلة... موفق دائما...
أنشر مثل هذه الكتابات فهي ما نفتقده..


#750474 [متابع]
0.00/5 (0 صوت)

08-23-2013 11:51 AM
رائع.. رائع... رائع رائع.. رائع... رائع


يوسف العطا
مساحة اعلانية
تقييم
1.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة