المقالات
السياسة
«المحنة» الأخيرة للإخوان المسلمين
«المحنة» الأخيرة للإخوان المسلمين
08-26-2013 03:02 PM

تعَوَّد الإخوان المسلمون على العيش دوماً فى الذكريات المرة لتاريخهم الطويل، منذ عام 1928، وأدمنوا، على ما يبدو، إعادة واستعادة اللحظات الأكثر خطئاً وقسوة فى هذا التاريخ. وساد بين الإخوان بأجيالهم المختلفة المتتابعة مصطلح «المحنة» الذى يرون أنها التجارب واللحظات الأكثر تأزماً فى تاريخهم والتى كانت أولاها، حسب رؤيتهم، هى اغتيال مؤسس الجماعة حسن البنا، عام 1949، وثانيتها هى إعدام بعض قياداتهم، واعتقال آلاف منهم، عام 1954، فى صدامهم مع نظام الرئيس جمال عبدالناصر، الجديد حينذاك، وثالثتها هى اعتقال مئات وإعدام بعض القيادات، وعلى رأسهم سيد قطب، عامى 1965 و1966 بعد تشكيلهم تنظيماً سرياً، تطبيقاً لأفكاره الواردة فى كتبه، وأبرزها «معالم فى الطريق».

وعندما يتحدث الإخوان فيما بينهم عن كل «محنة» من الثلاث فهم فيها دوماً فى موضع «الضحية» التى تتكالب عليها النظم الحاكمة المستبدة والخارجة عن صحيح الإسلام، لتحظر نشاطها، وتعتقل وتعذب قياداتها وأبناءها وتعدم رموزها، بينما الجماعة لم تفعل شيئاً قط، خلال هذه المحن، يخرج عن صحيح الحق أو القانون. هكذا يتناقل الإخوان عبر أجيالهم كتابة وشفاهة تصوير «المحن» الثلاث، ويستخدمون روايتها، لحفز أعضاء الجماعة، وتأهيلهم دوماً، وفى أى لحظة، للصدام مع أى نظام سياسى، فإذا هزموا كان تبرير «المحنة» هو الجاهز دوماً، لإقناعهم بأنهم «الضحية»، وأنهم قادرون على الاستمرار، والخروج منها كما حدث من قبل فى المرات الثلاث.

وهكذا بدت رواية الإخوان لمحنهم الثلاث أحادية من وجهة نظر قيادة الجماعة، ولا تحتمل الخلاف معها من أى خصم سياسى أو حتى مؤرخ محايد، فالحقيقة واحدة، وهى أن الجماعة كانت فيها جميعاً «المجنى عليها والضحية» التى لاشك فى براءتها. وحتى الوقائع التى بدت ثابتة، قبل وأثناء تلك المحن الثلاث، من أعمال عنف وقتل ومحاولات للقيام بها من جانب قيادات وأعضاء الجماعة، مثل قتل النقراشى، فى المحنة الأولى، وما سبقه وتلاه من اغتيالات وتفجيرات أو محاولة اغتيال عبدالناصر، الثابتة بالأدلة والاعترافات فى المحنة الثانية، أو التنظيم، مؤكد التشكيل، وأسلحته وخططه لقلب نظام الحكم، فى المحنة الثالثة، فهى كلها فى رواية الجماعة مجرد «مؤامرات» و«افتراءات» نسجها وروجها خصومهم من السياسيين والأنظمة الطاغية. واستقر بذلك الوعى الجمعى التنظيمى للجماعة على أن تاريخها، منذ المحنة الأولى فى النصف الثانى من أربعينيات القرن الماضى، هو تاريخ صعود كبير نتيجة جهد أبنائها يستمر لفترة طويلة، يتلوه سقوط مفاجئ يستغرق سنوات أقل، بسبب ما يفرضه عليها أعداؤها من «محن»، ثم تعود الجماعة إلى صعودها، المتتابع، أيضاً بفضل جهود أبنائها.

هذه الرواية المحبوكة، المصنوعة، لتاريخ الجماعة هى التى تسيطر اليوم على عقول قياداتها وعدد غير قليل من أعضائها فى مواجهة ما فعلوه بالبلاد وما ترتب عليه من وقائع وتطورات تبدو بالنسبة لهم «المحنة» الرابعة فى هذا التاريخ. و«المحنة» هذه المرة نموذجية بالنسبة للجماعة من جميع جوانبها، فهم اليوم يستعيدون ذكريات «محنتى» 1954 و1965 فى مواجهة نظام الرئيس عبدالناصر الذى يلخصونه فى أنه نظام «العسكر»، وها هم اليوم، حسب روايتهم، يواجهون من جديد جيلًا جديداً من «العسكر». و«المحنة» الحالية فى رؤية الجماعة أريقت فيها دماء أكثر من «المحن» السابقة، وقبض على قيادات أهمها المرشد ونائباه أكثر بكثير ممن قبض عليهم فى المرات السابقة، وأتت بعد تولى رئيسهم الدكتور محمد مرسى منصبه عبر صندوق الانتخاب الحر، فهى بالتالى «محنة» نموذجية تعكس كل معانى الظلم والتربص والقمع التى ترى الجماعة أنها تتعرض لها دوماً من الأنظمة الباغية الطاغية.

ويبقى الأهم، بعد كل هذا التوصيف للوضع الحالى الذى تمر به الجماعة من جانب قياداتها، وهو الشعور الزائف بأن «المحنة» الحالية، إذا تجاوزنا وقبلنا وصفها بذلك، حسب الجماعة، هى مجرد تكرار مكبر للمرات السابقة، وأنه سيتلوها تكرار الحلقة التالية فى الدائرة التقليدية لتاريخ الجماعة وهى الصعود الكبير الذى يستمر لفترة طويلة، بعد قيامها بامتصاص الضربات الموجعة التى تلقتها أثناء هذه «المحنة»، فالقيادة الأكثر تشدداً فى تاريخ الجماعة تعتقد، وتشيع هذا الاعتقاد فى صفوفها، بأن قسوة المواجهة فى المرة الحالية لا تمنع من اعتبارها مجرد تكرار للمرات السابقة: الجماعة القابضة على الحق والإسلام فى جانب ونظام الحكم الطاغى الباغى الخارج عن صحيح الإسلام على الجانب الآخر.

والحقيقة أن وصف الوضع الحالى من جانب قيادة الجماعة، انطلاقاً من الاستغراق فى تاريخها الطويل و«محنها» السابقة يعكس غياباً عميقاً عن الواقع المعاش، وانحيازاً نفسياً لقراءته بصورة بعيدة عن حقيقته، فالجماعة اليوم وبعد عام من حكمها وعامين ونصف العام من ثورة يناير، لم تعد بالنسبة لعموم المصريين حلماً لم يروه متحققاً فى تشريعات وقرارات وسياسات كما ظلت لثمانية عقود متواصلة، بل أضحت واقعاً عملياً جربوا تخبطه وهيمنته وفشله فى النهاية، بما حولها بالنسبة لغالبيته التى خرجت، يومى 30 يونيو و3 يوليو، إلى كابوس لم يعد ممكناً لهم الاستمرار فى التعايش معه. وكان معنى ذلك الرئيسى، والذى غاب عن قيادة الجماعة أو حاولت نفيه بآلية نفسية مضطربة، أن الجماعة باتت للمرة الأولى فى تاريخها الطويل فى مواجهة قطاعات وفئات اجتماعية واسعة من المصريين ومعها الغالبية الساحقة من القوى السياسية بما فيها محسوبون، دون أدنى شك، على التيار الإسلامى. وعندما أعلن الفريق أول عبدالفتاح السيسى، يوم 3 يوليو، خريطة الطريق وعزل الرئيس السابق، كانت خلفية المشهد تعكس تحالفاً اجتماعياً وسياسياً ومؤسسياً ودينياً يعكس الغالبية الكبيرة فى المجتمع المصرى، وهو ما بدا مختلفاً تماماً عن جميع «المحن» السابقة، فهذه المرة كان الشارع بقواه الاجتماعية والسياسية هو الذى شكل ودفع النظام السياسى الجديد إلى المواجهة مع الإخوان، بعد أن بدأوها هم، على خلاف كل المرات السابقة، التى كانت المواجهة تبدأ مع النظام القائم، والذى يسعى بعدها لحشد القوى الاجتماعية والسياسية لمساندته ضد الإخوان.

وأيضاً لم تدرك قيادة الجماعة أن تحالفاتها العلنية الخطيرة مع بعض قوى الإسلام التكفيرية والجهادية العنيفة على منصات «رابعة العدوية والنهضة وسيناء»، بما أودت إليه من إشاعة الترويع وبعده دماء بريئة غزيرة من أبنائها وأبناء هذه القوى ومعهم أبناء الشعب المصرى ورجال الشرطة والجيش، قد أطاحت وإلى الأبد لدى عموم المصريين بكل ما سعت طوال تاريخها لترسيخه داخلياً وخارجياً من أنها جماعة سلمية كانت دوماً «ضحية» لعدوان الآخرين. تحولت الجماعة بأفعال وسياسات قيادتها الخرقاء لدى غالبية المصريين ومعظم الرأى العام الخارجى إلى جانية وساعية للسلطة والهيمنة والتمكين، ومستعدة للتحالف مع أى طرف فى العالم، لتحقيق ما تريد.

من هنا فإن شكوكاً حقيقية تحيط بإمكانية تكرار الدائرة التقليدية فى تاريخ الجماعة من صعود وهبوط، بعد هذه المرة الأخيرة التى نعيشها حتى اللحظة. والأرجح أن هذه ستكون آخر «المحن»، حسب تعبير الجماعة، وأنها لكى تواصل وجودها السياسى والاجتماعى فى البلاد بعدها ستحتاج إلى ما يشبه «الثورة» داخل صفوفها، لاقتلاع كل التصورات المشوهة والشخصيات المتشددة والأوهام التاريخية التى تهيمن على قيادتها الحالية، وتعيد بناء نفسها فى صورة حديثة يختفى فيها اسم ومضمون الجماعة التقليدية، ذات الأعوام الخمسة والثمانين، ليظهر حزب سياسى حديث يمارس النشاط السياسى وجمعية أو جمعيات أهلية تمارس الأدوار الدعوية والخيرية والصحية فى ظل القانون. أما غير هذا، فإن الجماعة تغامر بالفعل، هذه المرة، بألا تكون فقط هذه هى «المحنة» الأخيرة، بل أيضاً أن تختفى هى وكل تجلياتها السياسية والدعوية من الفضاء الاجتماعى المصرى.

ضياء رشوان
[email protected]
المصري اليوم

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1075

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#752790 [shah]
0.00/5 (0 صوت)

08-26-2013 03:56 PM
الجماعة هى وحش خرافى بسبعة رؤوس ... أطيح بأربعة منها وبقيت ثلاثة.


ضياء رشوان
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة