09-01-2013 08:22 PM


الناس دأبهم ضرب أكباد الإبل لزيارة المحبين كل عام. هذا الشأن تليد. الطارف في حاضرٍ أكبادَنا تضرب المركباتُ والطائراتُ للوصول إلى هؤلاء السادة، ولعمري هذا تقليد حسن. وكم أنا سعيد سعيد، أن وجدتني هنا بين هؤلاء المحبين والمحبوبين في حولية ثقافية آخر العام. في غدٍ يتفرق هذا الجمع المهيب الملتئم، المطرز بالرجال، المزركش بالنساء، والمنقوش بالحناء. يتفرق الحضور تشغلهم الشواغل، وتأخذهم الشعاب. القنوات التي جاءت بهم إلى هذا الملتقى من كل فج عميق، ومن كل فضاء رحيب، تنثرهم ثانية إلى حقول الدنيا. حبوب لقاح تحملها الرياح إلى الأطباق اللاقطة على أسطح المنازل. وليس من بأس فمهما باعدت المسافة، واتسعت الشقة، سيأتينا الخراج بعد كل غيث. سيعود الأحبة ولو بعد حين إلى هذه الديار.
في الغداة سيعود هذا المكان المأهول إلى سابق عهده. يستعيد هدوءه: في ساحته بقايا الطعام المأكول، العصير المشروب، والأطباق الورقية. ليس فيه إلا كانس يكنس، وماسح يمسح، وجامع للكراسي. وثمة قطط كسولة تمشي هنا وهناك مرفوعة أذنابها كسيارات كهربائية صغيرة. خلف هؤلاء الماسحين والكانسين محاسبون يحسبون كما حمام يلتقط حباً. لا يغادرون كبيرة ولا صغيرة. يحسبون. يدققون ويطقطقون على آلاتهم. كم مال ذهب وكم بقي؟ الحساب ولد في الصندوق بعد كل ولادة. وخلف هؤلاء الجماعة مهندسون بمساطرهم، ومبرمجون بعدتهم، وفنيون بمعاولهم، يعدون العدة لحولية عام قادم. عام يهل عليكم وعلينا بالخير واليمن والبركات. أنتم فيه على أمانيكم.
ذا يذكرني بمقطع في موسم هجرتنا إلى الشمال، حين سلط السائقون أضواء سياراتهم على بقعة منسية قبيل جبال كرري. نزل المسافرون على أرض فلاة. سمروا وغنوا وطربوا ورقصوا. انسل إليهم الأعراب من الشعاب. عمر المكان باللعب والأمنيات: في صحة السودان. في صحة السودان. بعد نصف قرن على تلك الواقعة البعيدة المضيئة مثل نجمة مذنبة، نعيد سيرتنا الأولى. الأضواء كلها مسلطة على هذه البقعة. بل على هذا البلد أجمعين. لكنها الليلة أشد تركيزاً ووهجاً حتى امحت النجوم في انشغال الناس عنها بفوانيس الأرض. نحتفي تحت هذه القبة من الفوانيس وعناقيد النور. معنا نساء حقيقيات من جملة أهل السودان. إلى هذه الأضواء الباهرة جاء الناس من العتمة. طاروا إلى هنا مثل فراشات طوافهن حول مصباح. قبيل جاء من بحري. وقبيل جاء من أم درمان. جاءوا على الحمير والجمال والمركبات. انسلوا من الشعاب. في قديم كانوا يسبحون النهر إن سمعوا الزغاريد بالضفة الغربية. ومن الغربية إلى الشرقية يعبرون حين المسرات. الآن ضربت أكبادهم الطائرات والمركبات. انسلوا من ثقوب الفضائيات في الآفاق. هلوا علينا مثل هلال العيد باسم سعيد. جميعنا نعيد من جديد ذاك الفرح. نرفع عقيرتنا: في صحة السودان. في صحة السودان. نعيد طلاء البناء والواجهات. نزين جذوع الشجر على طول نهر النيل. نجعل سيقانها في جوارب بيضاء. تقف مصفوفة مثل طالبات المدارس يرفعن النشيد وقت الصباح:
ـ وطن الجدود نفديك بالأرواح نجود. وطني.
نرفع الأذرع:
ـ أبشروا بالخير . أبشروا بالخير
تزخرفت الأرض بعد الغيث. وعليها نغني من جديد حين بلغ الحب منتهاه. يكتسح الحدود ومتاريس السياسة. الهوى لا يعترف بالحدود. يكذب صناديق الاقتراع. نشيدنا الليلة وقد فاض النيل على الضفاف أن:
ـ لو كنت شمالي يهواك.. يهواك جنوبي.
لو كنت جنوبي يهواك شمالي.
دائرة الهوى تنداح وقد رمى فيها عبد الكريم الكابلي رميته وأبو داود زهرته. فعلها الماء يتمدد ويتموج. دوائر تتسع. تسع الجميع.
كأنما عرس حقيقي الليلة لكنه منزوع الدسم. دسم العرس ، يا سادتي، الزغاريد. العديل الزين وهلال على الجبين. كأنما بنت مجذوب بيننا من جديد. أنيقة مثل قطيفة سوداء. ملساء بعد صنفرة وسمكرة. بعد بهية. حسنة بنت محمود تطلب الحد الأدنى من الحقوق نيابة عن جمهور النساء. تمسح دمع العين يسيل. تقول يكفيها أن نكون نعم الأب نرعى أولادها. حواء بنت العريبي بيننا. أهلها حاضرون. ذاك الجمع يلتئم من جديد. الإمام بيننا الليلة والأعيان. محجوب، ود الريس، عبد الحفيظ وبقية العقد الفريد. ومحيميد مالي لا أراه حاضراً الليلة هذا المحفل؟ قرأت كتابه أنه عاد إلى أهله يا سادتي وبه شوق عظيم، وأنهم فرحوا به وضجوا حوله. وأول من رآه طار إلى أمه وأبيه وأختيه. وجدهم يشربون الشاي ذاك الصباح. حين هتف بقدوم محيميد، ظفر بالبشارة، عشرة قروش كاملة.
ما لي أجده غائباً حاضراً. ما انفك يمارس تلك اللعبة الذكية وذلك الفن الرفيع. يقص ويلصق سنوات عمره كأنما يوم الوقفة قبل العيد. يستقبل الفرح ويجيره للآخرين. يرتق نسيج ثوب يتمزق. يستعيد حلماً يتبدد. يمسح دمعة الخدين وغيرها يسيل. فنه تركيب عطور (FLEUR D'AMOUR ET SOIR DE PARIS ). زهرة الحب ومساء باريس ثمرة الترجمة. جنباً إلى جنب مع بنت السودان متلفعة فركة وقرمصيص. في ثوب العرس هي الليلة. في عباءة وخمار. في محاسن ليس تنفد. بعضها قد تناهى وبعضها يتجدد. رائحة السيد علي أشمها والمايقوما. هل يعود البصر فنرى بالعين تلك الأيام؟ ليت لنا ذاك القميص. ذاك القرمصيص نشمه فتعود العروس. هل مصباح علا الدين في الدهليز؟ هل من عود ثانٍ إلى أم درمان؟ إلى القمر في فناء الدار؟ آه آه، أنا. يا ناس البلد.. أنا مقتول كمداً بحبكم هذه الليلة. قبل يومي هذا عجبت كيف يموت من لا يعشق. ما لهذه الجسور تقوم ولا تواصل؟ هذه الأيدي تمتد ولا تصافح. هذه الأذرع أقواس شوق مفتوحة.. أهلاً أهلاً.. لي زمان ما شفتكم.
نحن العطارين سنصلح ما أفسدته السياسة. أفتح يا وطني أبوابك نحن الأطفال. أفتح أبوابك نحن الكتاب. تم تم تم. هذا يذكرني ذلك العرس وقد تمّ. ولكن الليلة أين العريس الذي نفض الكيس. أين ذهب الزين؟
***
ـ حد نازل؟
ـ نعم.
من قال ( نعم )؟ لست أدري. لكن رجلاً بينا اختفى. في غمرة انشغالنا لم نره لحظة نزل. كم من راكب ركب، وكم من هابط هبط على هذه الطريق التي هي معبدة وغير معبدة. صاحبنا حملوه على الأكتاف إلى أم درمان في 19 فبراير عام 2009م. مقعده ظل شاغراً. ما نفتأ نتحدث عنه في المجالس ونعجب أننا لم نتوجه حتى قضى. وأعجب أكثر لهذه المدينة نحن بها. بالأمس كانت مشغولة عنه بنفسها والليلة مشغولة به تراوده. قلبها معلق به. لكن فات الأوان. باعدت الشقة. حين كان حاضراً في ساحتها أهملته. وحين غاب عن وجهها انطلقت تبحث عنه ها هنا وها هنا كما أم ضاع طفلها في الزحام. رغم طول الطريق ووعثاء السفر لم نحمله. وحين قضى توجناه على الأكتاف. أمرُنا ألا نرفع أحداً حتى يموت. لعل هذا من التواضع. تواضع قعد بنا عن غيرنا.
عاد الطيب صالح إلى أهله بعد غياب طويل. آب الفرع إلى أصله يا سادتي، ولكن ليس كما كل مرة. طويناه في علم البلاد التي أحب. صلينا عليه في جماعة. ( دفناه عند المغيب كأننا نغرس نخلة، أو نستودع باطن الأرض سراً عزيزاً سوف تتمخض عنه في المستقبل بشكل من الأشكال.. ) جعلناه في قلوبنا. كان يحكي قصته حين الوصول على لسان غيره: ( عدت يا سادتي إلى أهلي بعد غيبة طويلة، سبعة أعوام على وجه التحديد، كنت خلالها أتعلم في أوربا. تعلمت الكثير، وغاب عني الكثير، لكن تلك قصة أخرى. المهم أنني عدت وبي شوق عظيم إلى أهلي... )
يومذاك استقبلته الجموع وبكته الدموع. نقرأ وصيته على لسان محيميد. هل كان يعني نفسه أم يعني ( محيميد )؟ أقسم أحدهما أو كلاهما بحبه: ( أقسمت ما أعطي جثماني أرض غير أرض ود حامد ). لكن انتزعته المدينة التي تستأثر بكل شيء. في الحياة التمسنا لها العذر فما نقول حين الوصية في الرواية وبعد الممات؟
كأنما الراكب معنا أحس بالنهاية وشيكة. يُقال بالحجب تنكشف فيبصر الذاهبون ما لا يراه القاعدون. أولئك وحدهم من يرى الآتي: ذاك المسافر أبصر في لحظة تجلي. قال: ( على أية حال، هنا ولأ هناك، العمر ما فضل فيه غير أيام ). نضب الوقود.
بين فينة وأخرى كانت تتوقف بنا الحافلة على قارعة الطريق. الكمساري يأمل أن يملأ المقعد الشاغر براكب جديد، والركّاب في ضجر شديد يستعجلونه الوصول. ثمة صرخة وليد. ضحك وبكاء. ثم البكاء والضحك من جديد. هكذا الحل والترحال على درب الحياة. ركب الطيب صالح باكراً في زمن كان فيه الناس مقيمين لا يبرحون الضفاف إلا فرادى. كان ذلك عام ( 1952م ). ثم لم يكن من الميسور رجوعه أبداً. حاول العودة لكن بحر الشوق مديد ما له ساحل. حين جاء في زيارة خاطفة عرضوا عليه منصب مدير الإذاعة. أو وكيل وزارة الثقافة أو كيل من هذا القبيل. لكنه اعتذر. طوى حقائبه. سافر من جديد. أقام في قطر. ثم ركب بعيره يطوي به المسافة إلى البلد البعيد.
أقام في البلد البعيد. مطعمه ومشربه في لندن. تزوج وأنجب وكتب. لم يذب كما السكر في الماء. مربطه هنا ومرعاه هناك. جسده خلف الضباب وهواه لنا. لم يكن يحتاج إلى تأشيرة عودة إلى أهله. هم بين جوانحه وأقرب من حبل وريد. لم يغادرهم أبداً. بل أصطحبهم معه بين الضلوع. وقتما يذكرهم يأخذ قلمه ويرسم وجوهم بالكلمات. يستحضرهم: ود الريس. محجوب. مريود. مريوم. الزين. وبقية العقد الفريد. حين يفيض به الحنين يؤوب إليهم بجناحي الشوق كالطير المهاجر. يقضي كل عام شهراً أو شهرين في تلك القرية الصغيرة عند منحنى النيل. مسقط رأسه بلدة منسية اسمها كرمكول التي طار في الآفاق ذكرها أنه منها. وهي منه. أصله وفصله قبيلة الركابية. منعه الحياء والتواضع أن يقول: ( ما بقومي شرفت بل شرفوا بي ).
لم يكن مثل صاحبه ذاك. كانا على طرفي نقيض. الطيب المتنبئ مادح يبتغي الرفعة والمجد، والطيب الآخر قاعد على التراب. يرفض الجلوس على العنقريب. لعله رأى جماعته يجلسون على تلك الأسرة الواطئة، التي لا تعلو أرجلها عن الأرض أكثر من شبرين. ( ارتفاع السرير عن الأرض ، في زعم جده، من الغرور، وقصره من التواضع ).
مئات من أعوام تفصل بين الرجلين. أحب صاحبنا من كرمكول صاحبنا في بلاط الخليفة رغم بعد المسافة. لو تأخر المتنبئ حتى زماننا لخص السوداني الطيب ببيت شعره الشهير:
ويرى التواضع أن يُرى متعظماً
ويرى التعظم أن يُرى متواضعاً
دخلت تلك الغرفة من بعده مثل ملايين غيري. غرفته تلك التي شهدت وقائع حياته الباكرة. أمامها نخلة ممشوقة القد تلعب بغدائرها الريح. لها باب خشبي و( كالون ) خشبي. حين دلفت ألفيت ذاك السرير الذين كان بالأمس مجلساً لبنت مجذوب وجماعتها. وآخر خفيف يسهل حمله إلى ظل النخلة أو الجدار. وحين فتحت النافذة حمل النسيم رائحة البرسيم. وفي الداخل كان الغبار قد كسا كل شيء بطبقة رقيقة تلصق بالأصابع. تحسست. ثمة لوح خشبي عليه بعض الآيات. لعله من خلوة حاج سعد. وإلى السقف حبال مديدة متدلية تحمل بعض آنية الخشب والقرع. والسقف ذاته منسوج بالجريد يعتمد على جذوع النخيل. وفي الفراغ بين الحوائط والسقف مكامن جعلت فيها العصافير أعشاشها وفي مزاريب المطر. وحين صعدت على السطح وجدته مبسوطاً ينحدر قليلاً. وأبصرت عليه تمراً منثوراً وآخر في عرجونه.
عدت مكاني الأول باحثاً. وجدت الصفحات تنتهي عند الثمانين. عمر صاحبنا الذي وقف شامخاً بين ( 21 أكتوبر 1929هـ ـ 18 /2/2009م ). في هذه الصفحات السنوات نبشت في صور حياته. ملأت كفي. تنقصني صورة واحدة لأتم بنياني. ورقي مرصوص على وسادة الأصابع. أسحب من ورق اللعب. أمني نفسي أني سأجد صورة لآخر ملوك مروي. صورة لمن ادخره الزمان حتى بعد الميلاد. ملك حياته ورق وصور. ورق حمل إبداعه. صور له في مخيلتنا، وأبرزها تواضعه الشديد. لعل سر ذلك التواضع أن ملكنا خبر هذه الدنيا فأبى التتويج. وجدها نكتة كبيرة مثل هذه الغرفة التي نحن بها. أليس هو من كتب أن ( هذه الغرفة عبارة عن نكتة كبيرة. كالحياة. تحسب فيها سراً وليس فيها شيء. لا شيء إطلاقاً ).
برغم ذلك يبقى السر طي الكتمان في كتابات مروي القديمة. لا تنفك طلاسمه. سر أتوهمه هنا أو هناك في أوراق وجهها نهار وقفاها ليل. أحاول فك الرموز. أبحث مثل غيري عن التبر المطمور في ود حامد القديمة. أنبش عن الكرت الرابح لأكمل به بنيان ورقي المرصوص. أبايع آخر ملوك الزمان. أبايع من ليس مثل غيره، برفضه التتويج. خزائنه مكنوزة بالمحبة. عامرة بالطيبات. مجلسه التراب وجماعته على العنقريب. كتابته مَرَوية. وتاجه العمامة.

( عاد إلى أهله ياسادتي ) ليوسف العطا صدر في الخرطوم 2013م

[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1984

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#757884 [هاجر حمد]
0.00/5 (0 صوت)

09-02-2013 08:26 PM
لم نر زوجة العبقري الطيب صالح ولا بناته وذلك شيئ عجيب ! عندنا العالمية زينب البدوي التي يمكن ان تتبرع لنا ببرنامج حواري مثل الذي فعلته مع جون قرنق رحمه الله لشدما احن الي رؤية زيتب التي قال فيها ابوها شعرا مفكوكا حين راها يوم تخرجها تمد يدها في ثقة وتتناول شهادتها وتشكر من ناولها في ثقة حينها قال " سبحان الله ! أهذه طفلة الامس التي كانت ! " خلونا نشوفم وهم لحمنا ودمنا !


ردود على هاجر حمد
United States [يوسف العطا] 09-03-2013 05:36 PM
رحم الله شيخنا الطيب.. يتخفى خلف محيميد قائلاً: الوليدات أخدتهم الحكومة والبنيات أخدوهم الأفندية.حنينك أشبه بمن قال: أحن إليك يا عبري حنيناً ماج في صدري
وأذكر عهدك البسام عهد الظل في عمري


يوسف العطا
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة