09-06-2013 09:22 AM


بسم الله الرحمن الرحيم
زيارة رئاسية!!
تتميز التجربة السياسية السودانية بأنها تجربة حلزونية او دائرية، تدور حول نفس المحور ونفس الأشخاص ونفس الأفكار، ومن النادر ان تحدث فيها مفاجآت او تتخطي مرحلة التقليد والعادية! حتي بعد حدوث الإنقلابات التي تعقبها الثورات، تجدها لا تبارح عاداتها وعاديتها او ممارساتها المعهودة. وبمعني آخر أنها لم تستطع مراكمة إرث سياسي يقيلها من عثراتها ويصحح أخطاءها، او يمنحها النضوج الذي يمكنها من تجاوز عقباتها وحلحلة عقد واقعها, ويخلصها من الطلاسم الأيديولوجية والإندفعات العسكرية الهمجية المتهورة و(القباب) والأئمة الذين يعتقدون أن لهم حق إلهي في إمتلاك الفعل السياسي والساحة السياسية، الي أن يرث الله الأرض ومن عليها، ليتفرغوا بعد ذلك للإستمتاع بالجنان والحور العين، وأيضا بصفتهم سادتها!
وقد يعود السبب في ذلك، الي أن التجربة السياسية السودانية، تجربة مغلقة أو أحتكرت بواسطة البيوتات والنخب المتحلقة حولها، او النخب المسافرة بخيالها الي السماء او خارج حدود الوطن، لنقل حلول مستوردة وجاهزة، لحل مشاكل محلية تخص مجتمع مغاير! بمعني أنها عجزت عن إفراز سياسيين، ينطلقون من واقعهم الفعلي، لبناء تصورات تستوعب هذا الواقع وتهضمه، ومن ثم تكريس مواهبهم وقدراتهم الإبداعية، لإستيلاد حلول لإشكالات ذلك الواقع. او إنجاز مطابقة بين المشاكل والحلول علي مستوي التنظير والتطبيق، وذلك مع مسايرة ومواءمة المستجدات من حولهم، وإستخلاص روحها المنجزة وقيمها الدافعة الي الأمام!
وهي بالطبع تجربة غير مفتوحة للعامة، او قائمة علي فصل العامة عن الإشتراك او الإهتمام بالعملية السياسية والإمتناع عن ممارستها وإدارتها! وذلك لإعتقاد مسبق بعدم أهليتها وإحتمال وصمها بالدونية السياسية لو جاز التعبير! او خوفا من توسيع دائرة المنافسة، وتقليل فرص الفوز والمكاسب والمغانم المتوقع الحصول عليها من خلال فعل النخب السياسية الإحتكاري! او علي الأقل فقدان المكانة الإجتماعية الرفيعة التي منحها السياسيون لأنفسهم، بوصفهم اصحاب مواهب قيادية وسياسية ومنطق إقناع ولسان فصيح، يميزهم عن بقية قطاعات الشعب. ولم يكتفوا بذلك وإنما حاولوا تسويغ تلك الروح الإستعلائية الماكرة، التي تستبطن التفوق المبرر للإستغلال، ونيل كل المطالب العاجلة لتعويض ذلك النبوغ المبكر! وبما أنها روح مراوغة ونزاعة لإنتهاز الفرص، فقد تم تكريسها من خلال التجمعات السياسية والمعاهد التعليمية والمواد الثقافية والوسائط الإعلامية! والمقصود السيطرة علي تلك المنافذ عبر ممارسات إقصائية(للعامة!) او تعابير تضفي إمتياز خاص، وفي نفس الوقت تخلق نوع من العزلة المحببة الجالبة لمزيد من الإحترام والإمتيازات، من شاكلة أشطر وأفضل وأخطر(سياسي/عالم/مفكر/شاعر/كاتب/عمل/حزب/مدينة...الخ)، وبتعبير آخر أن ما يمتلكونه من مواهب او قدرات او إهتمامات في احد تلك المجالات، هو المثال الذي يجب أن يحتذي به، او يفرض علي المجتمع كأنموذج او محط أنظار، لمن أراد الإحترام والنعيم والتميز، وإذا لم تسعفه مقدرته او ظرفه علي بلوغ ذاك المثال، فعليه الرضا بما قسمة الله له، كعضو دائم في نادي العامة الرحب! وبصورة أوضح لا نجد إحتفاء بالعمال والمزارعين والحرفيين وغيرهم، يكافئ جهدهم وإبداعهم في مجالاتهم المتابينة، وما يقدمونه لمنظومة الإنتاج المتكاملة، التي لا تتوكأ علي عامل واحد مهما كانت أهمية ذاك العامل! اي أن هنالك نوع من الإضطهاد المهني في منظومة العمل الوطنية الذي تتعرض له هذه المهن وتاليا إجتماعياً لممتهينها! ولم تجد اي نوع من الإحتفاء الصادق بها، إلا من خلال بعض الشعارات السياسية والأشعار، التي لم يصدقها الواقع المعاش. لتقبع ذليلة في مؤخرة الجدارة الإجتماعية والمهنية والتطلعية! ويتم اللجوء إليها فقط، بعد سد المنافذ الي المثال المذكور آنفاً!
وظهر ذلك التقصير او العجز النخبوي السياسي بوضوح، إما في عدم السعي بجد في تبسيط الشأن السياسي، وتوصيله الي أكبر قدر من الجماهير، ليصبح جزء من تفاصيل حياتها بصورة واعية وباحثة عن التطور بإستمرار. او بسبب تكاسلها وإنتظارها اللحظة المناسبة للقيام باللأزم، وهي لحظة لم ولن تأتي أبداً! والإعتقاد السائد لدي النخبة المسيطرة علي العملية السياسية، أن العامة أنفسهم لا يمتلكون القابلية للإنخراط في المسألة السياسية! وإذا صدق ذلك الإعتقاد، فالعيب في ذاك النفور عن السياسة من قبل العامة، يطال تلك النخبة المتحكمة بشكل أساس، لعجزها عن تخليص العامة من ذلك الإحساس المتوهم او الحقيقي! لأن في ذلك ليس قيام بالواجب والمسؤولية فقط! وإنما لتخفيف العبء عن النخبة السياسية نفسها، وفي نفس الوقت منحها قاعدة عريضة متفاعلة مع منتوجها وطرحها، سواء بالتبني لذلك الطرح او برده لمزيد من التجويد والتحسين. وتاليا يكسب النخبة المزيد من التحدي، المفجر بدوره لكل طاقات المواهب والقدرات المتوفرة لديهم، وكل ذلك لمصلحة التجربة السياسية السودانية بالتأكيد. والخلاصة أنه تم حدوث هاوية او فراغ عريض بين الناشطين السياسيين او المهتمين بالشأن العام عموما، وبين القطاع العريض من الجمهور، والمعني الأساس بذاك الهم او مادة ذاك الهم كما يُعلن بكل وضوح وثقة! والذي يعتقد بثقة أيضا، أن الشأن السياسي لا يخصه! وحتي ولو إهتم وقام بدوره كاملا في إنجاز ثورة ضد طغمة مستبدة، او شارك بجد في عملية تغيير مجموعة مسيطرة عليه قهرا وتدليساً، ودفع من أجل ذلك أغلي التضحيات. لن يجد مجموعة حقيقية تصدقه، او تعبر عنه او تدافع عن مصالحه! بمعني آخر تكوَّنَ لدي قطاع عريض من الجمهور، إنطباع او إحساس جارف، إن العملية السياسية يقوم بها البعض، ويستمتع بثمارها ويحوز علي كل إمتيازاتها، ذاك البعض المتخصص فيها او المحترف لها! وتاليا ليس له مصلحة في دفع أثمان وتكاليف لن يجني منها خيرا. وسواء صدق ذلك الإنطباع او لم يصدق، إلا أنه يؤثر تأثيرا مباشرا علي الوضع السياسي الراهن، ويكسبه حالة من العجز والمراوحة في نفس المكان! علي الرغم من أن الحوجة الي التغيير طالت كل تفاصيل حياة ذاك القطاع العريض من الجمهور، والذي في نفس الوقت او للمفارقة، هو الدافع الأكبر لثمن إستمرار كل الطغاة والأنظمة الشمولية، من قوته وعافيته وحريته وبكلمة واحدة حقوقه الأساسية. والمحصلة إن الإشكال الحقيقي لم يصبح في تغيير هذا النظام بالتحديد، كمطلب ملح وعاجل وأساس لإنجاز اي تقدم او معالجة أي إشكالات متوافرة علي الأرض! ولكن أصبح في رد الثقة في العملية السياسية برمتها، أي إقناع القطاع العريض من الجمهور. أن مصلحته ليس في تغيير النظام فقط! ولكن في إمتلاك العملية السياسية، وإجباره للفاعلين السياسيين المنخرطين في الشأن العام، الي التوجه نحو مصلحته، وفرض رقابته ومحاسبته علي كل من يتصدي لقيادة العملية السياسية. أي يتحول الي شريك رسمي ومعترف به في إدارة الشأن السياسي داخل البلاد، وبقول واحد فتح العملية السياسية للمشاركة العامة، وتحريمها علي الإحتكار والصفوية والنخبوية!
علي خلفية العجز التام والشلل العام، الذي يخيم علي الواقع السوداني الراهن، المشار إليه أعلاه. تم الإعلان عن زيارة قام بها رئيس النظام والحكومة الإنقلابية الجنرال عمر البشير، الي السيد الصادق المهدي في داره بحي الملازمين العريق، ورشح عن هذه الزيارة حسب المواقع الإلكترونية والصحف، أخبار تتحدث عن إتفاق الطرفان علي عدد من القضايا تخص الحكم والدستور والسلام والمشاركة. التي يعتقد انها تفتح الطريق أمام إزالة الخلافت بين الفرقاء داخل الوطن، والتوجه نحو آفاق نظام سياسي صالح لإدرة البلاد، والقيام بواجبات الحكومة في حق العباد. وحقيقة هذه الزيارة تطرح تساؤلات أكثر من قدرتها علي تقديم أجوبة مقنعة او معالجات عملية لواقع مأزوم! خاصة وأن الزيارة قصدت دار السيد الأمام، ولم تتوجه تجاه دار الحزب، لتأخذ صفتها السياسية الكاملة وشرعية ما يتفق عليه، بعد أن تسبقها ترتيبات تذلل كل العقبات والصعاب، ويتواضع فيها الطرفان علي قبول الحلول الوسط. وذلك إذا قبلنا جدلاً بمبدأ الحلول الثنائية والإتفاقات الجانبية، كوسيلة فعَّالة لحل قضايا معقدة ومتشابكة، تخص كل أطراف العملية السياسية والجماعات الناشطة في العمل المدني، والمراكز الدراسية والبحثية والأكاديمية المتخصصة في الشؤون السياسية والقانونية، بإعتبارهم أصلاء وإركان أساسية في أي حلول منجزة، ساعية للأستقرار والإستدامة، وليس ضيوف شرف تعوزهم الأهلية والجرأة والصفة الرسمية للمشاركة والإدلاء بدلوهم في هذه المعمعة السياسية. ولكن السؤال الأهم، ما الداعي لهذه الزيارة من الأساس؟! أي هل هنالك جديد في المواقف او الرؤي، يستدعي القيام بهذه الزيارة؟ بمعني حدوث نقلة حقيقية في الإسلوب وطريقة التفكير وأدوات العمل، قادرة علي إحداث إختراق حقيقي للتعقيدات الراهنة، أو تشكل خطوة متقدمة نحو، إقامة دولة المشاركة والقانون، او عقد المؤتمر القومي او الدستوري، الذي توضع فيه الأسس الثابتة والصالحة والمستقيمة لإدارة إمور البلاد بصورة عادلة. كما ظلت التنظيمات المعارضة تطالب صادقة وتنادي حتي جف حلقها لعقده بأسرع ما تعجل، إختصارا للزمن وحفظا للأرواح والموارد وسلامة البلاد. أم أن هنالك إلهام سماوي تنزَّل علي المنظومة الإسلاموية والطغمة العسكرية، اللتان تديران البلاد كملك عضوض، لا يقبل التراجع او القسمة علي بقية القوي السياسية ذات الرؤية المغايرة، أو مجرد أخذ رأي جمهور المحكومين او معرفة رغبتهم، سواء ما يخص المجموعة التي تحكمه او السياسات التي تفرضها علي كاهله. والمقصود رؤية حقة تغير قناعاتها السابقة بأحقيتها وقدرتها علي إدارة البلاد بصورة منفردة، لتمتعها بكل ما يلزم لذلك دينيا او دنيويا؟! أو إحتمال وصلت إليهما الرسالة الآن واضحة، بأن الواقع أصبح لا يحتمل المزيد من العناد والمكابرة(والمكاجرة)، والتمادي في الغفلة وإستهوان أمر الأزمة الخانقة، والتقليل من ردة فعل الجماهير الغاضبة وقابليتها للإنفجار في أي لحظة! وكذلك، الإنفراد بالسلطة وتحمل أعباء المسؤولية الجسيمة وحدهما لإستحالة ذلك علي أي تنظيم منفرداً، وأن السلطة معرضة للإنهيار تحت أرجلهم، وأن الأوضاع تزداد هشاشة وسيولة وتعقيدا مع مرور الأيام، وأن هنالك ثمنا فادحا سيدفعانه بسبب الأخطاء والممارسات التعنتية السابقة، التي لم تقيد ضد مجهول، وما زالت آثارها الإرتدادية التدميرية تفعل فعلها حتي الآن! وبقول محدد تخلت هذه المجموعة بشقيها، عن نشوة العظمة والسيطرة ووهم تسليم السلطة الي المسيح/خ الدجال. وهل وهل ...الخ.
إذا صح كل ذلك و لا أظنه صحيحاً بأي درجة! فإنه لا يستوجب زيارة الي دار زعيم حزب الأمة، لأن في ذلك أولاً خلط بين الخاص والعام، وتحويِّل العملية السياسية الي نوع من العلاقات الإجتماعية، التي بدورها تحكمها المجاملات العامة والترضيات الخاصة، عكس الواقعية السياسية التي تحكمها الصراعات والتوازنات والتحالفات والمنافسة! وثانيا مثل تلك الزيارات تعقد من المسألة السياسية، التي لا تشكو من قلة النكبات! فهي من جانب تزيد في تقدير حزب الأمة وقيادته لذواتهم، وتنقل إليهم إحساس زائف، وكأن الحل والعقد بين أيديهم، وأنهم الطرف المؤثر في المعارضة. وليس الحل في مشاركة بقية أطراف المعارضة، الذين لا يقلون مساهمة وتضحيات ومبادرات عقلانية وواقعية، في دفع جهود الحل للقضية السودانية. ومن الجانب الآخر، تدق مثل هذه الزيارات إسفين بين حزب الأمة من جهة، وبقية الأحزاب المعارضة من الجهة المقابلة! بمعني الإستفراد بالقوي السياسية المعارضة كمقدمة لتصفيتها من الحياة السياسية، او إلغاء حضورها علي مستوي الفعل المثمر، فيما يخص توسيع مواعين الحرية والمشاركة ودعم العملية الديمقراطية! وثالثا وهي نقطة متعلقة بسابقتها او إمتداد لها، وهي هل يمثل السيد الصادق المهدي، مع إحترامنا له بشخصه وحزبه، أمل وخلاص كل البلاد؟! بمعني هل يصبح السيد الصادق المهدي/حزبه بديل لكل القوي السياسية الأخري، وأن الإتفاق معه ينزع فتيل الأزمة والأوضاع الملتهبة ويخلق الإستقرار المنشود. بتعبير آخر أسطرة السيد الصادق المهدي ومنتوجه ومقدراته ومساهمة حزبه المبدعة الخلاقة! وتاليا معاملة حزبه كالكيان السياسي الشرعي والأساس، الذي لا تمر الحلول إلا عبره، وبقول واحد حزب الأمة ورئيسه يمثلان فرض عين لأي حلول محتملة. وكل القوي السياسية الأخري باشخاصها ومساهماتها ومواقفها مجرد نوافل! لا يستلزم موافقتها او رضاها علي أي إتفاق، شرط واجب النفاذ لصحة ذاك الإتفاق! ورابعا وهو الأهم أن مثل تلك النفاجات او المخارج التي تُفتح للنظام عبر حزب الأمة، للخروج من ورطاته وتخفيف الضغوطات عنه، لدرجة أنها أصبحت لعبة مكشوفة وبايخة ومنافية للمسؤولية السياسية! تخصم من رصيد حزب الأمة لدي الأحزاب المعارضة والمجتمع ككل، وتثير حوله كثير من الغبار والشكوك، وتحرج قاعدته والمناصرين له. كما أنها ترسل رسالة مغلوطة للنظام، مفادها أن حزب الأمة بقيادته وأعضائه يمكن إستغفالهم وغشهم وشرائهم ببعض الوعود والمناصب، او إيهامهم بأن هنالك مستقبل ينتظرهم بوضع يدهم في يد النظام! ولتأكيد تلك الوعود العرقوبية يتم أحتضان أبناء زعيم الحزب وتصوير ذلك الأمر كشأن شخصي! وخامسا هنالك إحتمال لوجود قواسم مشتركة، بين حزب الامة بمسحته الدينية ووجود إمام يقوده، وبين الحركة الإسلامية وممثلها الشرعي الحكومة المُنَظْمَة او المُجنَدَة(علي طريقة تنظيم وتجنيد أعضاء الجماعة وغسل أدمغتهم، والمقصود الدمج بين النظام والحكومة والدولة)، ونعني البنية الصلبة التي تشكل وعي الحزبين، او الأيديولوجيا التي تحكم رؤية الطرفين للحكم وإدارة الدولة، فهي تنبع من تصور دينوسياسي، أي الخلط بين الدين والسياسة للإستفادة من طاقاتهما الإيجابية، ولكن للأسف دون إكتراث لخطورة هذا الخلط، الذي يحول الخلاف المشروع والمتوقع الي كفر، والنقد المطلوب الي تطاول وإنحراف وشذوذ! وتاليا إباحة العنف وإستباحة دم المعارضيين! أي أن إشتراكهم في هذه الخلفية، يجعل الفوارق بينهم في الدرجة وليس في النوع او الكيف، بمعني ان حزب الأمة لا يختلف عن التنظيم الإسلاموي المنبوذ في طريقة الحكم، ولكن الخلاف ينحصر فيمن يحكم وطبيعة من يدير الحكم(نزيه حكيم متهور مجرم...الخ)، وأن مطالب الدولة المدنية(الملتبسة) التي يدعو لها الحزب، مجرد طلاء حديث، يحاول مجاراة مطالب الحداثة ورغبة الأجيال الصاعدة. والخلاصة أن التنظيم الإسلاموي يثق في حزب الأمة، بإعتباره رصيد إحتياطي عند الملمات وإمتداد لإطروحاته بشكل او بآخر! بتعبير آخر أن التنظيم الإسلاموي هو صورة محسنة لحزب الأمة، الذي تضفي عليه الطائفة الأنصارية نكهة تقليدية، وإبتعاد عن النظرة الراديكالية الحركية الإسلامية، النازعة لوراثة التراث الأسلامي بوسائل حديثة، أي الجمع بين الحسنيين! كما يطرح نفسه التنظيم الإسلاموي، بغض النظر عن كلفة التناقض والغائية المبررة لكل وسيلة، التي تكتنف مشروعهم ومواقف قياداتهم!
وأعتقد أن أكبر عامل أكسب حزب الأمة العريق، هذه المرواحة بين المواقف الواضحة والرمادية التي رأفقت مسيرته، هي شخصية قائده السيد الصادق المهدي، لأن شخصيته وعلي الرغم من مواهبها العديدة وتعدد أنشطتها وإهتماماتها إلا أنه يسيطر عليها عيب كبير، وهو قابليتها العالية لتصديق أي موقف او رأي يصدر من أي جهة، او أي رسالة توجه إليه وتحملان في طياتهما، نوع من الإطراء او التضخيم والإشادة بقدرات السيد الصادق المهدي السياسية وملكاته الفكرية والقيادية والإمامية، مهما كانت درجة السذاجة التي تكنفهما او نوع الغرض الفاضح الذي يحركهما ويدفعهما أمامه! وهذه الغيبوبة من القابلية للمدح، جعلته لا يشعر او يلاحظ او يكترث لشبهة التناقض، التي وسمت سلوكه السياسي طوال مسيرته، ونقصد الجمع بين الأمامة، وما يستتبعها من القبول المطلق لكل ما يصدر عنها، وملامستها لحواف القداسة! وبين رئاسة الحزب التي تستدعي المنافسة وحرية الإختيار والتداول والخلاف. وكذلك الربط المجحف بين القيادة السياسية التي تتطلب المناورات السياسية والمفاضلة بين الخيارات المتاحة، والحزم وقوة الشخصية في إتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب مهما كان طعم المرارة التي تخلقها، وبين المفكر الذي يحكمه المنهج العلمي الصارم، ويضعف من قيمة فكره مخالطته للأهواء السياسية والمطامع الحزبية! وكانت المحصلة ما ظل يتردد كثيرا عن عدم قدرة السيد الصادق المهدي علي إتخاذ القرارات المناسبة زمانا ومكانا أي شخصيته مترددة. ويعزي المناصرون له، ذلك التذبذب والتردد الي طبيعة الأنظمة الديمقراطية التي كان علي راسها، التي تحمل شئ من التعقيد في عملية إتخاذ القرارات، بعد مرورها بسلسلة من الإجراءات. ولكن التجارب الديمقراطية نفسها أفرزت قادة أكفاء، خلدت أسماءهم بسبب مواقفهم الصلبة وقرراتهم الصائبة والحاسمة والحكيمة في الوقت المناسب. وشخصية السيد الصادق المهدي قد تكون أقرب لشخصية الرئيس الحالي للولايات المتحدة الأمريكية باراك أوباما، الذي يصفه البعض بأنه يمارس السياسة بروح المثقف او يخلط بينهما، مما جعله يتردد في إتخاذ القرارات المصيرية الكبري، التي تغير مسيرة الشعوب وتحفر في ذاكرة الأمة والوجدان الشعبي مجري إمتنان وتعظيم لها(يبدو أن اوباما يسير بثبات لمفارقة هذه الخانة بموقفه الأخير تجاه النظام السوري، الذي مد في عمره تأجيل مثل تلك القرارات او العجز عن إتخاذها مبكرا)، ليتدحرج لمرتبة الرئيس العادي او الموظف الذي يؤدي دوره المرسوم له، دون إضافات إبداعية خاصة تضع بصمته الخاصة علي المنصب. وبالتأكيد ذلك لا يعني التقليل من دور الثقافة والفكر مقارنة بالسياسة، ولكن القصد أن لكل منهما وظيفته وأدواته وحقله الذي يعمل خلاله، ويؤدي الخلط بينهم للإضرار بهم جميعاً.
لكل ذلك كان علي قائد حزب الامة، حتي قبل قبول مثل تلك الزيارة المسمومة، التي تخصم من رصيده وحزبه كما أسلفنا! او يسمح خلالها بالتطرق للشأن السياسي الذي يخص الجميع! أن يسأل نفسه وقاعدة حزبه، ما المطلوب من حزب الأمة وقائده السيد الصادق المهدي بالتحيد؟ هل هو الحصول علي الحكم وحيازة المناصب بأي كيفية؟ أم التأسيس لنظام ديمقراطي بكل شروطه! بحيث يسمح بمشاركة ومساهمة الجميع، ويطرح ثمار ممارسته السلمية وتطبيقه الشفاف علي الكل الوطني مزيد الإستقرار والتنمية والرخاء. بغض النظر عن زمان حدوث ذلك او بمن تم إنجازه، أي خلال حياة الصادق المهدي او بعد رحيله لا قدر الله لا يهم، المهم هو إنجاز ذلك الهدف الديمقراطي، كأفضل آلية مختبرة لحكم البلاد وحفظ أرواح العباد وإعطائهم مكانتهم التي يستحقونها كمواطنيين أسوياء. لأنه إذا كان المطلوب الحكم وبأي وسيلة، فإضافة الي أنه هدف متواضع ولا يستتبعه أي إحترام او بقاء في ذاكرة الأجيال، لأن فيه توظيف للسياسة(موجهة للآخر) للحصول علي مكاسب شخصية آنية، أي حرف لفاعلية السياسة، كنشاط أنساني إجتماعي عام، ينحو نحو توظيف قدرات الفرد ومواهبه لخدمة المجتمع العريض، عبر تدريبه وإختباره وإختياره طوعا، وتحديد أطر عمله وحدود سلطاته، وفق قوانين وتشريعات تخضع جميع المشاركين لإكراهاتها وشروطها وإنضباطها. فإن هذا النظام ليس بالسذاجة، التي تمكن شخصية كالسيد الصادق المهدي من نيل هدفه مجانا، وهي علي علم مسبقا، انه لا ينظر إلا للقيادة والرئاسة حصريا، وتاليا فالنظام يعمل علي إغلاق كل السبل في هذا الإتجاه، علنا في ظروف القوة ومدارة في لحظات الضعف. لأن الكرسي الرئاسي واحد، ولا يقبل القسمة علي إرادات متسلطة لا تؤمن إلا بنفسها وقدراتها الشخصية وحقها التاريخي! أما إذا كان الهدف هو التغيير الديمقراطي لا غير، مهما كلف من أثمان! فهذا طريق صعب ومحفوف بالتضحيات والوقفات الصلبة، وردع الذات والوضوح الصارخ، والمواقف المبدئية التي لا تقبل القسمة علي أي طموحات شخصية خفية تتلبسها او تنازلات تكسر بخاطرها. وعلي الرغم من صعوبة هذا الطريق، إلا أنه يجلب قمة التقدير والإحترام راهنا، ويقف التاريخ أمام أفراده في مهابة وإجلال لاحقا، ويظل أصحاب هذه المواقف المضيئة المستهدفة، لحرية وحقوق الإنسان وبسط العدالة والمساوة علي الأرض، مشاعل تضئ الدرب للآخرين من خلفهم، وتعلي من قيمة وشأن مجايلهم وزمانهم. ولا تمنع هذه المواقف بعد إنجاز أهدافها الديمقراطية، أن ينال صاحبها حقه الديمقراطي في الترشح والقيادة تحت شروطهما المعلومة.
بما أننا ليس في وارد تقديم النصح لحزب الأمة بكل تاريخه ورجالته، ولكن ذلك لا يمنع تذكير حزب الأمة، أن تضامن المعارضة بكل أطيافها وتوحدها وتحديد هدفها ووسائل تحقيقه ، هو أكبر ضامن لإنجاز غاياتها. أو علي الأقل الإتفاق علي الحد الأدني، الذي يتيح لها ممارسة حقها السياسي، وطرح رؤيتها بكل حرية، وإتاحة الفرصة لها لتقديم نفسها وبرامجها للناخب الحر، والإحتكام لإرادة الشعب ورقابته ومحاسبته، وبكلمة واحدة توفر البيئة الديمقراطية الشاملة، التي تمكنها من الحياة والنمو والتطور. وبتعبير آخر إنجاز التحول الديمقراطي وإجبار النظام علي قبول هذا التحول بكل الوسائل( أي طريقة تعامل النظام هي ما تحدد طبيعة الوسائل المستخدمة)، والإتفاق علي شكل وترتيبات وإدارة المرحلة اللاحقة. لأن في وحدة المعارضة كالطود العظيم، ووضوح هدفها وإصرارها علي إنجازه بكل الوسائل. سد للمنافذ أمام المناورات التي يجيدها النظام وتعطيه مساحة أكبر للحركة والإستمرار. كما أنها تفرض حصار سياسي خانق علي النظام، يكذب خطبه ويفشل كل خططه واطروحاته او يكشف زيِّفها وبوارها ويكثف الأضواء علي خواء هذا النظام العاجز ودعامته الحكومة الفاشلة! والأهم إرسال رسالة واضحة للنظام/الحكومة والشعب أن المعارضة جادة في مسعاها، ولا تقبل المساومة او أنصاف الحلول في إنجاز تحول ديمقراطي كامل، لا تشوبه شائبة وصائية او إستبدادية، متخفية تحت أي ستار ديني/أيديولوجي/عنصري! وهذا بدوره كفيل بإحداث ربكة ورهبة في قلب هذه الحكومة المتهالكة. والتي إستفادت كثيرا من ضعف المعارضة وقلة تماسكها وتضامنها، وتشتت جهودها وشدة خلافاتها ومنازعاتها علي صيد مازال في جوف الفراء! أولاً بإستمرارها الغير مبرر طوال هذه الفترة. وثانيا بإرسالها رسائل سسلبية للقاعدة الجماهيرية المقهورة، بأنها البديل الأفضل المتاح، مقارنة بمعارضة شبحية كرتونية، تتقاتل علي الفتات، وسلاحها الشجب والإدنة والإستنكار والإستجداء لحقها الديمقراطي، ولا تقوي علي الصمود أمام أقل الضربات او الإشاعات التخذيلية التي يطلقها النظام، ويسهل إختراقها من الداخل وفك أرتباطاتها الهشة، والإنفراد بكل مكون من مكوناتها علي حدة. وبجملة وأحدة أن النظام/الحكومة يسيطران علي الحاضر ويستمتعان بكل لحظاته وخيراته ويمنعان تغييره، ويصادران حق الحلم في المستقبل، وذلك قمة المصاب!
والخلاصة وعودة الي البدء، أصبح المجال السياسي، يضيق ليس علي الجماهير المبعدة تاريخيا فقط! ولكنه أصبح يضيق حتي علي النخب المشاركة في هذه السيطرة التاريخية، ويؤول لبعض العوائل وأشخاص نافذين في أنظمة عسكرية منهجها القهر وشرعتها الفساد. وهذه محصلة متوقعة لتجربة سياسية تميزت بضيق أفق القادة السياسيين وإتساع طموحاتهم، وتسرع قادة المؤسسة العسكرية، بالقفز علي كابينة القيادة الحكومية دون تأهيل وتدريب لهذه المهمة. وإزدرائهم للأحزاب السياسية والحياة البرلمانية والإنتخابات ...الخ منذ الأستقلال، لتورث المشهد السياسي والإنجاز التنموي والأفق المستقبلي، هذه الكوارث وحصاد الهشيم! لنصل الي مرحلة الزيارات الإجتماعية، كبديل معلن ومقبول عن المؤسسية والممارسة السياسية الناضجة والمسؤولة، والمستوعبة لتعقيدات الواقع، والحاملة لرافعة النهوض من هذا الحضيض، والناظرة بعيون البصيرة والديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة والشاملة للمستقبل البعيد.
خارج النص
يبدو أن الديمقراطية الغربية كنموذج يحتذي تحتاج لمراجعة جذرية، بعد مواقف الأحزاب المعارضة للدول الكبري من المأساة السورية، وتردد الأحزاب الحاكمة في إتخاذ القرارت الصائبة التي تتفق مع حقوق الإنسان(يبدو أنها حقوق للإنسان في الدول النامية مع وقف التنفيذ)، وإرجاع القرار للتصويت والمماطلة. بعكس حالات أخري أقل دموية من المشهد السوري. تم التعامل معها بحزم وشدة تستحقه، ومنعت أرواح كثيرة من الإزهاق سمبلة. والمشهد السوري لم يعقده شئ ويسمح بدخول معادلات جديدة مهددة لكيان الدولة السورية، كما عقَّده الموقف الغربي بتماطله وإمهاله الزمن والفرصة تلو الفرصة لكائن دموي مثل بشار ونظامه، لتشغيل مفرزة القتل الأسدية باسرع طاقتها، وتاليا إنحسار النفس الديمقراطي وطغيان الطابع الدموي علي كل المشهد. وبخصوص الذين يعارضون الضربة! ما هي البدائل المتاحة، ولماذا لم يطرحوها او يرغموا الأسد علي قبولها منذ البداية. والأزمة الآن لها سنتان ونصف، وقد تجاوز عدد الضحايا المائة الف، وكل ما يشرق صباح تضاف قوائم إحصائية جديدة الي لائحة القتل المجاني! بمعني أن الضربة ليست غاية في حد ذاتها، ولكنها كالدواء المر الذي إُجبر الشعب السوري ومناصريه علي تجرعه، حتي لا يفني الشعب عن آخره، بسبب رئيس إرهابي كاره لشعبه، وجوقة رومانسية ما زالت تعزف لحن، رفض العدوان علي الدول العربية والأطماع الإمبريالية، والشرعية الدولية، ورفض التدخل في شؤون الدول الداخلية! ثم بعد ذلك التحليق في سماء الزمن الناصري والبعثية الرسالية والقومية العربية الخالدة والمقاومة العبثية! ولا عزاء لأنهار الدماء التي تتدفق ليل نهار، دون فرز لطفل رضيع أو إمرأة حامل او شيخ عزير أو مواطن مدني او محارب علي حق، او دولة معرضة للتفكك والرجوع الي زمان اللادولة واللاقانون! والأهم أن الضربة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها النظام الأسدي المجرم، وهي قادرة علي حماية الشعب وإكراه الطاغية علي قبول الحلول التي ترضي شعبه، وهي تكفر عن التأخر والتردد الذي ميَّز الموقف الغربي طوال الفترة الماضية.
مدخل للخروج
أعتقد أن الإنسان هو الإنسان، مهما ترقي وتقدم في مضمار الحضارة، ونال من التعليم والمعارف الكثير، ومكنته الأديان من إضاءة جوانب الروح المعتمة، والمدن من تهذيب المظهر والسلوك، وأتاحت له مدرسة الحياة التعلم من الأخطاء والخطايا. إلا أن هنالك نوازع بدائية عنفية وحشية تظل كامنة داخله، وتجعله يتعايش مع الفظاعات اللاإنسانية ويَقْدِم علي حسم صراعاته دمويا، ويُقَدِّم مصالحه الخاصة علي كل إعتبار! والفرق بين الإنسان البدائي الأول والإنسان الحديث، أن الأول إحتياجاته كانت بسيطة ووسائله كذلك تمتاز بالبساطة، وإنعكست علي حسم صراعاته وتناقضاته مخلفة عدد ضحايا قليل او لا يذكر! عكس الإنسان الحديث الذي تعقدت إحتياجاته، وتاليا وسائل حياته وطريقة حسمه للصراعات! والثابت أن الإنسان أكثر الكائنات تعقيدا ومقدرة علي إلحاق الأذي بنفسه وبالبيئة من حوله، وتطلعاً الي ما لا يملك! وبتعبير البيركامو(الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يرفض أن يكون من هو). ولكن أين المفر!!!

[email protected]





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 930

خدمات المحتوى


التعليقات
#760501 [على حمد ابراهيم]
0.00/5 (0 صوت)

09-06-2013 11:14 AM
شكرا ياستاذ عبد الله

لقد قلت فاوفيت وكفيت بقلمك السياب لا فض فوك . طال غيابك من الصحف الاسفيرية لعل الداعى خير

على حمد ابراهيم


عبدالله مكاوي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة