المقالات
السياسة
سودان " الحجر و المدر" و " بردعة الحمار" في تنمية العواصم و الامصار
سودان " الحجر و المدر" و " بردعة الحمار" في تنمية العواصم و الامصار
09-07-2013 04:05 PM



ما بين القرن الرابع عشر و الخامس عشر الميلادي عاش العلامة عبد الرحمن بن خلدون يرحمه الله , فقد تحدث في مقدمتة باستفاضة و تفصيل عن الامم و اخلاقها و حضاراتها و كذلك عن علم التاريخ و الاجتماع. أما عن العمران فكان الناس ينقسمون الى حضر و هم سكان المدن و الحواضر و الريف و القرى , و كانوا يبنون بيوتهم من الحجر و المدر. و المدر كما جاء في لسان العرب , هو قِطْع الطين اليابس , و قيل الطين العِلْك الذي لا رمل فيه. و العرب تسمي القرية (مَدَرَةً). أما سكان البادية فهم الذين يخرجون من الحواضر الى المراعي في الصَّحارِي. و يضربون الخيام و الأخبية , و الاخبية عادة ما تكون من (وبر أو صوف).
فهل ترون أننا في السودان الحاضر , بحواضره و بواديه قد بعدنا كثيرا عن ما وصف ابن خلدون في مقدمته من حواضر و بوادي في ذلك الزمان؟ ولكن التطور سمة أصيلة من سمات البشر , وصفة دؤوبة لتعاقب الزمان , فالحياة أوجهها تغيرت بتغير الحضارة و مكتسبات البشر من علم و معرفة و ثقافة. و لكننا اليوم في يد الساسة ليس الا كالإبل للرِّعاء , يسوقونها (عَفساً) و يرعونها (خِمساً). أي يسوقونها سوقا شديدا أو يحبسونها و يرعونها و ان ترد الماء اليوم الخامس بعد اظمائها.
ما اردته في هذا المقال , هو أن حال أهل السودان في الانتقال من البداوة الى الحضر ومن الريفية الخِصبة الى المدن المتحضرة الصناعية , قد يسير سيرا بطيئا ً , أو بمعنى آخر ان حال التطور قد لا يعدو أن يكون مفارقات فردية مادية في المجتمع , أما عجلة الاقتصاد للبلد ككل فإنها عُطِّلت. و القرينة في ذلك شدة اللصوق بأرضٍ أو بمنظرٍ , فالحنين فينا أشد من حنين (قلوصى بالعراق) . فالمقصود هنا ليس الفكاك من تجليات الشوق و الحنين ككل , و ليس مسح ما بقي من معالم و صوى القيم التي تحملها حياة البداوة و القرية و الريف ثم الدخول بها في عالم الحضر , و انما الفكاك من شكل المتغير من مظهر و حجر و مدر , الى شكل متغير حديث ينم عن حضورنا هاهنا في وسط الحضارة , و لا ينزع بنا الى هناك زمانا و مكانا. و الشاهد في ذلك اننا نميل لحياة الحضر بما تحمل من مظاهر مدنية في الشكل و البناء و الملبس و المأكل , مع الاحتفاظ بمعاني القِرى و الكرم و الشهامة السودانية.
و لا غرو ان سرائر الروح لدى شعوب السودان هي المرتكز و المرجع , في استشفاف شذرات الثقافة و الحضارة و المعرفة. فالشوق و الحنين و اللصوق هي من أعلى علامات التمكن الروحي في ذاتية الفرد , ان كان في مزرعته أو فلاته أو صحرائه. فهل استدرك أهل السودان بان يكون غذاء الروح ثلاثي الأضلاع ؟! أي مكون من ثلاثة أضلاع و هي الماضي و الحاضر و المستقبل. و ان يكون القاسم المشترك فيها كلها الشوق و الحنين و اللصوق , ينزع الفرد للماضي فيستلهم منه ما حوت روحه , و يعيش في الحاضر ما وجدت روحه من واقع ثم يندفع الى المستقبل بالصفتين فيصنع الرؤية ذات التفرد و الأصالة.
فانه اذا استدركت الروح , الماضي و الحاضر و المستقبل و قنعت بذلك لكان ما عنيناه من حضارة مهولة. و لكن الشيء الملاحظ أن شعوب السودان تعشق الروح بدرجة الغياب و التحليق , و تدرك الواقع بدرجة الزهد و المبالغة. فالعقل هنا ساكن و مسكون , و اللسان مُطرِق ٌ و مهجور. فحركة العقل و الفكر ضئيلة و نتيجة لذلك التحرك من الماضي للمستقبل يكون في حيز السكون. فالفخر بالماضي قد يكون من دواعي تفخيمه لدى الروح , فتنشط ثقافة الاشياء , و اكتحال العين بالصور و الأخيلة. فصارت هذه السمات ظاهرة جمعية الوعي جماعية الفعل و الادراك , و من ثم فقد أقعدت بثورات العقول و التطور و و بنت فيهم المهابة من التحرك من موقف الى آخر.
قد لا ينجذب أصحاب العلوم و الثقافات الى الجانب العملي من العلوم, فقد يحيد بهم ذلك عن طريق الحضارة و يسلمهم الى اشواقهم القديمة و هي البداوة. فتصبح السياسة و الدين و العلوم و الأدب و الفنون كلها ضرب من فلسفات روحية. فيكون الاستبداد من بعد ذلك , فيستبد الجاهل بالعالم , و تستبد النفس بالعقل, لأن فلسفات الروح انما هي اطياف تغشى كل من رسخت فيه عاطفة الشوق و الحنين و الفلسفة , و يكون فيها العالم و الجاهل في الحس سواء.
فبناء الحضارات انما يكون بانجذاب الناس الى العواصم و الحواضر و الارياف , فيعمروها و يبدلوا المفازة و القفار بعمران راسخ و جميل. و حتى في بنيان المدن من الحجر و المدر و غيرهما , قد تجدها مدينة بلا مدنية , اذا لم يسلك سكانها طريق الحضارات و المدنيات. فاستخدام الحمامات المعاصرة في اغلب بقاع السودان , في الريف و المدن شيء ليس ضروري , فالصفة السائدة هي استسهال الامور و الزهد في الدنيا , فقد يجدون هذا من زخارف الدنيا , و هو في الحقيقة وبال مستطير , اقعد بالأطفال و الكبار عن مراقي الصحة العامة و صحة البيئة.
و استصحاب الحيوان ايضا صورة من صور البداوة و الريفية. فان تم بناء المزارع و الحظائر و اُلحق بذلك الطاقم البيطري , قد تتجسد معاني المدنية. و لكن استصحاب الحيوان الى أي مكان ريفي أو فلاة أو صحراء انما يدل على استصحاب نفس الملبس و المأكل و المرقد و هكذا دواليك. و بالتالي ان تم الانتقال الى المدينة , فصفة النزوع الى البداوة و الريف باقية , و اللصوق ببيئة الحيوان باقية. فيصعب التغيير على من تحضر من البدو , فلعنة العيب و الخوف من لعنة القبيلة قد يضرب بأطنابه , و البدوي لا يوزعه الا الخوف من القبيلة و العيب بغض النظر عن العيب الشرعي.
في خمسينات القرن الماضي (العشرين) أي عند فجر استقلال السودان عن الوصاية التركية و البريطانية , كانت الخرطوم من أكثر العواصم العربية و الافريقية تحضراً و تمدنا ً و قد تبع ذلك العواصم الريفية في بقية انحاء السودان. فقد ظهر ذلك في هيئة الموظفين و العمال و حتى في مجال الزراعة بالنسبة للفلاحين. و خاصة بعد انشاء مشروع الجزيرة العملاق الذي غير حياة الناس من حياة البداوة الى المجتمع المدني أو الريفي المستقر. و لم يكن ذلك قاصر على سكان ما بين النيلين فقط , و انما انجذب الى هذا المشروع الكبير كل أطياف و قبائل السودان و نواحيه. فتوطدت الحياة الحضرية في هذه الرقعة , و ربما كان قرب تلك الحقبة الى ثقافة المستعمر , و ذاكرة المواطن السوداني الذي تعمق في نمط الحياة الانجليزية.
و لكن الشيء الغريب هنا , انه بحلول القرن الحادي و العشرين. بدأت انماط الحياة تنحرف , من المدنية و الحضر الى الريفية الموغلة في الفقر و المدنية الغارقة في الضنك. و لربما قد ظهر على السطح نمط جديد من انماط الحياة و التفكير و قد ظهر صراع فكري ليس له تبرير منطقي و واقعي. جماعات تحكم السودان بسطوة الفكر البدوي , فيها من القهر و العداوة القبلية , مما أدى الى تأرجح خطى السياسة الحاكمة , و بالتالي انقياد الشعب لساسة يدمرون بنى الحضارة و يثيرون الفتن و البلابل. جماعة حنت الى ماضيها بكل تفاصيله الدقيقة. و أخذت منه القول و الفعل و الثقافة و المفاهيم البالية. فغلبت ثقافة الجنس, أي تفرد الرجل على المرأة في المجتمع , مع اعتلال فكري تجاه مفهوم معنى القوامة. فعادت من جديد صورة القبيلة و تنميط عقول الصبيان , و انكسار هالة الفتاة و تلاشيها. حتى امتلأت الشوارع و الحواري و المزارع بما يعرف بأطفال الشوارع , و هم لا يدعون لآبائهم و لا لأدعيائهم , و لكن للجمعيات الخيرية , فهذه اشبه بعادة الجاهلية في وأد البنات دون الذكران من الأطفال , و ليس من شيء يمنعنا أن نلحق هذه الحقبة بحقب الجاهلية. و خلاصة هذا عاد الفكر البدوي في ثوب مدني مبتور الأواصر و الأطناب. فلا يبدو عليه شكل المدينة من حجر و مدر و غيره و لا ظاهر الحياة البدوية سابقا , فهذه أحداث تقع في قلب المدن , و لكنها تُساق الى مساق البداوة و الفوضى و قانون الغاب.
فممارسة الفوضى في الحواس , و مغالطة الواقع الحضري من حولنا في هذا الكوكب , و تأصيل الغلظة و الحماقة , و اتباع الطرب اللاهي لدرجة الانجذاب , كل ذلك قد ولد فينا نمط العنف , و غيّب فينا التماس اللطف و الأخذ بأسباب الحكمة
و عمق كراهية المدنية و التحضر. فكان الانصياع الجارف لما يمليه الحس من استكانة حتى نُسب الينا من الطرائف و المُلَح ما يدل على حب الكسل و الخمول. فكان الناس في ذلك حيارى في كيفية الجمع ما بين سلوك الكسل و نمط الخمول و بين الاتقاد الذهني و النشاط العقلي و السلوك الفلسفي و العبقرية الفكرية. فقد لا تتناسب كل هذه الأضداد لتهبط في جسدٍ واحدٍ من لحم و روح. قد يقول البعض ان السياسة هي ما يفسد الحياة و للبشر. و لكن القول ليس كله كذلك , فجزءٌ مما يقول به الناس و المفكرون أن السياسة بنتاجها الظاهر و الواضح للجميع هي مفسدة اذا فسدت الجماعة الحاكمة. و لكن على العكس جزءٌ آخر يقول بأن النتاج السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي حصيلة سلوك و فهم جمعي لمجتمع ما, فقد تتعاقب الجماعات في الحكم و تلعن بعضها الآخر , و يلعن الشعب بعضه الآخر. و لكنهم لو عكفوا على تنمية البشر و الذات , و تلمس خطى الحضارة و الصدق و الاخلاق لما فسدوا يوما. و من المسلمات الفكرية و الاجتماعية ما هو بمنزلة المخدر للفكر و المفاهيم الجمعية العامة . فقد تكون عبارة عن انطباعات فكرية القائل بها له لسان بليغ فتفعل بالمجتمع ما تفعل حتى تصبح ذات قداسة, فيسلمها جيل ٌ الى الآخر و هكذا , لكن دون اتخاذ منهج الاحصاء و الدراسة من الواقع العملي , تبقى كل هذه المسلمات فقط فرضيات و ان كان فيها شيءٌ من الحقيقة.
فالتعمق في الروح و التفنن في اتقادها دون العقل , يجعل من الحياة مرتعاً خصبا ً من التصوف تجاه الاشياء. و يجعل الجمال حبيس الأماكن و اللحظات التي تعن في الفكر منذ أزمنة سحيقة, دون النظر الى ما هي عليه الآن هذه الأماكن و ما حولها من تغير و تطور هو أيضا يحسب جمالاً , فالإفراط و المغالاة في الوفاء لمكان أو زمان دون سواه قد يجعل الصورة تقف كما هي سنوات طويلة, و من الطبيعي اندثار روحها بتقادم الزمان و تقلب الفكر في الحاضر, فهنا الخسران هو من نصيب المتعنت لفكر بلى أو مكان اندرس , الا بكاء الشعراء فهو مباح من باب الذكريات الجميلة و معاقرة الروح للجمال , و الانطلاق لحاضر مستحدث يستلهم معالم و ذكريات التاريخ. أما الوقوف لتلك الذكريات و التعطل عن الحركة و العمل و خاصة حركة العقل , فقد تجل الفرد عبقريا في زمان آخر و لكنه مضى و ليس سابق لأوانه.


و نواصل ,,,

[email protected]





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1526

خدمات المحتوى


التعليقات
#762337 [osman]
0.00/5 (0 صوت)

09-09-2013 10:43 AM
استاذنا الكريم قرات مقالك بتمعن شديد واعدت قراءته مرات ومرات –واتفق معك ان الانسان السودانى يقتله الحنين الى الماضى وتشده الذكريات الى مراتع صباه- وهذا امر لاغبار عليه –لكن المحزن ان يظل فكره حبيسا وملتصقا بذلك الماضى فلايستطيع ان يجد فكاكا منه-وهذا امر بالتاكيد يجد من ابداعه و ويقلل من اطلاق العنان لخياله-وعادة ما يكون الخيال اول عتبة في سلم الابداع وخاصة الابداع العلمى-كذلك ياسيدى الفاضل يحتاج الانسان السودانى الى اعادة في صياغة حياته ليخرج من المسلمات التى انشانا اهلنا عليها وهذا امر في غاية الاهمية ونحتاج فيه الى فكر ثاقب مثل فكركم سبدى الكريم-وامر مهم اخر هو ان الانسان السودانى بطبعه لايحب التغيير بل ولا يقبله وهذه مشكلة اخرى – فالقبول بالتغيير والراي الاخر واحدة من اهم مرتكزات التطور – ورابع الماسى هي العشوائية التى ادمنها الانسان السودانى واورثها لابنائه – فالانسان السودانى الامن رحم ربي لا يستعمل العلم ابدا في حياته – في اهم القرارات المصيرية والتى تتعلق بمصير الدولة وشعبها تجد كلمة(يمكن –واحتمال - خلينا النجرب ) هذه الكلمات القاتلة اقعدت البلاد وهوت بها الي الذيلية من بين الامم --- والكلام ياسيدي الفاضل يطول ويطول وهو ذو شجون وشجون والموضوع مهم وخطير ومصيرى لاتكفيه صفحات الجرايد , ويحتاج للكثير الكثير من الكتابة والدراسة –ولك ودي وتقديرى


أحمد يوسف حمد النيل
 أحمد يوسف حمد النيل

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة