09-28-2013 10:51 PM

زيادات كارثية في أسعار الوقود بالسودان كانت القشة التي قصمت ظهر البعير عند فئات كبيرة من الشعب السوداني، حتى أولئك الذين لا علاقة لهم بانتماءات حزبية أو تنظيمات سياسية. هذا الانفجار الشعبي كان متوقعاً منذ زمن طويل .. فما الذي استفز الناس على هذا النحو - الآن - حتى خرجوا لا يبالون بما يصيبهم من اعتقال أو قتل تبرأت منه الحكومة واتهمت به أطرافاً مجهولة ؟

هل أغضبهم سوء الإدارة المالية الذي تضمّن الرضوخ لاتفاقية فصل الجنوب، مع عدم الاستعداد لتصويت الجنوبيين بالانفصال وما يتبعه من خسارة نحو 75% من الثروة النفطية ؟ هل أخرج السودانيين للتظاهر أنهم شعروا أن حكومتهم قد تخلت عنهم وألقت بهم فريسة لوحش الغلاء فصاروا بين خياري الموت جوعاً وفقراً وذُلاً، أو الموت برصاص قوات الأمن، فاختاروا أكرم الميتتين؟


إن الحكومة تواجه مأزقاً مالياً فلماذا لم يلتمس لها الشعب العذر ويقدّر صعوبة الظروف التي تواجهها البلاد ؟

الذي يبدو أن المتظاهرين قد استفزهم الشعور باللامبالاة وعدم تعاطف الحكومة مع معاناتهم لاسيما - وهذا بيت القصيد - أنهم يرون رموز الحكم وأفراده يزدادون ثراءً، وأنه لا يصيبهم ما يصيب بقية الشعب من عنت وفاقة. كما أنهم لا يرون منهم قدوات يمتنعون عن أكل اللحم كما امتنع الفاروق من قبل عندما أصابت المجاعة المسلمين. كما إنهم يشاهدون من يسرق أموال البلاد من الفاسدين يفلتون من العقوبة ويستمتعون بالمسروقات دون رادع أو حسيب. ولعل أولئك المتظاهرين يتساءلون هل كانت هناك حاجة لهذه الزيادات لو لم تتضخم ثروات أصحاب السلطة وحشمهم على هذا النحو؟

وهذا السؤال الأخير هو موضوع "القنبلة النووية" التي فجرها الإمام يحيى النووي في رده على السلطان الظاهر بيبرس. فقد رفض الإمام النووي التوقيع على فتوى للسماح للسلطان بفرض ضريبة على الشعب لتمويل الحرب على التتار، وعندما سأله السلطان بيبرس عن السبب أجاب برد كالقنبلة :" أنا أعرف أنك كنت في الرق للأمير بندقار وليس لك مال ثم منّ الله عليك وجعلك ملكاً وسمعت أن عندك ألف مملوك لكل مملوك حياصته (حزامه) من الذهب ، وعندك مائتا جارية لكل جارية حُق من الحلي ، فإن أنفقت ذلك كله ، وبقيت مماليكك بالبتون والصوف بدلاً من الحوائص (الأحزمة) ، وبقيت الجواري بثيابهن دون الحلي ، أفتيك بأخذ المال من الرعية" وهكذا حرّم النووي إثقال كاهل المواطنين بالضريبة قبل استيفاء فوائض الأموال التي اكتسبها أهل السلطة والحكم من أموال المسلمين دون وجه حق.

وقبل ذلك وقف سلطان العلماء العز بن عبد السلام موقفاً مماثلاً مع السلطان قطز الذي أراد أن يقترض من أموال التجار لتمويل الحرب على التتار فقال له العز بن عبد السلام: " اخرجوا وأنا أضمن لكم على الله النصر ، إذا أحضرت ما عندك وعند حريمك وأحضر الأمراء ما عندهم من الحلي الحرام ، وضربته سكة ونقداً وفرّقته في الجيش ولم تعم بكفايتهم ، ذلك الوقت اطلب القرض أما قبل ذلك فلا".

إن سنن الله وقوانينه الكونية مع الظلم والظالمين ثابتة ونافذة، لا تتغير وإن تأخرت ، وفق حسابات البشر، وهذه القوانين الإلهية لا تجامل المسلمين أو من يرفعون شعارات الإسلام، لأن العدل هو أساس الكون كما خلقه الله، ولذلك فإن " الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة". وذلك كله وفق حكمة كلية فائقة، و موازين دقيقة لتدافُع القوى بحسب اشتراكها أو اختلافها في الظلم، وغالباً ما تأتي النهايات على نحو غير متوقع بلطف رباني خفي، لا يخضع لأهواء البشر وحساباتهم الضيقة.

تُرى هل يعي أهل السلطة في السودان فتوى الإمام النووي؟ هل قاموا ببيع كافة ما اكتسبوه – بعد الحكم وبفضل تسهيلاته- من ممتلكات وعقارات وأموال سائلة ومنقولة، في الداخل والخارج، ثم سددوا ثمنها لخزائن البلاد قبل أن يقرروا فرض تلك الزيادة على أسعار الوقود؟

هل يدركون البلاد قبل فوات الأوان، أم أن الأوان قد فات فعلاً ؟ ولا يعلم إلا الله ما ستؤول إليه أحوال البلاد المهددة – عاجلاً أو آجلاً - بفتنة كالقنبلة النووية، لا تُبقي ولا تذر، تأتي على الأخضر واليابس، وتمزق ما تبقى من شظايا الوطن الجريح. وأول نُذُر الكارثة هي تلك الدماء الزكية التي سُفِكت بغير وجه حق لشباب من خيرة أبناء الوطن .. والدم يُشعل الثورات، ويكسر حاجز الخوف إذا كثُرت إراقته، ويستفِز حتى من يميلون إلى الحياد.


عبدالرحمن فيصل
[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1490

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#782199 [NAWRAS]
0.00/5 (0 صوت)

09-28-2013 11:32 PM
لكل وطني من بلدي السودان في بلد المهجر،
أسألك بالله أن تصلي ركعتين خالصتين في جوف الليل كل يوم و أن تسأل الله أن ينصر هذه الأمة ضد الظلم و البغي و الطغيان.

انصروا الثورة و لو بالدعاء
و لاحولة ولا قوة إلا بالله.


عبدالرحمن فيصل
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة