10-04-2013 01:04 AM

كان يوما عاديا من أيام حياتنا المليئة بالمشاغل و المكابدات في معترك العيش و شظفه , فبينما انأ منهمك في البحث عن إحدى المستندات في حقيبتي الجلدية لحفظ متعلقاتي, فإذا بهذه الصورة تبرز من ركام تلك الأوراق الخاصة لتفجر شلالات من الشجن و الحنين لتلك الخوالي
image
في البدء أود أن أؤكد بان الغرض من عرض هذه الصورة ليس البحث عن مجد شخصي إنما لمجد وطني محض فسيرتي الذاتية لا تحمل أي بطولة فانا (زول سوداني) عادي من جموع هذا الشعب الرائع غير أنني استطيع أن ادعي باني احمل قلبا يمتلئ و يفيض حبا لهذا البلد المختلف ألوانه و أكله و ماء نيله الذي هو لذة للشاربين و صبي تمرغ في ترابه حتى صار جزءا من تكوينه و البطولة و المجد هنا لتلك الشجرة في الخلف حيث أن لهذه الشجرة قصة موغلة في الرمزية و في قصتها العجب العجاب و قد تكون هذه الصورة الذكرى الوحيدة الباقية منها.
نعود لقصة الشجرة :
كان ذلك في السادس من ابريل 1985 من منا ينسى ذلك اليوم المشهود ففي عصر ذلك اليوم قام إخوتي بغرس هذه الشجرة لتكون شاهدا للفرحة العارمة الني عمت أرجاء السودان عندما اراد الشعب الحياة فاستجاب القدر لتطلعاته في الحرية و الانعتاق من حكم الطاغية و الدكتاتور لتطوى في ذلك اليوم حقبة سوداء من عمر هذا البلد المكلوم دامت لستة عشر من السنوات العجاف ليعلن عن حلم طال انتظاره و سميت هذه الشجرة ب (شجرة الانتفاضة) حتى صارت محط أنظار لجميع مرتادي منزلنا المتواضع بحي السكة حديد بمدني من الأهل و الأصحاب و بعضهم راقت لهم الفكرة فحذو حذونا في ذلك و صرنا نتبارى في سقايتها و العناية بها حتى قوي عودها و اشتد كيف لا و هي تمثل ما تمثل من معان و اذكر جيدا ذلك الحوار بين الوالدة و أخي الأصغر:
يا ولد جيب الجردل من الحوش التاني ..
وين يا أمي ؟؟؟
حتلقاهو جنب شجرة الانتفاضة
تأملوا كيف كنا و أين صرنا الآن
الشاهد انه في مساء التاسع و العشرون من يونيو 1989 سقط فرع من هذه الشجرة بفعل رياح الخريف فشعرت بانقباض خفيف و كانت المفاجأة و الفاجعة في اليوم التالي ففي عصر الثلاثين من يونيو هبت رياح شديدة حيث انه موسم الخريف و سقطت الشجرة بكاملها لتزيد من انقباضي و حزني و خاصة بعد البيان المشئوم الذي استمعنا إليه في صباح ذلك اليوم الأسود .
عجبا !! هل أبصرت تلك الشجرة و وعت ما يحدث لتعبر عن هذا الاحتجاج الصارخ و الانتحار الثائر كأنها أرادت أن تقول سأموت قبل أرى ما سيحدث لان القادم مر و لن احتمله . و عم الذهول و الدهشة أفراد البيت مما حدث و كذلك الآهل و الأصحاب و الأصدقاء و هم يشهدون على صدق ما أقول بحكم معايشتهم لتلك الأحداث و في إحدى زيارات الأخ والصديق المقرب عثمان دغيس و الذي يعمل مستشارا بالدوحة لأداء العمرة و نحن نجتر الذكريات تعرضنا لقصة تلك الشجرة وسط دهشة و استغراب الأخوة المرافقين له
الم اقل لكم إنها شجرة عجيبة ذات عز و كبرياء و لأنها تنفست الحرية و الكرامة لم تحتمل الاختناق و العبودية ...
و لكن في خضم هذه الاحباطات و الظلام الدامس أتذكر و أذكركم بدعوة الحبيب عمر الدوش عليه الرحمة:
لكن..
نحنا عشناه و مشينا
على عذاب و عذاب
دروبنا توه
و نحنا نتوه
و نفتح للأمل أبواب و أبواب
فاليأس هو الذي مكن هؤلاء للبقاء مدة ربع قرن من الزمان لأنهم أداروا هذه اللعبة بحنكة و ذكاء شديدين فإذا سأل سائل ما الذي أخر الثورة حتى الآن رغم توفر كل مبرراتها ؟ فالرد هو: انه ذلك الداء العضال (اليأس) فاذا تم استئصاله تمت الثورة

ود بدر....
[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1266

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#801576 [سالينتو]
1.00/5 (1 صوت)

10-15-2013 01:31 PM
والله مبدع بحق وحقيقه زي اخوك الطاهر ..صديقنا الجميل ...سيذهب هذا النظام

الهالك وستعود الشجره مثمرة مرة اخري ...وهكذا الزمن دوار ..


سماح الدين محمد بدر
مساحة اعلانية
تقييم
9.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة