المقالات
السياسة
ألف وردة ووردة... تشعل كوابيس الخرطوم !
ألف وردة ووردة... تشعل كوابيس الخرطوم !
10-04-2013 02:01 PM

ألف وردة ووردة... تشعل كوابيس الخرطوم !
(الورد وكوابيس الليل.. نوفيلا التشظي واللانظام)

*عبد الماجد عبد الرحمن
[email protected]
الرواية الجديدة استفادت من قصيدة النثر كشكل تعبيري سردي.. حيث اللغة المكثفة وحيث التركيز على الثيمة الأساسية للحدث.. وعلى الاستعانة بالصورة السينمائية الخاطفة والمتحركة!!.. وفي الرواية القصيدة تأتي كل العناصر الروائية كالشخصية والمكان والزمان والأشياء المحيطة والمتناثرة هنا وهناك.. الوعي واللا وعي كأنهار باطنية تملأ مساحة الرواية كلها.. وهكذا تتكون الرواية القصيدة وتملأ الآفاق.. صوراً متحركة من لا مكان وإلى لا مكان.. وكلها تتشكل في لغة جديدة تنمو كخضرة الحقول «على حد قول بورخيس».. هي رواية الجمال الأخاذ الذي يأخذك على حين غرة.. هي كتابة بلا وصفة بلاغية جاهزة.. هي فقط تكتشف نفسها.. لأنها تكتب نفسها بتلقائية شعرية كما لو كانت تنمو لوحدها وبلا مؤلف وكاتب..
(عيسى الحلو , يتحدث عن "الرواية- القصيدة" في صفحته الأسبوعية الجميلة " حكايات حاراتنا" في الرأي العام وهي صفحة ظل يبدعها بطريقته الخاصة للغاية في العديد من الصحف السودانية وكانت تتخذ في الماضي مسمى "قوة الأشياء").

"رواية ما بعد الحداثة لا تملك المعنى .. ولكنها تفبرك المعنى it doesn't make sense but makes up sense"
(الناقد تشارلز بلات Charles Platt)

مدخل نظري

النوفيلا هي (الرواية القصيرة novella).. الشكل الذي كتب به همينقواي "العجوز والبحر". ولكن الجديد هو إضافة كلمة قصيدة للرواية لتصبح (الرواية أو النوفيلا-القصيدة). هذا الشكل نجد له جذورا قديمة في "السرد الشعري" ( verse narrative) أو الشعريات السردية narrative poetics)) المرتدة إلى زمن الملاحم القديمة كجلجماش السومرية, وكالأدويسا والإلياذة الإغريقيتين, ومثل "بيولف" و"حكايات كانتربري" الانجليزيتين, ثم في موجتها الأخرى في القرن التاسع عشر. ولكن هذا الشكل (النوفيلا-القصيدة) يختلف الآن.. إذ أنه يأتي ضمن مظلة ما بعد الحداثة, والتي من أهم ملامحها ظاهرة (تسييل الأجناس الأدبية وفتح الحدود البالية بينها ) ! ومنذ نهايات الثمانين ظهر هذا الشكل (الرواية-قصيدة النثر) وأحيانا تسمى (قصيدة النثر-الرواية) في أوربا وأمريكا وأمريكا اللاتينية. غير أن هذا الشكل- الذي يمزج ملامح قصيدة النثر بخصائص الرواية الجديدة بحيث يصبحان شكلاً فنيا جديداً واحدا ومتعددا في آن- بدأ يصعد بشكل جاد منذ وسط التسعينات وبدايات هذا الألفية الجديدة, ومن نماذجه رواية الكاتبة ليز روزنبيرج Liz Rosenberg بعنوان (17) صدرت في أمريكا في 2002- وهي عبارة عن مجموعة من قصائد النثر التي تشكل في كليتها رواية , ورواية أخرى للكاتب جيمي ايردل بعنوان (قصيدة نثر-رواية) التي صدرت في 2009 . وفي السودان يعتبر عيسى الحلو من أكثر الكتاب وعيا بهذا الشكل الجديد, بل ومن أول من طرقوه على الإطلاق. وقد لا يكون الكاتب ملما بهذا الشكل من الناحية النظرية, ولكن أعتقد أن ثمة ثلاثة مؤثرات قد يكون لها دورا في تبنيه لهذا الشكل: 1. خبرة الكاتب الكبيرة بأشكال الكتابة السردية ومعرفته بمحطاتها المختلفة عالميا 2. القلق التجديدي والتجريبي الذي عرف عن الكاتب. 3. اهتمام الكاتب بقصيدة النثر في السودان وقربه من بعض أبرز كتابها ونقادها (محجوب كبلو- محفوظ بشرى , مثلاً). هذه العوامل شكلت أساس رؤية عيسى الحلو الجديدة التي تتجلى الآن في تبنيه لكتابة هذا الشكل الفني الجديد (الرواية-القصيدة أو رواية قصيدة-النثر) !!

كولاج.. الحقيقة واللاحقيقة أوالحقيقة والحقيقة المفرطة Reality & Hyper-reality

" لا توجد حدود واضحة بين الواقعي وغير الواقعي.. ولا بين الحقيقي وغير الحقيقي .. فالشيء ليس بالضرورة أن يكون فقط هذا أو ذاك , إذ من الممكن أن يكون الاثنين معاً" (هارولد بنتر .. الكاتب البريطاني الذي نال نوبل في 2005).

يواصل الحلو مشروعه الروائي الجديد (وكلمة مشروع تعني أن العمل مفتوح وغير منتهٍ بطبيعته.. ولذلك فلا يوجد مشروع, طالما استحق صفة " مشروع project", يمكن أن يكون منتهياً أصلاً) الذي بدأه منذ الستينات ورفده بشكل خاص وجديد منذ التسعينات بدءاً بروايته "صباح الخير أيها الوجه اللامرئي الجميل 1997" , ثم روايته " عجوز فوق الأرجوحة 2010" ومجموعاته القصصية الجديدة منذ التسعينات وأوائل الألفينيات مثل (رحلة الملاك اليومية) (وقيامة الجسد) وغيرها. محطته هذه المرة رواية جديدة بعنوان " الورد وكوابيس الليل", التي صدرت هذا العام 2013 , عن دار مدارك ذات الجودة و التصاميم الرائعة .

فصول الرواية التسعة تتشكل وتتقطع وتتلاشى وتتكسر كالموج على شواطئ الفراغ و اللامعنى واللانهاية. شخوص مـتأزمة وملتبسة ومبلوطة بكل الهموم والمتاعب الكبيرة (عبد المنعم ياقوت وسعيد كمال وراقية عيد الجليل وروجينا.). يعيشون حياة مضطربة ملتجة.. تخيطها المعاناة وتلفها المحن .. وتحوطها التناقضات .. ثم يذهبون في النهاية جميعاً هناك.. بعيدا في فراغات الأبد..تاركين وراءهم أسئلة عريضة.. لا تدري إن كانوا يأتون هم من الأحداث أم تتشكل منهم الأحداث.. ولا تدري أين هي البدايات ولا أين هي النهايات . . لا شيء ثابت لا محاور ولا ارتكازات .. فالدوران المستمر هو عماد الرواية ومادة اشتغالها الدائم !!
عبد المنعم ياقوت.. ثقل الواقع .. وخفة الشكل-الكائن

أهم ما يلفت قارئ الرواية شيئان : كثافة الواقع وثقله وقسوته وعنفه مقابل شكل روائي خفيف وشفيف وهفيف يتخذ شكل (النوفيلا – القصيدة).. كما أشرنا.
ينوء (اللابطل) الرئيس في القصة (عبد المنعم ياقوت) بكل فداحة وقسوة وعنف العقدين الماضين في السودان : الحروب التي تفتك بالبلاد بكل جديتها في العبث والتدمير و"بهجة" التشظي واللا أفق .. الفساد الذي ينخر عميقا في تجاويف المادة و خلايا الروح..الوطن الذي يدمن حالة (اللاوطن) .. السلاح الذي يمشي بين الناس.. أطراف البلد التي تلتهب ثم تلتهب ثم تشتعل فتنفصل فتدور وحيدة في (زمانها الخاص) .. (عبارة الحلو الأثيرة).. يرمز إلى ذلك بأطراف روجينا الصناعية وهويتها الملتبسة ورهقها وعينيها اللتان تبرقان بالأسئلة الكبيرة. لا يملك الرجل الغامض عبد المنعم ياقوت إزاء كل هذا العبث, إلا أن يتمدد طويلاً وعميقا ويملأ مساحة الوطن كله ويصعد في النهاية "مسيحاً" في السماء ..
أول مرة نقابل فيها هذا (اللابطل) عبد المنعم ياقوت, يأتينا وصفه كالآتي" لم يكن أحد قد رآه. إلا أن كل اللذين يتسقطون أخباره يملكون جميعهم صورة ذهنية عن الرجل وهي من صنع خيالهم. ولا أحد يستطيع نقل الصورة الحقيقية للرجل... وتحول إلى رمز وأسطورة...هو ذاك الذي اثر في حيوات كل الذين كانوا حوله.."(ص.7).. وآخر مرة نشاهده وهو جثة هائلة الضخامة وهائلة الجمال والنبل في نفس الوقت "فالرجل يشع نورا وجمالاً وبهاءاً. فهو موكب من الجمال والإشراق والنبل.. وصدره العالي مثل جسر نهري يمتد حتى الحدود الجنوبية..يصل الذراع الأيمن إلى مدن الغرب القصي حتى الجنينة .. والذراع الأيسر يصل شرقا إلى سواكن وبور تسودان" (ص. 103). وما بين ذلك وذلك , نراه مرة في شكل بطاقة في إحدى غرف جهاز الأمن, ملتبسة مع بطاقة شخص آخر (سعيد كمال) تقول بياناتهما أن كليهما من وسط السودان ومن مواليد ( 1940) !! وما بين مولده وصعوده في السماء, يظل الرجل ملفوفا في غيابات الغموض , وان كان دائم الحضور والتأثير في الرواية.

عبد المنعم ياقوت يحمل كل معالم "اللابطل" الروائي.. فهو شخصية مركبة تركيب الواقع السوداني ومعقدة تعقيده. وهو لا يتطور بشكل منطقي لأن هذا الواقع المركب نفسه يفتقر في معظم جوانبه للمنطق .. يتم وصف عبد المنعم باستمرار و تتم مراقبة حالته عن كثب.. وفي الآن نفسه, فلا وجود مادياً محدداً للرجل "لقد صنعوه من مادة الوهم, وليس من مادة الخيال. فهو مصنوع من المخاوف والأحلام والأشواق والإرادات" ( ص.30) وهو ملتبس مع شخص آخر يدعى(سعيد كمال) يجيء أقل كارزمة منه, ولكنه يضفي على هذا (الياقوت) مزيدا من التركيب والغموض ومزيداً من التجلي. وفي مقابل أو تواطأ التباس (عبد النعم) و(سعيد), يوجد التباس وغموض آخر بين (راقية عبد الجليل وروجينا).. وهنا يمارس الحلو لعبته المفضلة (التباس الهوية وتعقدها) .. والتي ستأتي بتفصيل أكثر في فصل لاحق !

الميتا-سرد .. تكنيك الأقنعة والغوص العميق

من مظاهر السرد الجديد, خاصة في تجليه ما بعد الحداثوي, بالإضافة لفكرة (التشظي) المركزية.. توجد سمتان : اللعب باللغة language play والميتا-سرد meta-narrative(سرد السرد أو الكلام عن السرد الذي يأتي خلال السرد وعبر التكشف السردي نفسه). وفي حين يجيد بشرى الفاضل (اللعب باللغة ), فان الحلو يجيد الاشتغال على ملمح الميتا-سرد. ويتخذ من شخصية عبد المنعم ياقوت تجسيداً لهذا الملمح "فسرد حالته هنا.. يأتي أيضا متقطعا وغير منساب في تراتب زمني منطقي متجانس. وذلك بسبب الطريقة التي ترى بها المدينة عبد المنعم ياقوت. فهي تصوره عبر خيال يأخذ مادته من (الواقعي) وما فوق الواقعي..من الماضي ومن الحاضر فيما يشبه الرؤية السريالية للواقع. ولكنها ليست سريالية بيكاسو أو دالي , هي أقرب إلي سريالية الروائي الألماني جنتر جراس, في روايته (الطبل الصفيح). وتختلف قليلا جدا عن واقعية رواية أمريكا اللاتينية عند ماركيز أو ستورياس. كما تأخذ من الطيب صالح وإبراهيم اسحق غنائيتهم الريفية. ومن بشرى الفاضل تعبيريته السحرية. ومن شوقي بدري تأخذ واقعيته الفجة والمباشرة التي تشبه كتابة (العرض حالات). هي أقرب إلى واقعية ود ضيف الله" (ص.30). وفي مقطع آخر يقول أحد شخوصها الغامضين كزرقة البحر وكصفرة الرمال " حاولت أن أتحرر بالكتابة, ولكني وجدت نفسي داخل هذه الفقاعة(الكذبة) المليئة بالهواء والفراغ والثرثرة...أمسك بالقلم .. وأحاول أن أسرد الحكاية ..ولكن الأصوات ما تزال تثرثر . ويزدحم المشهد .. ويتحول حضوري إلى غياب" (ص. 97). الميتا سرد آلية أو تكنيك للكشف الروائي عن الحقائق والانغماس عميقاً في سراديب الأفراد والأشياء والمكانات والأزمنة.
• من الضروري , التنويه هنا أن استخدام مصطلح .. الميتا-سرد ( meta-narratives/grand-narratives) يختلف من المعنى المعروف في أدبيات ما بعد الحداثة والذي سكه الفرنسي ليوتراد Loytard وهو يشير إلى رفض ما بعد الحداثة "للنظريات الكبيرة" التي تدعي الشمول في تفسير الظواهر الإنسانية (الفرويدية مثلا في تفسير السلوك الإنساني, أو اقتصاد السوق لحل المشكلة الاقتصادية الكونية, أو حتى مثل "نظرية المؤامرة" الفجة التي تعتقد أن التاريخ كله, لا يعدو أن يكون سلسة من المؤامرات التي تحيكها غرف أجهزة المخابرات) ويقترحون بدلا عنها التعدد النظري في تفسير مشكلات العالم وإنشاء النظريات الصغيرة ذات الحساسية السياقية ( localized narratives). ونستخدم "الميتا-سرد" هنا بمعنى تكنيك سردي يتجلى عندما يلجأ الراوي(الصوت) إلى محاورة نصوصاً سردية معروفة داخل نصه السردي, وهنا قد ينطوي هذا الاستخدام على بعد نقدي, أيضا , مثلما رأينا الراوي هنا يصف أسلوب شوقي بدري بأنه (واقعية فجة) وأنه أشبه (بكتابة العرضحالات) !!

تقمص الأرواح .. ولعبة الهوية والفقاعات..

" أدير محرك القوقل كل يوم لأبحث عن نفسي في القوقل وأعرف من أنا " (جارود كينسز, مواطن أمريكي) !
" الحفاظ على الحرية في العصر الحديث, يقتضي الإيمان بالهويات المتعددة" (رالف ايمرسون)

هي لعبته الأثيرة. معالجة الكاتب السردية لإشكالية الهوية ظلت على الدوام حاضرة ومتقدمة0 فهويات الشخوص هي دائما هويات معقدة ومتعددة ومتنوعة ومتحركة بشكل مستدام. وداخل هذا المنظور الروائي(وهو ينسجم الآن مع نظرية الهوية الجديدة في العلوم الإنسانية الحديثة- كما في مثلا, كتاب نورتون عن الهوية من وجهة نظر بعد-بنيوية 2000 , وككتاب جون ادواردس " اللغة والهوية" الصادر من جامعة كيمبردج 2009). يملك الأفراد مساحة خاصة لصناعة هوياتهم بأنفسهم ويملكون تغيرها وقتما شاؤوا وكيفما رغبوا !! في عالم اليوم الأفراد دائمو التغيير .. فهم يغيرون أمكنتهم وأشكالهم وألوانهم وعملهم وجنسياتهم ومواقفهم ويغيرون جنسهم ( trans-genders), ويكتبون بألقاب وأسماء وهويات مستعارة على الانترنت.. وهكذا صارت الهويات نفسها تأخذ شكل التغيير الدائم , وفي الوقت نفسه تأخذ شكل الاختيار الحر !!

يمارس شخوص الرواية لعبة معقدة هي أن يتقمصوا جميعا روحا واحدة .. هي في مجموعها روح الشخص الغامض الذي يأخذ اسم (عبد المنعم ياقوت). .. فروجينا وراقية وسعيد يختارون جميعا أن يصيروا هم (عبد المنعم ياقوت) ".. نصبح أربعتنا روحا واحدة... نصبح عبد المنعم ياقوت .. فتتطابق هويته مع هوياتنا... بحيث تصبح الذات الخاصة بكل منا هي الذات الرباعية الأبعاد" (ص.58). ورغم هذا الاندغام الروحي الرباعي الطوعي في روح(عبد المنعم ياقوت) .. تظل كل من الشخصيات الثلاثة تبحث لاهثة وباستمرار عن ذاتها في هذا (الياقوت) الذي لا وجود ماديا له.. رغم كونه مركز الشغل كله في الرواية.. إلا حين يموت, وحتى حينما يموت فان جثته تتمدد وتستطيل بمساحة السودان وتصعد إلى السماء وتتطاير في مشهد سريالي يشهده جميع السكان, في دهشة وحزن عظيمين!

لعبة التقمص هذه.. تحيل إلى معان عديدة .. على مستوى الأفراد وعلى المستوى الجمعي , وعلى مستوى المكان الذي يدور ويدور وينكمش ويتشظى ويصبح مكاناَ "فارطاً" (هايبراً nonplace/hyperplace)00 وتتحول عناصره المادية كلها إلى ضوء خفيت وشفيف عبر شفافيات عرض متنوع ومستمر .. تتحول فيها اللغة إلى عذوبة محضة.. والعالم إلى (فقاعة) كبيرة يلعب بها الأطفال.. ويتحول البيت الصغير الغامض الذي تسكنه الشخصيات الأربع, ويأوي إليه هذا الشبح "عبد المنعم ياقوت" بين الفينة والأخرى, إلى "فقاعة صغيرة" وسط النهر"مليئة بالصخب والجنون والليل" وأربعتهم, يحثلون عميقاً في حمى الجسد ويعطنون أنفسهم في شلالات الموسيقى وإيقاعات الفالس, و يتحولون إلي " وجوه مجهولة وسط الزحام.. تلتقي بلا سبب .. تفترق بلا سبب.. تدفعهم رغبة عارمة بأن يسافروا في المجهول والغيب"! (ص.25-26). وتأخذ صرخاتهم شكل "ألم الجرح القديم " وصيغة "الحلم الطازج" الخارج لتوه كوردة أبدية من براعم النفس ومن أعماق الجمال. وكلما تشظى المكان في الفقاعة الصغيرة (منزل الأربعة) أو الفقاعة الكبيرة (العالم) تتزايد النبرة الشعرية للرواية, في محاولة لا تفتر للامساك بهذه (الفقاعة), ويتماهى صوت الراوي نفسه مع (الفقاعتين) بحيث يذوب فيهما تماما ويمسى شعراً خالصاً وخيالاً مطلقاً وغناءاً لازوردياً شفيفاً.. فالفقاعة حيثما ترد في الرواية , إذا هي (المعادل الموضوعي)- إن أردت استدعاء مصطلح ت. س. اليوت- تشكل معادلاً للتشظي المكاني والتشقق النفسي والوطني.

خاتمة

رواية (الورد وكوابيس الليل ) للكاتب عيسى الحلو, الصادرة هذا العام 2013عن دار مدارك , تجترح إطارا روائيا مستجداً جداً.. هو إطار (الرواية-القصيدة) أو (الرواية-قصيدة النثر), وهو شكل , يقتضي بدوره ثقافة قرائية ونقدية سودانية-عربية جديدة لفن الرواية , وللأدب على التعميم !! وهي تباشر, أيضاً, شكلاً يحاول بقوة, كشف واستيعاب تحولات الواقع السوداني المفزعة خلال العقدين المنصرمين, والتي تحيل بدورها- في ميزان المعرفة السردية- إلى تحولات عالمية كبيرة وارتجاف كوني كبير ينتظم العالم !!

* كاتب وأكاديمي سوداني , مقيم بالسعودية
(جامعة المجمعة)

تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1460

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#791472 [عدلان يوسف]
0.00/5 (0 صوت)

10-06-2013 01:35 AM
أخي عبد الماجد

طيبات التحايا ...

وشكرا لاهتمامك بالرد على ما أثرناه وهذا أمر نادر بين كتاب الراكوبة ، فأكثر من يوجه إليهم

النقد من كتاب المقالات يولون الأدبار ... معتقدين أنهم أعلي مقاما من كتاب التعليقات الذين

يكتبون في الأسفل ، بينما هم هناك فوق في " العلالي " ... علما بأن بعض التصويبات التي تذكر في

التعليقات تختص بتصحيح معلومات لا تقبل الجدل ... مثل التصحيح الذي حاولنا أن ننبه إليه من

كتب منساقا وراء خطبة دينية لا عقلانية أن 75% من الجيش الإسرائيلي أولاد سفاح .. وذهب التصويب

أدراج الرياح لأن صاحب المقال الهمام يعتقد أن أوهامه هي الأبقى ..

ما علينا ..نرجع لموضوعنا ..

كتب د. عبد الماجد :"علينا , التركيز على النصوص, في النهاية, كما تقول الحكمة النقدية, وإلا

كنا نقادا تقليديا , نهجم على الكاتب ونترك نصوصه " ...

وهذه مغالطة سفسطائية فالتعليق لم يقل قط بعدم الاهتمام بالنصوص .. .. وقد كان اهتمام كاتب

هذه السطور بنصوص عيسي كبيرا.. بل خص نصوصه باهتمام عميق في رسالته للدكتوراه ، وفي كتابه

النقدي عن السرد القصصي الذي أصدره بعد ذلك ... وكان من الداعين لتكريم كاتب هذه النصوص في

عدد من المحافل من بينها تكريمه في كلية الموسيقى والدراما في احتفالية بعنوان :" أربعون

عاما من الكتابة"قبل سنوات قلائل قبل أن يلفظنا سودان الإنقاذ خارجه ...

تعليقي ركز أساسا على سؤال : الموقف الشخصي للكاتب تجاه قضايا الوطن؟؟!!

فعلك تذكر أخي الفاضل الكريم أن جابر عصفور رغم نصوصه النقدية والتنويرية التي تتلمذنا عليها

سنينا عددا سقط سقطته المدوية تلك أيام استلم وزارة الثقافة بينما كان الشعب المصري يُحصد

برصاص حكومته....

ولعلك تذكر أخي الكريم أن شتاينبك سقط سقطته المدوية تلك عندما أيد سقوط القنبلة الذرية على

اليابان ..

أنا لا أتحدث عن النصوص يا عزيزي ... بل أتحدث عن مواقف أصحابها..

فعلك تذكر في المقابل أن سارتر صاحب النصوص العظيمة كـ" الوجود والعدم " .. هو نفسه الذي حمل

السلاح دفاعا عن باريس في وجه النازيين ...

إلخ إلخ إلخ ...

في زمن الأزمات العظيمة ياعزيزي عبد الماجد فإن دور المثقف يجب أن يكون بارزا وعظيما ..

وفي زمن القهر والظلام والكبت والفساد والتفكك فإن كلمة لا القوية من فم المثقف لها قيمة لا

تقدر بثمن .....

ولذا ثمة كتاب لم يديروا وجوههم عن الظلم قط ..

ولم يقولوا زورا أنهم لم يروه .. بل واجهوا الغول وحاشيته بالقول الساطع : لا.. قوية واضحة ..

كتاب أمثال :محجوب شريف ، وحميد ،والقدال ، .. والقائمة طويلة طويلة..

وكتاب أرتأوا أن يطاطئوا رأسهم للغول ، أو يتظاهروا بعدم رؤيته مثل : محمد إبراهيم الشوش ،

وخالد المبارك ، وعبد الله علي إبراهيم إلي آخر قائمة العار ... نقولها بهذا الوضوح احتراما

للدم الزكي الطاهر للشهداء الذي اغتالهم رصاص النظام .. واحتراما للمعتقلين ، والمعذبين ،

والمنفيين ..

أما مقولة الشهيد عبد الخالق " الوعي ما استطعت " فقد استخدمتها في تعليقك في غير سياقها ،

فقد قدم عبد الخالق الوعي للشعب السوداني عبر حراكه المستمر ، ونضاله الثوري ، وتكريس حياته

للعمل العام ، وكذلك نصوصه أيضا ! مما لا ينطبق على صاحبك ..بمعني أن مقولة عبد الخالق تطابق

أفعاله..

أخي عبد الماجد سؤالي لا زال قائما ..

إلا إذا كنت تري أن علي الكاتب أن يقدم نصوصا جميلة .. ويتناسي دم الشهداء الذي يسيل على أرض

الشارع المجاور !!!



وآخر كلامنا :

اللهم اكفني شر أصدقائي أما أعدائي فأنا كفيل بهم !


#790794 [عبد الماجد]
0.00/5 (0 صوت)

10-05-2013 12:04 PM
( الوعي .. بقدر ما استطاع) !!!

+ شكراً لك .. صديقي عدلان على التفاعل مع المقال, وبالطبع فهذا التفاعل, متوقع من شخص مثلك يمارس الكتابة
و النقد, وتقلقه قضايا الفكر والأدب وآلام الثقافة...وكان, إلى وقت قريب, شاعراً مجدداً, قبل أن يهجر الشعر ( ربما حردا .. أو دبرسة من طول مكوث الشمولية والأوضاع السياسية- الثقافية القاهرة في السودان ).

+ عندما سأل نميري , وهو يرغي ويزبد, عبد الخالق محجوب, في محاكمات الشجرة الشهيرة, بعد فشل 19 يوليو (ماذا قدمت يا عبد الخالق للشعب السوداني؟؟؟) .. أجاب عبد الخالق بهدوء ورزانة ( الوعي.. بقدر ما استطعت!!!). وهي إجابة , من فرط عمقها وبلاغتها وحكمتها, سارت بذكرها ركبان المثقفين السودانيين, عبر الأزمنة !! ذهب نميري يلفه النسيان, وبقي (الوعي) !!!

+ لعلك تدرك أن سؤال, المدارس, النمطي : أجب بلا أو نعم ؟؟ ليس منا سبا في مقام تأمل حصاد كاتب عريق وعريض مثل عيسى الحلو !! حسب عيسى الحلو أنه قدم (الوعي .. للثقافة السودانية .. بقدر ما استطاع!!). من ينكر إسهامات عيسى الحلو في الصحافة الثقافية في السودان, عبر حقبها المختلفة وخلال ظروف غاية في التقلبات والسوء ؟؟؟ لماذا هذا التنكر.. أخ عدلان ؟؟؟ (ملف الآداب والفنون , في السبعينات, الذي كان يشترك معه فيه محمد عبد الحي.. والذي كان في جوهره معارضا لديكتاتورية نميري, يقدم وحده أكبر مرافعة عن الكاتب ).. وكذلك كانت كل الملفات التي أشرف عليها الحلو .. !!! ( كان نميري يقرأ جريدة الأيام ويقول أنه لا يفهم " الملف الثقافي", فيتجاوزه إلى الرياضة, وكان عيسى الحلو سعيدا بذلك.. ويقول أن هذا دليل على أنه ملف جيد... طالما أن نميري لم يفهمه !!)

+ من البدهي, أن المبدع رافض بطبية تكوينه للديكتاتوريات والقهر السلطوي والمظالم الاجتماعية , ولكنك لا تتوقع منه إيقاعا مثل إيقاع أركان النقاش أو ميادين الربيع العربي.. خاصة إذا كان ممن ينزعون نحو آفاق التجديد !!! ولعل هذا هو السبب الذي جعل محمود درويش كلما كبر ونضج فنيا , ابتعد من إيقاع (سجل أنا عربي) الهادر , حتى وصل "كزهر اللوز.. أو أبعد)!!

+ ثم علينا , التركيز على النصوص, في النهاية, كما تقول الحكمة النقدية, وإلا كنا نقادا تقليديا , نهجم على الكاتب ونترك نصوصه. أنا مثلا , لا تعجبني أبدا, مواقف محمد محمد خير , وتحولاته السياسية المحيرة, لكنني مضطر للاستمتاع بكتاباته, فهو أحد أبرع الكتاب ( خاصة في مجال المقال الصحفي السياسي-الثقافي وكتابة اليوميات) !!

+ بالطبع ليس المقصود, هنا النسبية المطلقة, فالنسبية أيضا حدودها !!

+ عدلان... ناهض الديكتاتوريات والقهر الاجتماعي, بطريقتك , ودع عيسى الحلو يناهضها بطريقته الخاصة وبإيقاعه الخاص , (فكل كاتب معلق من أسلوبه ورؤيته) !!!


#790429 [عدلان يوسف]
5.00/5 (1 صوت)

10-05-2013 01:44 AM
كلاب لهب في الحيْ
ضربوا الرصاص الحيْ
يا الأمُّو قالت حيْ
جناكِ ما ماتْ .. حيْ!

من شعر عبد المنعم الجزولي

كتب الشاعر فضيلي جماع في موضع آخر من راكوبتنا العامرة في مقاله الجميل "جنباً إلى جَنْب ..

الشِعْرُ والثّورة! ":

" فالحقبة التي عشناها تحت مظلة الإنقاذ لا تحتمل اللون الرمادي . كان لابد لكل مبدع أن يحدد

موقفه بوضوح مما يجري في بلادنا .. فالمسألة من الوضوح بحيث لا تقبل الحياد."

والسؤال موجه الآن إلى القاص والروائي " عيسى الحلو :" عبر الناقد عبد الماجد عبد الرحمن :"

ما موقف عيسى الحلو الوطني تجاه ما جرى ويجري في بلادنامنذ الستينيات إلى الآن " ؟؟!!

والسؤال لايحمل أدني مزايدة وطنية ... وهو موجه بالضرورة إلى عدد من المثقفين والكتاب

السودانيين ـ لا أود سرد قائمة بأسمائهم ـ ... والرجاء من الأخ عبد الماجد أن كان يملك الإجابة

التبرع بها إلينا بشفافية ، ونقاء ضمير نقدي ، ووضوح لايحتمي بدروع اللغة ومتاهاتها .. ودمتم


عبد الماجد عبد الرحمن
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة