في



المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
خالد التيجاني النور
جدل الوحدة والانفصال.. حقاً من يقرر المصير؟ا
جدل الوحدة والانفصال.. حقاً من يقرر المصير؟ا
06-10-2010 01:17 PM

نص رأي

جدل الوحدة والانفصال .... حقاً من يقرر المصير؟

خالد التيجاني النور

لعل التطور الأكثر أهمية الذي طرأ أخيراً في شأن جدل الوحدة والانفصال بين يدي استحقاق تقرير المصير الوشيك خروج الرئيس عمر البشير إلى العلن بموقف شديد الوضوح منحاز لقضية الوحدة بلا مواربة ومنذر من عواقب ومخاطر الانفصال الوخيمة على البلاد. صحيح أنها ليست المرة الأولى التي يعلن فيها البشير عن موقف مشابه مما يجعل البعض قد لا يرى فيما أعلنه أمام مجلس شورى المؤتمر الوطني الاسبوع الماضي بهذا الخصوص ما ينطوي على شيء جديد، غير أن قراءة هذا الموقف في ظل المعطيات السياسية الراهنة وتوقيت الإعلان عنه تجعل لهذا التطور معنىً ومضموناً من الممكن أن يسهم إذا أحسنت إدارته السياسية أن يُفضي إلى تغيير درامي في المشهد السوداني يغير مسار خريطة طريق عملية السلام المستندة على تسوية نيفاشا التي تكاد تشير إلى أن الانفصال اصبح أمراً حتمياً.
والسؤال الذي يُطرح هنا: ما الذي يجعل لموقف الرئيس البشير الذي أعلنه أمام شورى حزبه الأيام الماضية يكتسب أهمية خاصة؟. ليس سراً أن موقف المؤتمر الوطني من قضية الوحدة ظل طوال الفترة الماضية منذ توقيع اتفاقية السلام الشامل متسماً بقدر كبير من الغموض والإلتباس، ولا نتحدث هنا عن التعهدات المكتوبة في الاتفاقية أو التصريحات العابرة بقدر ما نشير إلى الممارسة السياسية الفعلية، إذ بدا تحرك المؤتمر الوطني في اتجاه تغليب خيار الوحدة يشوبه الزهد وبدا أقرب لأداء الواجب أكثر من كونه حراكاً إيجابياً يدفع باتجاه تحقيق الشروط الموضوعية المفضية لتغليب خيار الوحدة الطوعية. هذا إن لم نشر إلى ما يتداول على نطاق واسع من أن نافذين في الحزب الحاكم يشجعون أو يقفون من طرف خفي وراء دعوات الانفصاليين الشماليين الذين برزوا فجأة في المشهد السياسي.
ومن هنا فإن إعلان الرئيس البشير عن موقف واضح منحاز لصالح الوحدة في هذا التوقيت وإن جاء متأخراً إلا أنه يمثل تطوراً بالغ الأهمية من شأنه الإسهام في تحرير المؤتمر الوطني من هذا الموقف السياسي السلبي تجاه قضية الوحدة الطوعية، كما يقطع الطريق أمام دعاة الانفصال من الشماليين المقربين من قيادة الحزب الحاكم، كما أنه شرط لازم لتحريك بقية القطاعات والقوى السياسية في الساحة السودانية باتجاه دعم خيار الوحدة.
وموقف الرئيس البشير يمثل تجاوباً مع ما طرحنا هنا منتصف فبراير الماضي في مقالة بعنوان «التفاوض حول سقف مفتوح للوحدة هل ينقذ البلاد من التقسيم؟» وأشرنا فيه إلى أن المؤتمر الوطني ملزم بالتوقف عن التعامل بمنطق الاحتمالات مع الاستفتاء على تقرير المصير بلسان يقول «إذا صوتم للوحدة مرحباً، وإذا قررتم الانفصال سنعترف بكم» لأن ذلك لا يمنح أية قيمة سياسية إضافية، أو أخلاقية للمؤتمر الوطني إن كان يريد إظهار التزامه بنصوص الاتفاقية، لأن اتفاق مچاكوس الإطاري الذي أقر معادلة الوحدة والانفصال عند الاستفتاء، أقر انحيازه بوضوح لخيار الوحدة الطوعية، بل ذهب أكثر من ذلك عندما اعتبر العمل من أجل الوحدة الجاذبة أمراً ملزماً للطرفين. ولذلك فالدعوة للوحدة والعمل من أجلها ليس خياراً لطرفي الاتفاقية بل واجب على الشريكين، وإن قعد عن ذلك احدهما فإن ذلك لا يمنح مبرراً للطرف الآخر للتقاعس عن مسؤوليته.
واهمية موقف الرئيس البشير في هذا التوقيت بالذات يأتي من أن المشهد السياسي السوداني بات يرسل إشارة واضحة وبالغة الخطورة مفادها أن «قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان»، وأن قضية الانفصال أصبحت مسألة وقت لا أكثر.
وثمة فارق كبير بين الحرص على إجراء الاستفتاء على تقرير المصير باعتباره حقاً دستورياً يجب احترامه والوفاء به، وبين استباق نتائجه بالقفز إلى خلاصة تحدد سلفاً قراره النهائي دون الاستناد إلى مبررات موضوعية وعلى الرغم من أن الحق في تقرير المصير متروك لرأي مواطني الجنوب فإن النخب الجنوبية أو الشمالية هي في الواقع من تقرر بالنيابة عنهم، وانهم في نهاية الأمر سيساقون لشرعنة قرار الطرف الأقدر على فرض خياره المسبق.
ومن المؤكد أن إشاعة خيار الانفصال في المشهد السياسي السوداني
باعتباره قد أصبح أمراً واقعاً مستبقاً حدوثه فعلياً أثار مخاوف وهواجس لا حدود لها، خاصة أن الترويج للانفصال باعتباره أضحى تحصيل حاصل لا تقوم به النخبة الجنوبية التَّواقة لاستقلال الجنوب فقط، بل يشاركها في ذلك نخبة معتبرة في حزب المؤتمر الوطني الحاكم نفسه، وفي بقية القوى السياسية الساعية في مجاملة نخبة الحركة الشعبية الساعية لتغليب خيار الانفصال، أو خضوعاً يائساً للأجواء المشاعة بأن الانفصال أصبح قَدَرَاً مقدوراً.
والأمر الثاني الذي يمكن أن يعطي معنىً لموقف البشير ليس طغيان الأجواء المشجعة لانفصال الجنوب الوشيك فحسب، بل كذلك حالة الاستسلام التي غشيت الطبقة السياسية السودانية على مدى طيفها لهذا الواقع المفترض ورفع الراية البيضاء في معركة الرهان على إمكانية الحفاظ على وحدة السودان طوعياً، ودون إبداء أي استعداد جِدِّي لبذل غاية الجهد في تحقيق ذلك بدعوَى أنه قد فات الآوان، ولم يعد ممكناً فعل شيء لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وما يزيد القلق ليس فقط طغيان حالة الترويج للانفصال والاستسلام لذلك في أوساط النخبة السياسية السودانية، بل غفلة الطبقة السياسية السودانية عن قراءة التبعات والتداعيات الخطيرة لذلك، وانعكاساتها المصيرية على مستقبل البلاد واستقرارها، فضلاً عما يحتِّمه ذلك من ضرورة العمل بكل السبل الممكنة لتجنّب الوقوع في هذه الهاوية أو على أقل تقدير التحسب لمآلاتها.
تلك إذن هي خلفية المشهد الذي يجعل موقف الرئيس البشير يكتسب أهمية خاصة ليس فقط من باب التذكير بموقف الحزب الحاكم المتسمة بقدر كبير من السلبية في الفترة الماضية إزاء قضية الوحدة، بل كذلك للنظر في آفاق البدائل العملية الممكنة لاستدراك صخرة الوحدة المتدحرجة نحو هاوية تفكيك السودان وشرذمته، ليس ذلك فحسب بل كذلك إعادة توجيهها نحو معادلة سياسية أكثر فاعلية وقدرة على استيعاب تطلعات السودانيين كافة في بلد موحد ومستقر وملبياً للطموحات المشروعة لكل مكوناته، وربما تكون هي الفرصة الاخيرة لإعادة توجيه مسار التطورات في السودان بترتيبات سياسية خلاقة يمكن أن تؤدي إلى ما هو أكثر من مجرد «إنقاذ ما يمكن إنقاذه»، إلى آفاق أكثر استيعاباً لمضمون استحقاق تقرير المصير في إطار السياق السياسي الذي رسمته اتفاقية السلام الشامل،
ولعل أهمية موقف البشير بشأن قضية الوحدة ليست فقط بسبب منصبه الرسمي في قيادة الدولة، ولا لكونه زعيماً للحزب الذي يعد شريكاً أساسياً في العقل السياسي الذي أنتج معادلة السلام فحسب، بل لضرورة أن يمثل هذا الموقف تأكيداً على أنه لا يزال الأشد تمسكاً بالرؤية المركزية التي أفضت إلى الاتفاقية، وهي أنها أكثر من مجرد اتفاق لوقف الحرب، بل وصفة متكاملة لإنهاء ثنائية الشمال في مقابل الجنوب، بإيحاءاتها المختلفة، ومن مجرد ترتيب سياسي لوقف القتال إلى معادلة موزونة تتجاوز ذلك إلى أبعاد إنسانية أكثر عمقاً تسهم في بناء وجدان وطني يحصن جدار الوحدة.
ولعل هذا التطور المهم للغاية في موقف المؤتمر الوطني يشكل موقفاً سديداً أنضجته مراجعات مهمة في أروقة الحزب الحاكم، ونعيد للأذهان
عملية جرد حساب جريئة للغاية لمسار تنفيذ اتفاقية السلام، وجوانب القصور التي شابتها، كشف عنها نائب الرئيس علي عثمان محمد طه في لقاء صريح للغاية ونادر مع الإعلاميين السودانيين الذين رافقوه في زيارته للقاهرة في فبراير الماضي، وعرضنا جانباً منها في المقال المشار إليه أعلاه، والتي قدم فيها مرافعة نقدية شديدة الأهمية أضفى عليها مصداقية كبيرة أنه لم يبرئ نفسه ولا حزبه من تحمل قسط من المسؤولية فيما آلت إليه الأمور من انحراف عن تحقيق الغايات الكبرى المتوخاة من اتفاقية السلام الشامل، لا سيما ما وصفه بالفشل في تسويق البعد الإنساني للاتفاقية، وعجز الساحة السودانية بقواها السياسية والاجتماعية المختلفة عن تحويل نصوص الاتفاق إلى فعل يصوغها وجدانياً وإنسانياً. مجرياً مقارنة نادرة بين اتفاقية أديس أبابا التي نجحت على الرغم من أنها تتضمن قضايا مصيرية تجعل وحدة البلاد على المحك مثل اتفاقية نيفاشا، ومع ذلك توفر لها أن تشكل حضوراً عميقاً في الوجدان السوداني وجرى تخليدها في الذاكرة الشعبية بأكثر من وسيلة، فيما افتقرت نيفاشا لأي حظ من ذلك، وألقى بعض اللوم في ذلك على تقاعس وكسل المؤسسات الأكاديمية والإعلامية والاجتماعية عن المبادرة لاستنكاه الأبعاد المختلفة للاتفاقية واستجلاء الفرص التي أتاحتها التي يمكن أن تسهم في تجذيرها وجدانياً في نفوس السودانيين حتى أضحت اتفاقية غريبة «وكأنها صناعة أجنبية فرضت على السودان» على حد تعبيره.
وفي موقف لافت انتقد طه بشدة التيار الانفصالي الشمالي واتهمه بأنه ضرب في مقتل خيار الوحدة الطوعية وأعاق قضية الوحدة الوطنية حيث قال «للأسف إن كثيراً من الاصوات الإعلامية والسياسية ضربت أهم بعد في صياغة الوجدان الوطني الذي كان ممكناً نشوءه حول اتفاقية السلام»، ومضى اكثر «حقيقة أنا لأول مرة أقول إن الاتجاه الذي يتحدث عن الانفصال وأقام له المنابر والإعلام قد آذى قضية الوحدة الوطنية السودانية أذىً بالغاً لأنه دق إسفين الجفْوة والتباغُض بين الناس، وروَّج الشكوك حول اتفاقية السلام باعتبارها مفروضة بضغوط خارجية، وجعلت الناس بدلاً عن التفكير في تعزيز الفرص التي أتاحتها ينشغلون بالبحث عن أشياء مُتوَهَّمة واتفاقات جرى تمريرها تحت الطاولة، وأن هناك إملاءات فرضت ترتيبات معينة».
وهذه الانتقادات الصريحة وغيرها مما وردت على لسان طه، قد يذهب البعض إلى اعتبارها نوعاً من تعزية النفس وتعبيراً عن خيبة الأمل عن ما آلت إليه الأمور، وقد يراها آخرون مرثية في نعي اتفاقية السلام، لجهة أنها ربما تكون جاءت في وقت متأخر، إلا أن الراجح هو أن خطورة اللحظة السياسية الراهنة في السودان، وتبعاتها المصيرية تستدعي قدراً كبيراً من الإفصاح والإبانة بشفافية وجراءة والإشارة بوضوح إلى مكامن الخلل حتى يمكن تدراكها وعلاجها لأنه من الخطورة بمكان الاستسلام والاكتفاء بإغماض العيون عند الاقتراب من حافة الهاوية، لأن الناس في رأي طه «يمكن أن يتعايشوا حتى مع الفقر، لكن لا يمكنهم التعايش مع فقدان الأمل».
ولعل من أهم مكاشفات طه إقراره بـ«حالة الغفلة السياسية» على الصعيد الوطني بشأن الاستحقاق المصيري الذي يواجه السودان، ناعياً انشغال كل القوى السياسية على اختلاف مشاربها عن هذه اللحظة التاريخية ورؤية عواقبها الاستراتيجية، في الوقت الذي تنشغل فيه كل العواصم العالمية والإقليمية ودول الجوار بهذا الحدث المصيري، لافتاً إلى أن كل العواصم من واشنطن، إلى القاهرة، إلى بريتوريا تضيء مصابيحها في مراكز اتخاذ القرار فيها، وتضبط توقيتها على وقع حدث الاستفتاء المصيري في السودان وتداعياته وتبعاته المحتملة، فيما تبقى الخرطوم وحدها، على الرغم من أنها المعنية أكثر من غيرها بذلك، بلا رؤية ولا إضاءة ولا زمن محسوب بدقة لموعد استحقاق الاستفتاء على تقرير المصير وعواقبه. وتحدى طه أن يكون هناك أي حزب، بما في ذلك المؤتمر الوطني، يمتلك رؤية استراتيجية واضحة المعالم ومحددة الأهداف والتواقيت بشأن الاستحقاق المصيري الذي يواجه السودان، وما يجب أن تنهض به كل القوى السياسية من أجل الحفاظ على وحدة السودان طوعياً وضمانة استقراره وأمنه.
ولعل الرسالة الأكثر وضوحاً التي حرص طه على إبلاغها على خلفية مراجعته النقدية هي أن «المعركة من أجل كسب الرهان على وحدة السودان الطوعية ليست معركة خاسرة، وليست محسومة، وإن كانت صعبة»، والسؤال المطروح كان كيف يمكن تحويل الامل في الرهان على الوحدة إلى واقع ملموس في وقت الزمن آخذ فيه بالنفاد، وفي مواجهة عوائق من قبيل ما أسلفنا من الأجواء المشاعة باعتبار الانفصال أمراً واقعاً، واستسلام الطبقة السياسية لذلك الامر، فضلاً عن حالة الغفلة والزهد السائدتين في المشهد الوطني.
فقد اقترح طه حينها إطلاق حملة تتحرك فيها القطاعات الوطنية المختلفة لكسب قضية الوحدة الطوعية في الاستفتاء على تقرير المصير خلال الأشهر المتبقية من العام الجاري، مستدعياً من الذاكرة الوطنية سابقة قيادة الزعيم إسماعيل الأزهري لحشد الإجماع الوطني حول قضية الاستقلال، على الرغم من أن ذلك لم يكن موقف حزبه المنادي بالاتحاد مع مصر، وهو كان قد فاز بأغلبية برلمانية حاسمة على خلفية تلك الدعوة ولكن ذلك لم يحل دون إعادة تقييم موقفه السياسي وإحداث تحول درامي وتاريخي في رؤيته مكن من أن تنجح حملته في حشد وتوحيد الرؤية الوطنية حول مشروع الاستقلال الوطني الذي تحقق بفضل ذلك.
بالطبع ليس متصوراً أن يعيد التاريخ نفسه بالضرورة، ولكن تبقى تلك السابقة التاريخية تهدي دروساً وعِبَراً بالغة الأهمية، وأهمها على الإطلاق أن تاريخ الأمم يصنعه قادتها وزعماؤها، وكون تنال أمة ما المجد أو يلحقها الانحطاط، معلق بقدرة قادتها على اختيار المواقف الصائبة في اللحظات
الحاسمة من حياتها، ولكل مسار شروط موضوعية تفضي إليه، ودخل الأزهري التاريخ من أوسع أبوابه لأنه أفلح في لحظة تاريخية فارقة في توجيه بوصلته السياسية نحو الخيار الصائب متجاوزاً مسلمات حزبه السياسية، والدرس الآخر أن الزعيم الأزهري لم يكتف فقط بالتوجه إلى المواطنين لحشدهم لجانبه، ولكنه توجه قبل ذلك لضمان توحيد موقف القوى السياسية المختلفة خلف قضية الاستقلال، ولذلك جاء جامعاً مانعاً.
ولعل واحدة من أكثر الأمور إضراراً ٍ تجاه مسألة الوحدة تظاهر طرفي الاتفاقية، المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، باتخاذ موقف محايد شديد السلبية والإيحاء بأن قرار الوحدة أو الانفصال يتخذه مواطنو الجنوب عند ممارسة الاستفتاء على تقرير المصير، وهو أمر صحيح من الناحية الفنية ولكن سياسياً فإن القرار الحقيقي بشأن الوحدة والانفصال يتخذه القادة السياسيون وهم من ينهضون لحث المواطنين للتصويت للخيار الذين يرونه، وهذه مسألة مهمة في مقاربة هذه القضية المصيرية، فالموقف الذي أعلنه الرئيس البشير أمر ضروري، ولكنه وحده غير كاف، إذ يجب أن يعقبه عمل سياسي ناضج وجريء وعاجل لتدارك أمر الانفصال المستفحل، ومن الخطورة بمكان الركون إلى عقلية التحشيد الشعبوية باعتبارها ترياقاً لذلك، والواقع فإن آخر ما تحتاجه عملية انقاذ وحدة السودان ما يملأ الساحة هذه الأيام من تحركات باسم دعم الوحدة فيها كثيرة من المظهرية وقليل من الفعل السياسي الناضج تفتقر للذكاء والجدية والقدرة الحقيقية للتعاطي مع هذه القضية الخطيرة، ومن المهم التأكيد على أن هذه المسألة أخطر من أن تترك لجماعات اللَغْوِ وطلاب التَّكَسُّبِ السياسي. وما تحتاجه الوحدة حقاً تحركاً حكومياً مدروساً ومسؤولاً واسع الأفق مدرك لأين يتم تصويب الجهود لا بعثرتها بعمليات فهلوة سياسية وتحركات وهمية لا تجدي شيئاً إن لم تفسد الأجواء وتسهم أكثر في عدم توفير أجواء الثقة اللازمة.
واول ما تحتاجه الحكومة هو إيقاف حالة التوتير التي أضفتها على الساحة السياسية عقب الانتخابات دون أن تضع في الاعتبارات أن ذلك لا يتلاءم على الإطلاق لا مع ما يجب أن يكون عليه الحال لمرحلة سياسية جديدة يفترض أن تكون نتاجاً للعملية الانتخابية، ولا يتلاءم كذلك مع تحديات تقرير المصير الوشيك مما كان يستلزم تجاوزَ ما أثارته الانتخابات بمبادرةٍ سياسيةٍ من المؤتمر الوطني تجاه جمع الصفِ الوطني لا المضي في الاتجاه المعاكس. وترتيبُ البيت السياسي وإعادةُ جمعِ الصف الوطني شرطٌ لا مناص منه لمواجهة تحديات الفترة المقبلة.
والأمر الآخر هو التحرك لإدارة حوار جديد مع قيادة الحركة الشعبية يضع في الاعتبار تجربة وملابسات الفترة الماضية من اتفاقية السلام، والبحث عن آفاق أوسع عن سبل الحفاظ على وحدة البلاد، ومن المهم الإشارة هنا إلى ما طرحه طه من رؤية تقوم على أن الاتفاقية رسمت الحد الأدنى للوحدة الطوعية القائمة على ترتيبات قسمة السلطة والثروة، ولكنها تركت الباب مفتوحاً لحدها الأعلى بمعنى تأسيس وحدة فعلية على أسس جديدة تتجاوز فكرة جدل ثنائية الهوية، وعقلية التقاسم، إلى مفهوم يقوم على ان «الوحدة هي صياغة لوجدان وطني يبني الأمة عبر مراحل طويلة، وليست قراراً أو إجراءً تنتهي معه القضية» وأضاف طه أنه أبلغ قادة الحركة الشعبية في دعوته لبناء وحدة وطنية طوعية مفتوحة السقوف« من حقكم أن تطالبوا بوحدة بمفاهيم ومعاني جديدة وفق أشواقكم لطرح السودان الجديد، ومن حقنا أن نتحاور معكم حول السقف الأعلى المفتوح حسب أشواق الناس وتطوراتهم وتفاعلهم وحسب اختياراتهم السياسية».
تلك إذن هي الرسالة أن الأفق المتاح للوحدة أبعد من حدها الأدنى، ولكن ذلك يعني بالضرورة فتح أبواب التفاوض مجدداً على قضايا محورية وبالغة الحساسية تتجاوز فكرة القبول بثنائية الهوية التي شكَّلتْ معادلة السلام وأنتجتْ نظامين في دولة، لأن هذا الانقسام سيستمر كذلك حتى إن صوَّت الجنوبيون في الاستفتاء لصالح الوحدة.

الصحافة





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 859

خدمات المحتوى


خالد التيجاني النور
خالد التيجاني النور

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة