ملف الاستقلال
01-01-2011 03:58 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

ملف الاستقلال


ام سلمة الصادق
[email protected]

مدخل:
كنت قد أعددت هذا الملف في زمان مضى بناء على طلب من أسرة تحرير صحيفة الأمة، وقد تم نشره في جريدة صوت الأمة تزامنا مع أعياد الإستقلال السنة الماضية و كنا حينها نملك ترف المطالبة بإعادة قراءة التاريخ لإنصاف المستقيمين الذين أزاحهم ملتوون بتعبير د.النور حمد في سلسلة مقالات شيقة نشرت على الصحافة ،ينتصف بها للمربي عبد الرجمن علي طه ممن أقصوه. أما اليوم وقد صرنا قاب قوسين أو أدنى من استفتاء يؤدي غالبا لانفصال الجنوب وينذر بتفتيت أوسع لبقية الوطن فقد صارت سقوف أمانينا أكثر تدنيا تتعلق بالأمن من الجوع ومن الخوف !نعيد نشر هذا الملف اليوم أملا في مستقبل نرجو ألا يخبو ففي بقائه الحياة،و نستعين على استدراجه بالعناية الالهية واخلاص المخلصين وكلمات عالم عباس هذه:
علّمتنا يا أيها الوطنُ الصباحْ
فنّ النّهوضِ من الجراحْ
تقشّعتْ ظلماتُ هذا اللّيلِ
اخْرِجْ كفَّكَ البيضاءَ يا وطني
وأسْكِرنَا بمعجزةٍ تعيدُ لنا
الحياةَ ويستفيقُ الروحُ في الجسد العليلْ
كانت تئنُ على وسائدِ شوكها والقهرُ يوخزُها
ويُقْعِدُها التوجُّسُ
هلْ ستُوْقِظُها طبولُ العِزّ بعدَ سُبَاتِها زمَناً

ملف الاستقلال
التهنئة للشعب السوداني المعلم الذي يفاجيء جلاديه دوما بوسائله العبقرية في التغيير والتهنئة والتجّلة للأباء والجدود من الذين حملوا الوطن في حدقات العيون فهيئوا لنا وطنا اسمه السودان.
اذ نفتح ملفاتنا التاريخية لا نبتغي الفتنة ولا الإدعاء وما أردنا إلا التتبع التاريخي والرصد ومحاولة اللإيضاح ليس من (وجهة متخصصة فنعترف بذاك التقصير)! ومع علمنا أن مثل هذه الملفات لا تصلح للتداول من الهواة لكننا مع ذلك نتدرع بالشجاعة اللازمة والصبر الواجب وبأسلحة في مقدور الجميع التمنطق بها لو أرادوا! هي صدق النية والإخلاص وما قد وضح لي كمراقبة ما أصاب ويصيب ذكرى أناس، نعيش بفضلهم بعد الله وبفضل مجهوداتهم وتضحياتهم في وطن اسمه السودان من إنكار وتنكر. وأتخذ مشكاتي في الطريق الوعر سفر قيم ضخم لكاتبه الدكتور فيصل عبدالرحمن علي طه وعنوانه :الحركة السياسية السودانية والصراع المصري البريطاني بشأن السودان 1936م-1953م وهو من المتخصصين الموضوعيين في روايته للتاريخ فله التحية على أحرف من نور رصد بها أحداثا وقعت في ذلك الزمان الذي حدده .وقد عمدت في التتبع التاريخي إلى التركيز على الموقفين المحددين للحركة السياسية السودانية ما بين الإستقلال الكامل والإتحاد مع مصر بما يبرز نضالات حزب الأمة ووسائله لتحقيق هدفه الأوحد بمبدأ السودان للسودانيين ووسائله المدنية التي اتخذها من القبول بالتطور الدستوري والنضال بوسائل الزمان من صحافة وإعلام وعلاقات عامة وطرق السياسة والدبلوماسية .
السرد التاريخي:

في صبيحة يوم 1/1/1956م خرج نواب البرلمان ومعهم جماهير الشعب الغفيرة في موكب مهيب إلى سراي الحاكم العام ليشهدوا إنزال علمي الحكم الثنائي (مصر وبريطانيا)بواسطة رئيس الحكومة الأزهري وزعيم المعارضة السيد محمد أحمد المحجوب من على سارية قصر الحاكم العام وهو ذات القصر الذي أنزل من أعلى ساريته الإمام المهدي عام 1885م علم الإستعمار ليحل محله علم الدولة السودانية المحررة .وقد كان مشهدا مهيبا حيث شوهد الإمام عبدالرحمن المهدي يجهش بالبكاء حتى تعثر حين أراد التقدم مما صوره المحجوب شعرا:
أجرى دموعك دون الناس قاطبة سر لغيرك ما باحت به الحقب
وما عهدتك قبل اليوم تنتحب وأنت تجهش بالدمـــع تزرفه
فأعجب لحظة لو ينقضي العجب سبعون عاما طوتها لحظة غربت
ولا شك أن الإمام الذي جعل هدفه الأوحد وحلم حياته تحقيق إستقلال السودان ،قد كان اندفاعه في جزء منه دفاعا عن المهدية ،وكان له ما أراد في صبيحة ذلك اليوم مما شّكل لحظة درامية جسّمت أحلامه في ذروة لم يحتملها الشيخ الجليل فأجهش بالبكاء.
ونسمح لأنفسنا في هذا الموقع بانتعال حذاء الإمام (كما يقول المثل الإنجليزي) وعلى طريقة الفلاش باك نسترجع ونستدعي ما مرّ بذاكرة الإمام.. حتى تحقق الإستقلال الذي لا يمكن إجتزاؤه في المشهد الإجرائي الذي مثّله إنزال العلم مهما بلغت رمزية ذلك الإجراء وعظمته. فالإستقلال لم يكن حد ثا بسيطا عابرا تم في تلك اللحظة الميمونة، بل هو عملية تمت في خطوات متسلسلة بدأت منذ ذلك الموقف الأغبر الذي وجد فيه الفتى اليافع نفسه قبل أكثر من 69 عاما.
2 سبتمبر 1898م كانت معركة كرري والتي استشهد فيها 11ألف سوداني بينهم محمد ابن المهدي والأمير يعقوب والأمير ابراهيم الخليل والأمير عثمان أزرق ثم استبيحت أمدرمان بعد توجه خليفة الصديق غربا استعدادا للكر على العدو المتفوق تدريبا وإعدادا.بعد ذلك وقعت نكبة الشكابة في 23 أغسطس 1899م وقتل الخليفة شريف وابنا المهدي الفاضل والبشرى وأسر عبد الله والطاهر ونصر الدين(ماتوا بالسل في محبسهم في رشيد بمصر) وعلي الذي أفرج عنه في 1905م وجرح الصبي عبدالرحمن في صدره .
وفي أم دبيكرات 24 نوفمبر1899م كان في الفروة حسن الختام حيث لفظت الدولة آخر أنفاسها باستشهاد خليفة الصديق ومعه الخليفة علي ود حلو والصديق ابن المهدي وأحمد فضيل وأب جكة ،الأمير هارون بن السيد محمد –الأمير عجب الفيه، الأمير النموري وغيرهم كثيرون وقد تسائل أحد ضباط الجيش الغازي مستغربا التحية العسكرية التي أداها ونجت لجثمان خليفة الصديق ،خصمه اللدود ، فأجابه ونجت:\" أنت لا تعرف يا فتى عظمة من دفنا، ومهما كان رأينا في الخليفة ورجاله فإنهم ماتوا ميتة الأبطال\"انتهى.
وبذلك طويت رسميا صفحة ناصعة ولكن ، نرى( أن الخليفة بصموده أعطى الدعوة عمرا، ليس ماديا بل عمرا معنويا وقد أسس موقفه هذا لموقفنا الصامد الذي هو راس مالنا وأي موقف منكسر ليس لنا، لسنا أبوه ولسنا أمه. من أسس هذه الدعوة دق في راياتها اثنتين: الجهاد والاجتهاد، من تخلى عنهما ليس منا)الإمام الصادق في محاضرة الأنصارية بين الأمس واليوم.
في ذلك الموقف الذي لا يحسد عليه، وجد الفتى اليافع نفسه مسئولا عن أعداد من الأطفال والنساء هو عائلهم الوحيد بعد الكًسرة التي خلفتهم بين قتيل وجريح وسجين منفي .
منذ تلك اللحظة المبكرة أدرك الإمام أن عليه تقع مسئولية التحرير وهي عزيمة تقّوت عنده بعوامل عدة منها رؤية منامية رآها في آواخر أيام المهدية ورأى فيها أنه من سيرفع الراية إن وقعت.
وقد واجه الإمام عبدالرحمن ظروفا شديدة التعقيد وقوبل بردع لا يرحم وتجنبه الكثيرون من بني وطنه(حيث روى في مذكراته أنه ظل لمدة سنتين يمر على أشخاص يوميا في مشرع الموردة ويلقي عليهم التحية دون أن يفكروا في ردها!) فقد كانت مجرد مجاملتهم تستدعي المسائلة والتحقيق ولكن المدهش أن كل ذلك لم يؤثر عليه بصورة سلبية بل قد أدت شخصيته الإيجابية المنفتحة إلى استيعاب كل تلك الظروف المحيطة بالأمر وإخراج الصورة الأمثل للمجابهة دون صدام والإستفادة القصوى من الموقف دون استسلام وقد أدرك بذكائه اللمّاح أن الطريقة التي اتبعها والده للتحرير لا تصمد مع آليات الحرب التي تطورت بقيام الحرب الكونية الأولى في 1914م فصاغ استراتيجية عبقرية أثبتت جدواها وأدت إلى تحقيق الإستقلال كاملا غير منقوص في 1/1/1956م ( متل صحن الباشري دون شق أو طق) كما قال الأزهري.
تحرك الإمام العبقري في مساحات تناقضات دولتي الحكم الثنائي وتضارب مصالحهما مستفيدا من الوضع القانوني الهجين الذي انتهج على ضوء معاهدة 19 يناير 1899م والذي لم يعرفه القانون الدولي من قبل وهو عبارة عن الحل الوسط الذي طرحه كرومر ليكون السودان مصريا وبريطانيا في ذات الآن حيث رفع العلمبن المصري والبريطاني معا وقد فسر المصريون بنود الإتفاقية على أساس أن السيادة على السودان تعود لهم وحدهم ( توضح هذا في كل المفاوضات المصرية البريطانية اللاحقة فيما يخص المسألة السودانية) بينما في الواقع تنفرد بريطانيا بحكم وإدارة السودان ولم تعهد للمصريين إلا بالوظائف الإدارية الدنيا كالمأمور ونائب المأمور .
حدد الإمام منذ البداية أن الطرف الأقرب لتحقيق أهدافه(السودان للسودانيين) هو بريطانيا وليس مصر وذلك لعمري فهم ثاقب، فبريطانيا مهما كان ظلمها وجبروتها ولكنه فهِم الآليات التي تصيغ القرار السياسي فيها والذي يخضع للرأي العام ويسترضي الناخبين .وسادت في ذلك الوقت حركة تحرير الشعوب ونداءات رئيس الولايات المتحدة بحرية الشعوب كبيرها وصغيرها وبحقها في تقرير مصيرها ومبادئه الأربعة عشرالتي ضمنها لخطابه للكونجرس وفيها نص لانشاء رابطة عامة للأمم بغرض توفير ضمانات متبادلة للإستقلال السياسي والسلامة الإقليمية للدول الكبيرة والصغيرة على حد سواء.وإنشاء عصبة الأمم في 1920م الذي ترتب على نداءات الرئيس الأمريكي وميثاق الأطلنطي فيما بعد الذي أصدره ونستون تشرشل وروزفلت وقد تضمن المباديء التي تؤمن للبشرية مستقبلا أفضل بعد الحرب(الحرب العالمية الثانية) فبينما بريطانيا يحاط جبروتها بكوابح لا تستطيع تعديها خاصة وأن ادعاءاتها الإستعمارية ظلم ظاهر يسهل كشفه وتعريته ،نجد أن الإدعاءات المصرية بالسيادة على السودان تتم بضمير مرتاح من حكام وشعب مصر،وكما قال المستشار المالي(المصري) في تقريره سنة 1914م (ان السودان ألزم لمصر من الاسكندرية!) وحتى اليوم كثير من المصرييين ينظر للسودان كمن فرّط في حقه! بل أن تلك الإدعاءات المصرية مسنودة برأي وطني سوداني لا يستهان به.فبينما كانت توصية ملنر في 1920م بارتقاء السودان مستقلا عن مصر تحت الرعاية البريطانية وقد خلص تقريره إلى استحالة تسوية مسألة السودان على نفس أسس تسوية القضية المصرية فقد كانت المطالب المصرية الوطنية تسير في إتجاه مغاير. وقد جسدت مقالات حسين شريف بجريدة الحضارة الموقف من عدم اختيار مصر لتكون وصية على السودان لترشد أهله إلى حين أوان تسليمهم سلطة بلادهم بقوله(ولو كانت الدلائل والوقائع والتجارب تساعدنا على الوثوق بأن جيراننا يستطيعون الاحتفاظ بوديعتنا الوطنية المقدسة لما فضلنا غيرهم ولما اخترنا سواهم.أما والأمر كذلك فمن الخرق والحمق أن نغرر بأنفسنا ونقامر بكياننا ونقذف بمستقبلنا في هوة لا قرارلها ولا يعلم إلا الله ما في جوفها من المصائب والويلات)أ.هـ
في 1920م أنشأ فريق السودانيين المناويء لتوجهات صحيفة الحضارة جمعية الإتحاد السوداني وفي يونيو 1922م قدم علي عبداللطيف(عضو جمعية الإتحاد)للمحاكمة بسبب مقال قدمه للنشر واعتقل أيضا محرر الحضارة حسين شريف. بعد خروج علي عبد اللطيف من محبسه كون مع عبيد حاج أمين جمعية اللواء الأبيض وقد كان رأي الإمام عبدالرحمن (كان للحوادث الجارية في مصر منذ بدئها 1919م صدى في السودان حرك الوعي السياسي عند الفئة القليلة المتعلمة وسكان المدن.وأخذت الصحف المصرية تنادي بوحدة وادي النيل فانساق في تيار هذه الحركة أكثر المتعلمين وكان المظهر المادي لهذه النداءات قيام حركة 1924م.اذ لم تكن هذه الحركة إلا امتدادا للحركة الوطنية المصرية. وانني وان كنت أكبر صفات الرجولة والصبر التي امتاز بها أعضاء جمعية اللواء الأبيض ،الا أنني لا أعتبر حركة 1924م ممثلة للمطالب الحقيقية لشعب السودان. وقد دفعني ذلك لأن أنادي بالشعار الذي أتمسك به حتى اليوم وهو \"السودان للسودانيين\".أهـ
في مارس 1924م أعلن سعد زغلول في خطاب العرش أن حكومته مستعدة للدخول مع الحكومة البريطانية في مفاوضات حرة من كل قيد لتحقيق الأماني القومية بالنسبة لمصر والسودان فقام السيد عبدالرحمن بالدعوة لاجتماع العباسية في يونيو 1924م لبحث الوضع السياسي في مصر والمطالب المصرية بشأن السودان.فقد كان من رأيه أنه حان الأوان ليقول أهل السودان رأيهم بصراحة وشجاعة وألا يترك مستقبل السودان ليقرر دون إشراكهم .
قرر اجتماع العباسية الذي لبّى نداؤه بعض أقطاب الختمية وبعض العمد والمشايخ والتجار والأعيان وكبار الخريجين من بينهم أحمد السيد الفيل،اسماعيل الأزهري الكبير،بابكر بدري ،حسين شريف وعلي أبوقصيصة قرر الإجتماع :اختيار انجلترا لتكون وصية على السودان لتعمل على تطويره حتى يصل إلى مرتبة الحكم الذاتي لأسباب وصفها إعلان العباسية بأنها \"مسألة مصلحة ذاتية بحتة\".أثار إعلان العباسية سخط جمعية اللواء الأبيض فأعدت مذكرة ولاء لمصر وعرشها ولكن الوفد منع من السفر واعتقل أفراده في حلفا مما جعلها ترسل برقيات عديدة إلى الحكومة المصرية ومجلس نوابها وإلى الصحافة المصرية معلنة سخطها من سياسة التنكيل \"وذكرت أن سفينة يديرها سعد يستحيل أن تصطدم بصخر مهما كانت الزوابع والظلام\"!
أنكرت الصحافة المصرية وجود قومية سودانية وانتقدت الدعوة لتكوينها \"لأن مصر لا تعرف للسودان قومية غير مصرية وجنسية غير مصرية.ولم يكن السودان سوى إقليم من الأقاليم المصرية التي تولاها محمد علي ومن خلفوه على أريكة مصر بحكم فرمانات الولاية المقررة بمعاهدات دولية والموقعة عليها انجلترا.وحذرت الأهرام من الإعتراف بالقومية السودانية أو حتى قبول البحث فيها أو في الإستفتاء مما يعني أننا كمصريين قد تنازلنا ضمنا عن سيادتنا التي لا تقبل بحثا ولا جدلا\"!
وجهت جمعية اللواء الأبيض عبر الصحف البريطانية \" نداء السودان إلى الأمة البريطانية \"يبدو أن الغرض منه تعريف الرأي العام البريطاني بالجمعية وأهدافها ودحض ما جاء في إعلان العباسية بشأن أداء إدارة السودان البريطانية واقتناع السودانيين بها. وبعد أسابيع قليلة نشر لحسين شريف مقال في جريدة التايمز اللندنية في رسالة بعنوان\"مناشدة إلى الشعب الإنجليزي الحر\" أكد فيها أن مسألة السودان يجب أن تسوى على أساس أن السودان للسودانيين وليس للانجليز أو المصريين وطالب الحكومة بإصدار إعلان بهذا المعنى وقد كانت رسالته عبارة عن تخوف ساد في أوساط ال؟إستقلالين من أن إبعاد المصريين سيطلق يد الإنجليز في السودان ويرخص لهم البقاء فيه للأبد.
أعتقل علي عبد اللطيف في يوليو 1924م لمدة 3 سنوات بسبب برقيته إلى رئيس وزراء بريطانيا محتجا على تصريحات المسئولين البريطانيين بشأن حقوق بريطانيا المزعومة في السودان وخاتما بأن الانفصال يعني الموت للسودان ومصر معا!
وقد ظهر التناقض بين دولتي الحكم الثنائي جليا حينما اتضح للانجليز خطر بقاء جيش مصري كبير في السودان منذ قيام ثورة 1919م بزعامة سعد زغلول، خوفا من تدخل مصري في السودان لصالح مصر وصدر أمر بريطاني بإخلاء الجيش المصري من السودان فرفضت حكومة سعد زغلول الأمر واستقالت بينما قبلت الحكومة التي أعقبتها تنفيذ الإخلاء.انصاعت الكتيبة الرابعة وبعض المصالح المصرية الأخرى في السودان لأمر الاخلاء بينما رفضت قوات المدفعية المرابطة في الخرطوم بحري بقيادة أحمد رفعت الانصياع للقرار وقد عقد في بحري مجلس حربي ضم سودانيين ومصريين رفض الأمر حتى لو أدى ذلك للموت ، مما حرك الحماسة في نفوس طائفة من ضباط وجنود مدرسة ضرب النار فتحركوا في 27/نوفمبر/1924م بقيادة عبدالفضيل ألماظ للانضمام لقوات أحمد رفعت ولحقت بهم فصيلة من الكتيبة 11 بقيادة الضابط سيد فرح فاعترضتهم كتيبة انجليزية لمنعهم اجتياز كوبري النيل الأزرق بينما التزمت قوات أحمد رفعت الحياد التام! وانتهت المعركة في يوم 28/نوفمبر/1924م باستشهاد عبدالفضيل ألماظ واعتقال رفاقه الذين حكم عليهم بالإعدام ووصل في نفس اليوم مندوب من وزير الحربية المصري حاملا الأمر للقوات المصرية بالكف عن مقاومة الإجراءات التي اتخذها نائب الحاكم العام لإخراجهم بالقوة من الأراضي السودانية وذكر لهم أن عودة القوات المصرية لا يترتب عليه أي مساس بحقوق الوطن أو بشرف القوات العسكرية.وابتداء من يوم 29/نوفمبر 1924م شرع أحمد رفعت وقواته في مغادرة السودان!(وقد أثر هذا الخذلان فيما بعد على مسيرة الحركة الوطنية السودانية ).حيث تخلى بعض أعضاء جمعية اللواء الأبيض عن شعار\"وحدة وادي النيل\" وعن فكرة الكفاح المشترك لتحرير وادي النيل من الاستعمار البريطاني واتضحت لهم الحاجة لقيام حركة سودانية مستقلة وكان أبرز الذين أداروا ظهورهم للشعارات الموالية لمصر واعتنقوا شعار \"السودان للسودانيين\" هم: عرفات محمد عبدالله،عبدالله خليل،صالح عبد القادر.
وفي 17 يناير 1925م أصدر الحاكم العام منشورا بإنشاء قوة دفاع السودان مبررا ذلك بما استلزمه سحب القوات المصرية من السودان.وصيغ يمين الولاء الذي يقسمه الضباط بحيث يكون للحاكم العام ولحكومة السودان. أبلغت الحكومة المصرية المندوب السامي البريطاني بتحفظاتها القانونية على منشور إنشاء قوة دفاع السودان.
معاهدة 1936م:
وفي النصف الثاني من 1935م تأزم الموقف الدولي منذرا بالحرب الكونية الثانية وفي مصر تمخضت الإنتفاضة الطلابية العارمة في نوفمبر من عام 1935م عن تكوين جبهة وطنية قامت برفع مذكرة بها مطالب من أبرزها مسألة السودان. على إثر ذلك بدأت مفاوضات مصرية بريطانية أفرزت معاهدة 1936م والتي أدت إلى تحقيق مكاسب رمزية لمصر في السودان وسط ترحيب مصري ببنود الإتفاقية.استفزت المعاهدة الوجدان السوداني لأنها كرست الحكم الثنائي القائم على أساس إتفاقية 1899م، متجاهلة للطموحات السودانية ولم تترك للسودانيين شيئا سوى \"الرفاهية\".
فدعت صحيفة النيل في 30 أغسطس 1936م السودانيين للإدلاء بآرائهم بشأن المعاهدة ودعت إلى وضع دستور يحدد المطالب السودانية، التي ترفع إلى هيئة الحاكمين دون هوادة)تأهلا للحكم الذاتي عن أقرب طريق .استجاب الكثيرون لمطلب الجريدة وشرع الخريجون في التحدث في مجالسهم الخاصة عن أجدى الطرق للمطالبة بحقوق السودانيين. وطالبت مجلة الفجر بأن تكون للسودانيين إرداة يعترف بها وتستشار وتحترم. ونحت صحيفة السودان ذات المنحى مقررة أنه لا يمكن لأي فرد مهما كانت نزعته أن يقبل البت في مصيره بدون استشارته ولا يمكن لأمة تود أن تبرهن على وجودها وصلاحيتها للبقاء أن تقبل بأن يقرر في مصيرها بدون أن يقام لها وزن.مقترحة تشكيل لجنة جامعة من السودانيين للتقرير بشأن الوطن.
أقلق السيد عبدالرحمن ما جاء في اتفاقية 1936م بشأن السيادة على السودان واستفزه أن الخديوية المصرية حددت المصير السوداني كإقليم تابع لمصر معتبرة المهدية تمردا انتهى بدخول الجيش المصري للسودان.وعلى ذلك وعلى التسلط الثنائي عامة جاءت مراحل اليقظة الوطنية: أولا رفع شعار السودان للسودانيين ثم المطالبة في جريدة النيل بتقرير المصير ثم المبادرات التي تتالت في تاريخ التطور الدستوري في السودان حتى الإستقلال. فقرر السفر لانجلترا لاستيضاح المسئولين عن تفسير \"الرفاهية\" بصحبة:عبد الله الفاضل،يعقوب الحلو،الفاضل البشرى،محمد الخليفة شريف،الهادي عبد الرحمن المهدي،الطيب عبد الله الفاضل. قيل له أن الرفاهية تعني:الرقي المادي والأدبي في جميع جوانب الحياة فرد عليهم قائلا: \"إذا لم تبلغ الرفاهية في تفسيرها بالإنسان مرتبة الحرية والإستقلال فانها لا تختلف كثيرا عن رفاهية الحيوان\" و\"لا رفاهية بغير حرية ولا رقي الا بالإستقلال والموت في سبيل الإستقلال خير من حياة الذل والعبودية\".
بعدما أبرمت معاهدة 1936م بدون مشاركة سودانية وأعلنت أحكامها المتعلقة بالسودان أصيب الرأي العام السوداني بحالة من الإحباط وخيبة الأمل.فكانت ندوة أحمد خير التي نادى فيها السوداني المستنيرللإنتظام في رابطة أو مؤتمر أو نقابة ونشر برنامج قومي يحدد به الخريجون ويعرفوا واجبهم السياسي)،والتي نظمتها جمعية واد مدني الأدبية بعنوان(واجبنا بعد المعاهدة) ثم كان تأسيس مؤتمر الخريجين في فبراير 1938م نتاجا لإحباط السودانيين بسبب المعاهدة وقد نشأ مؤتمر الخريجين كرابطة تخدم أغراضا محدودة وقام بتكريم علي ماهر في 21 فبراير 1940 حيث عكسوا له حسن نواياهم نحو مصر وقدمت له مذكرة تشتمل على مطالب لتمويل بعض أنشطة المؤتمر الاجتماعية والتعليمية مما اعتبرته حكومة السودان اتصالا من وراء ظهرها وحذرت من مغبته .في نهاية 1940م تشكلت لجنة جديدة للمؤتمر دار فيها الحديث عن وجوب توسيع قاعدة المؤتمر وضرورة تحويله إلى جمعية سياسية.في يناير 1941م جرت انتخابات المؤتمر على أساس التحالفات التي عقدت بين الخريجين والطوائف الدينية وقد تمكن الأنصار من الحصول على أغلبية مقاعده ونفذت لجنة المؤتمر الجديدة مشروع يوم التعليم الذي دعمه السيد عبدالرحمن وبسبب نجاحه وجد المؤتمر تأييدا كبيرا من الرأي العام مما أكسبه نفوذا شعبيا.في نهاية 1941م انتخب السيد ابراهيم أحمد رئيسا للمؤتمر وعوض ساتي سكرتيرا وقام المؤتمر في هذه الدورة بتقديم مذكرة للحاكم العام ضمت 12 مطلبا ،كان أهمها منح السودان حق تقرير المصير بعد الحرب مباشرة وأعد المذكرة اسماعيل الأزهري،عبدالحليم محمد،عبدالله ميرغني ،احمد يوسف هاشم وأحمد خير وقد اعتمدت المذكرة من اللجنة التنفيذية والهيئة الستينية.
الأسباب التي أدت لتقديم المذكرة:
- ميثاق الأطلنطي وما تضمنه من مباديء.
- الشعور الوطني الذي أثارته في السودان زيارة بعثة كربس (زعيم مجلس العموم البريطاني) إلى الهند وهي مستعمرة بريطانية ، للتباحث بشأن استقلالها.
- البلاء الحسن لقوة دفاع السودان في الحرب العالمية الثانية إلى جانب بريطانيا.
- المقال الذي نشر في جريدة النيل في 26 مارس 1942م بإيعاز من السيد عبدالرحمن دعا فيه إلى منح السودانيين حق تقرير المصير بعد الحرب مباشرة .
في طريق عودته عرج كربس على السودان وهيأت له حكومة السودان لقاء اسماعيل العتباني وأحمد يوسف هاشم وقد استخلصت النيل من لقاء كربس:
1/ أن تضحيات السودان في الحرب معروفة ومقدرة .
2/ أن السودان سيجني ثمرة هذه التضحيات بعد الحرب بما سيبوأ من مكان في العهد الجديد.
كانت نصيحة كربس لحكومة السودان بإقامة المجلس الاستشاري السوداني وألا تنتظر وقوع الأحداث.
رفضت الحكومة مذكرة المؤتمر جملة. مذكرة إياه بحصر نفسه في قضايا السودان الداخلية وأن ما يمس مركز السودان السياسي ودستوره القائم على معاهدتي 1899م و1936م هي من شأن دولتي الحكم الثنائي! رد المؤتمر على الحكومة برسالة جريئة بعث بها ابراهيم أحمد إلى الحاكم العام بتاريخ 12 مايو 1942م.مبديا أسفه من عدم تجاوب الحكومة مع مطالب المؤتمر وتأكيد تمسكهم بتلك المطالب التي لا تخالف دستوره الذي ينص صراحة على أن غرضه هو خدمة المصلحة العامة والتي يدخل في إطارها المطالب التي قدمها بما فيها حق تقرير المصير،والتي يعلم أن حدود سلطة الحكومة لا تشملها ولكنه يرغب في رفع مطالبه عبر الحكومة إلى دولتي الحكم الثنائي خاصة أنه لا توجد قاعدة بإلزام شعب السودان باتفاقيات لم يكن طرفا فيها.ويدفع بأن الحرب قد أفرزت وضعا جديدا وأنه في حال غياب وجود هيئة مماثلة لتمثيل السودان فإنه لا يرى سببا للتخلي عن هذا الوضع خاصة وأنه يحظى بقبول السودانيين.وكانت استجابة الحكومة لرد المؤتمر الإستمرار في الرفض.ثم سعى نيوبولد(السكرتير الاداري) إلى شيء من التقارب مع الخريجين واجتمع بممثليهم وبالرغم من تحفظاته على منحى المؤتمر فقد كان رد ابراهيم احمد في 23 يوليو 1942م معبرا عن شيء من الإرتياح لما تم في اللقاء بشأن:
- استشارة السودانيين عند إعادة النظر في معاهدة 1936م.
- زيادة نصيب السودانيين من المسئولية في إدارة شؤون بلادهم وذلك بالسعي لإيجاد هيئة تمثيلية استشارية سودانية وبزيادة وظائف السودانيين ذات المسئولية في الحكومة.وكان تعليق نيوبولد غير مشجع ولكن أحمد خير رأى أن مجرد إعداد المذكرة وتقديمها للحكومة قد حقق بعض النتائج الإيجابية مثل خلق قضية وطنية واضحة المعالم والحدود.
موقف الحكومة إزاء المذكرة خلق موقفين:
1/ الموقف الإستقلالي الذي قبل التطور الدستوري التدريجي أساسا لتحقيق الإستقلال الكامل ولمواجهة المطالب المصرية بشأن السودان.
2/ الموقف الإتحادي الذي اعتبر أن الوثوق بتأكيدات الحكومة عمل غير وطني واتجه صوب مصر ليتعاون معها في تحرير السودان من البريطانيين.
وفي 10 سبتمبر 1942 تقدم نيوبولد بمذكرة إلى مجلس الحاكم العام بشأن إشراك السودانيين في الحكم.بعدة مقترحات: إنشاء مجلس استشاري لشمال السودان- التوسع في إنشاء مجالس مدن بسلطات تنفيذية واستقلال مالي- إنشاء مجالس مديريات إستشارية- التوسع في استخدام السودانيين في الحكومة المركزية ولجان المديريات- تسريع إحلال السودانيين محل البريطانيين.وقد أجاز مجلس الحاكم العام هذه التوصيات باعتبارها خطوات نحو الحكم الذاتي وانتقالا من سياسة الوصاية إلى سياسة المشاركة.كون نيوبولد لجنة خاصة للنظر في جدوى إنشاء مجلس استشاري فكانت توصيات اللجنة في 16 مارس 1943م وقد أوصت بجدوى إنشاء المجلس الإستشاري كتطور سوداني طبيعي.بصلاحيات محددة.في سبتمبر 1943م صدر قانون المجالس الإستشارية وقانون مجالس المديريات وبموجب ذلك صدر أمر الحاكم العام بإنشاء المجلس الإستشاري لشمال السودان لسنة 1943م ويتكون من الحاكم العام رئيسا وسكرتيريه نوابا ومن 28 عضوا عاديا وأصدر الطريقة التي تنظم عمله.عين السيدان علي الميرغني وعبدالرحمن المهدي أعضاء شرف بالمجلس. أعتبر السيد علي إنشاء المجلس خطوة يجب شكر الحكومة عليها وتوقع نتائج مرضية ولكنه ربط ذلك بنوعية الذين يختارون لعضويته .قبل أن يتخذ السيد عبدالرحمن قراره بقبول عضوية الشرف ناقش بشكل مطول مع ممثلي السكرتير الإداري مركز أعضاء الشرف وقد وافق هو ومؤيدوه على الإشتراك في المجلس ليتخذوه نواة للعمل الإيجابي (بالرغم من عدم رضاهم عن صلاحياته واقتصاره على المديريات الشمالية معتبرين استبعاد الجنوب دلالة على سوء القصد.وقد أوردت النيل أن صلاحيات المجلس لا تحقق أمل البلاد ولكنها رحبت به كخطوة بارزة في تطور أداة الحكم \"فهي في يدنا سلاح نستطيع أن ندفع به أو أن نهاجم به أحيانا(النيل 16 مايو 1944م).
في يوليو 1943م قام اسماعيل الأزهري رئيس اللجنة التنفيذية لمؤتمر الخريجين بزيارة لمصر وقبيل سفره زار السيد عبدالرحمن وأخبره بأنه ينوي زيارة مصر لإبلاغ المسئولين فيها بأن اتجاه المؤتمر هو العمل لقيام حكومة سودانية تحت التاج المصري! لم يعلق السيد عبدالرحمن على ذلك واكتفى بقوله(للإنسان فم واحد ينطق به وأذنان يسمع بهما هكذا خلقه الله ليسمع أكثر مما ينطق!(الزعيم الأزهري وعصره،بشير محمد سعيد).التقى أزهري النحاس(رئيس الوزراء المصري) في مصر وتحدث معهم على مستقبل السودان.
بناء على توجيهات السيد عبدالرحمن نشرت النيل مقالا بعنوان \"وحدة السودان أولا\"وفيه أن على السودانيين أن يسعوا لبلوغ الاستقلال بمعاونة الوصي القريب بريطانيا والشقيقة المحبة مصر.
انتهز السيد عبدالرحمن في في فبراير 1944 فرصة لقائه باسكرافينر مدير الدائرة المصرية بوزارة الخارجية البريطانية للإعراب عن وجهة نظره بشأن مستقبل السودان وطرح له النقاط الآتية:
1- تعاون السودانيون بنشاط مع بريطانيا في الحرب ويأملون تحقيق طموحاتهم الوطنية بعد النصر ثقة في العدالة البريطانية.
2- استمرار السياسة القائم على مبدأ الرفاهية حسب معاهدة 1936م ليس أساسا مرضيا لتطور السودانيين مستقبلا.
3- أن المصريين قد تخلوا عن مطالبتهم بالسيادة على السودان لأنهم التزموا الحياد ورفضوا الدفاع عنه سنة 1940م.
كان اسكرافينر قد التقى السيد علي أيضا ولكن الحديث بينهما دار حول الطقس في مصر والسودان وانجلترا!
كانت انتخابات الهيئة الستينية في 27 نوفمبر 1944م نقطة تحول في مسيرة الخريجين، ذلك أنها مثلت بداية النهاية للمؤتمر كمؤسسة قومية وذلك بسبب السيطرة الكاملة لجماعة الأزهري ويحي الفضلي(جماعة الأشقاء) على هيئة المؤتمر الستينية ولجنته التنفيذية.
رفض الحكومة لمذكرة الخريجين وزيارة الأزهري لمصر أبرزا الإتجاه لتقرير المصير على أساس الإتحاد مع مصر داخل المؤتمر، وقد تكون على إثرذلك جماعات أربع :جماعة الاتحاديين(تفسر الاتحاد مع مصر على أساس نظام الدمنيون ويعني اتحاد بين الحكومة السودانية الديمقراطية الحرة وبين حكومة مصر تحت التاج المصري)جماعة الأحرار(نوع الاتحاد مع مصر الذي تدعو له اتحاد كنفدرالي) جماعة الأشقاء (منذ زيارة الأزهري لمصر صارت الجماعة تدعو لنوع من الاتحاد مع مصر فسرته حكومة السودان بأنه الاندماج الكامل )جماعة القوميين(تدعو للاتحاد مع مصر بصيغة غامضة وغير محددة –نوع من الكنفدرالية الفضفاض).
في 31 مارس 1945م أعلن عن قيام حزب الأمة كأول حزب سوداني خوفا من أن يؤخذ اتجاه مؤتمر الخريجين الموالي لمصر كتعبير عن رغبة الشعب السوداني وخوفا من مطالبة مصر بالسودان مكافأة لها على دورها في الحرب العالمية الثانية إضافة لتأهلها للمشاركة في مؤتمر سانفرنسسكو 25 أبريل 1945م. فقام الحزب متبنيا لشعار السودانيين ودستوره يحوي ذات المطالب الأثني عشر التي تقدم بها مؤتمر الخريجين في مذكرته التي قدمها للحاكم العام في 3 أبريل 1942م. وقد كان الإمام عبدالرحمن راعيا للحزب وممولا له شرح موقعه فيه بقوله(اني جندي في الصف.ولكن الله سبحانه وتعالى وهبني من الامكانيات ما لم يتيسر لكثير منكم ، وسأهب هذه الامكانيات وسأهب صحتي وولدي وكل ما أملك لقضية السودان) وكان عبدالله خليل سكرتير عام الحزب.وكانت فلسفة قيام الحزب التي أوضحها السيد عبدالرحمن هي:أن عطفه على حزب الأمة هو من قبيل عطفه على كل عمل عام وليس تعضيدا لحزب على حزب واعتقاده أن الجميع سيتفقون على مبدئه(السودان للسودانيين)وأنه يرى أن تعدد الأحزاب في الوقت الحاضر والهدف واحد مضر بمصلحة البلاد فاذا وصلنا للهدف واختلفنا على الأوضاع فذاك أمر طبيعي.
كان أول عمل قام به الحزب هو المطالبة باشتراك السودان في مؤتمر سانفرانسسكو في 25 أبريل 1945م في مذكرة تقدم بها سكرتيره العام عبدالله خليل الى الحاكم العام في 19 مارس 1945م.والذي رد بأنه ليس من اختصاص مؤتمر سانفرنسسكو النظر في المطالب السودانية.
أثار تأسيس حزب الأمة الجماعات الإتحادية فتنادت لمواجهة ذلك وتم التوقيع على ميثاق في 27 مارس 1945م أكدت فيه وحدة رأيها واتجاهها بشأن مستقبل السودان السياسي.وتعهدت بالوقوف خلف مؤتمر الخريجين بما يضمن الاتحاد والتعاون الوثيق مع مصر على مبدأ(قيام حكومة سودانية ديمقراطية في اتحاد مع مصر تحت تاج واحد).وقد كان لتأسيس حزب الأمة أثر آخر إذ حسم التردد الذي كان دائرا فيما يختص بعرض أمر مستقبل السودان على المؤتمر فدعيت الهيئة الستينية على عجل للاجتماع في 2 ابريل 1945م دون كشف عن الغرض من الاجتماع للاعضاء.وقد كان الغرض هو: اتخاذ قرار بشأن تفسير بند تقرير المصير الوارد في مذكرة 3 أبريل 1942م وعارض كثيرون اتخاذ قرار مصيري بهذه السرعة ونشر بيانا في الصحف بتاريخ 7أبريل 1945م جاء فيه أن هيئة المؤتمر التي اجتمعت قررت أن ما يحقق مصالح السودانيين ويفصح عن رغباتهم هو قيام حكومة سودانية ديمقراطية في اتحاد مع مصر تحت التاج المصري .
قوبل قرار المؤتمر باستياء تام من حزب الأمة ودعاة الاستقلال الآخرين.وقالت النيل أن قرار تقرير المصير هو شأن سوداني ولا يحق للمؤتمر فرضه على الآخرين بالطريقة التي جرى بها .
ائتلاف الأحزاب:
ازاء تصاعد الخلافات خف نفر لاحتواء الخلافات وقد نجحوا في جمع كل الجماعات حول مائدة مستديرة في 11 مايو 1945م وتبين أن كل الأحزاب توافق على العمل من أجل تشكيل حكومة سودانية حرة وعلى الاتحاد مع مصر من حيث المبدأ(اذ أن حزب الأمة كان لا يمانع من ذلك الاتحاد بين الدول المستقلة على أساس من الندية) وناقشت لجنة الأحزاب المطالب التي ستقدم للمؤتمر للعمل على تحقيقها بمساعدة حكومة السودان ومن بينها اصدار تصريح من دولتي الحكم الثنائي يحدد المستقبل السياسي للسودان(خاصة بسبب حلول الأجل الأول المحدد لاعادة النظر في معاهدة 1936م وتم التوقيع على وثيقة الأحزاب المؤتلفة(الأشقاء،الأمة،الاتحاديين،الأحرار الاتحاديين،القوميين) . ثم تم تعديل الوثيقة لتعرض على المؤتمر ورفعها الأزهري بصفته رئيسا للمؤتمر لحكومة السودان والتي أكدت في ردها عدم أحقية المؤتمر بادعاء تمثيل الرأي العام السوداني وأنه عندما يحين الوقت سيستشار الجميع كل حسب وزنه.
عندما حان أجل مراجعة معاهدة 1936م بعث مصطفى النحاس رئيس حزب الوفد رسالة للحكومة البريطانية طرح فيها ضمن مسائل أخرى تسوية مسألة السودان وتحدث النقراشي رئيس الوزراء في 6 أغسطس 1945م عن أهداف مصر القومية أمام مجلس النواب والشيوخ المصري ومنها (وحدة وادي النيل بمصره وسودانه) ونحى ذات المنحى في خطابه للعرش في 11 نوفمبر 1945م. وفي 20 ديسمبر طلب من الحكومة البريطانيا موعد قريب تناقش فيه مطالب مصر القومية.
كان صدى تلك التحركات على الصعيد السوداني تنسيق بين الأحزاب المؤتلفة واللجنة التنفيذية للمؤتمر لبحث اشراك السودانيين في المفاوضات التي تعتزم تناول مسألة السودان .وخلال الاجتماعات والتداولات برزت خلافات جوهرية مثل الأساس الذي سيعمل بموجبه الوفد هل هو وثيقة الأحزاب المؤتلفة أم القرار الذي أصدره المؤتمر في 2 أبريل 1945؟ وتكشف أن لجنة المؤتمر(كل تكوينها من حزب الأشقاء)تريد الاستئثار بتكوين الوفد.ارتفعت أصوات تنبه لضرورة التمثيل الجامع وعدم تفويت الفرصة التي قل أن يجود بمثلها الزمان.سافر الفوج الممثل للأحزاب بعد التوصل الى تفسير مشترك لمعنى الاتحاد مع مصر (5 المؤتمر،3 الأمة،القوميين والأحرار والاتحاديين والأحرار الاتحاديين وحزب وحدة وادي النيل كل بواحد)وقد أصدر الأزهري بيانا شرح فيه مهمة الوفد وأهدافه والمطالب التي أوكل للوفد تحقيقها:
1- تصريح مشترك من دولتي الحكم الثنائي بقيام حكومة سودانية ديمقراطية حرة في اتحاد مع مصر.
2- تحدد الحكومة الحرة نوع الاتحاد.
3- تدخل الحكومة الحرة في تحالف مع بريطانيا على ضوء نوع الاتحاد مع مصر.
في مصر تم استنكار كامل من قبل الصحف والجسم السياسي كله لمهمة الوفد وأساسا عدم جدوى تكوين وفد منفصل يمثل السودان.
في السودان تصدت الصحف الاستقلالية للضغوط التي تعرض لها الوفد فسارع الأزهري باعلان أن الصحف الاستقلالية تمثل نفسها. وقام الوفد بنشر بيانا تنويريا يوضح فيه مهمته وقد عارض ممثلو حزب الأمة والأحرار البيان التنويري لتعارضه مع المطالب المتفق عليها.
في 15 أبريل 1946م أعلنت حكومة السودان أن هدفها سودان حر مستقل وأن ذلك سيتم عن طريق اقامة دعائم الحكم الذاتي للوصول للاستقلال في النهاية والاسراع باسناد الوظائف ذات المسئولية الى السودانيين(بعقد مؤتمر مع السودانيين لبحث ذلك)وأكد عدم حسم أي قضية تخص السودان دون اشراك السودانيين.
لم يوافق الرأي العام المصري على هذا الموقف البريطاني.
تبلور موقفان في وفد السودان :احداهما يرى أن لا مفر من ربط قضيتنا بمصر مهما كانت العواقب. الآخر يرى أن المصريين لا يمكن أن يذهبوا معنا الى نهاية الشوط ويريدون فقط استغلالنا دون الارتباط معنا بالتزام محدد.اثر ذلك انتدب ثلاثة من أعضاء الوفد لعرض الموقف على الأحزاب والحصول منها على تفويض بالعمل في اتجاه جديد(ربط قضيتنا بمصر فننادي بالجلاء ووحدة وادي النيل تحت تاج واحد بشرط أن تعطينا مصر موثقا حكومة وشعبا بألا تؤجل قضية السودان وألا توقع أي معاهدة بدون حل القضية السودانية. في السودان رفض حزب الأمة هذا الاتجاه الجديد متمسكا بالوثيقة وقبله حزب القوميين بشرط اعطاء ضمانات مصرية. استبق الأزهري عودة الوفد من الخرطوم وأعلن في 24 أبريل 1946م أن قرار الوفد الذي اتخذه أخيرا لتحقيق مصلحة مصر هو وحدة وادي النيل تحت تاج الفاروق ووحدة الجيش ووحدة التمثيل .وقال أن زملاءه الذين سافروا الى الخرطوم يحملون هذا القرار لتهيئة الأذهان قد نجحوا الى حد كبير.ثم هتف الأزهري بحياة الفاروق ملك مصر والسودان.بعد عودة مندوبيه من الخرطوم عقد الوفد اجتماعا للتداول وقد قرر ممثلي حزب الأمة مسايرة الوفد لمعرفة ضمانات الحكومة المصرية وتقرير الانسحاب حسب هذا الموقف والاستمرار في عضوية الوفد بشكل شخصي بناء على بيان 2 مايو الذي أصدره الحزب مؤكدا أن ممثليه غير مخول لهم تجاوز ميثاق الأحزاب المؤتلفة.على اثر ذلك اتخذ الوفد قرارا بفصل ممثلي حزب الأمة وقد نصح احمد يوسف هاشم الاجتماع بالعدول عن فصل الحزب الذي لم يفعل سوى اعلانه التمسك بالمطالب التي أتى الوفد على أساسها وأخيرا تم الفصل على أساس مخالفة الحزب لأغلبية سياسة الوفد وليس مطالبه. فأصدر المبعدون بيانا مستنكرين فيه المسلك العجيب المخالف لما تقاسم عليه أعضاء الوفد قبيل حضورهم لمصر وما تعرضوا له من ضغوط غيرت بها المواقف والمواثيق.وقد تم لاحقا انسحاب كافة الأحزاب الاستقلالية فصار الوفد مجرد تجمع للأحزاب الاتحادية وببلوغ نهاية عام 1947م كان الوفد قد تصدع تماما وأعلنت أحزاب وحدة وادي النيل والاتحاديين والاتحاديين الأحرار انسحابهم معلنين أن أعضاء (وفد السودان) المقيمين في القاهرة لا يمثلون الا حزب الأشقاء.
بروتكول صدقي بيفن:
مرت المفاوضات المصرية البريطانية بشأن تعديل معاهدة 1936م بعدة مراحل حتى الجولة التي أجراها صدقي مع بيفن في لندن في الفترة من 18-25 أكتوبر 1946م. قبل سفره أعلن صدقي أنه سيجلب السيادة على السودان ردا على تصريح بيفن بأنه لا يمكن البت في أمر مستقبل السودان الا بعد استفتاء السودانيين.
أقلقت تصريحات صدقي دعاة الاستقلال فأبرقوا صدقي وبيفن وأبلغ السيد عبدالرحمن صدقي بأن الشعب السوداني لا يرغب الا في الاحتفاظ بالسيادة لأهله والغاء الحكم الثنائي وقيام حكومة ديمقراطية حرة تقرر فيما بعد علاقتها بمصر وبريطانيا، وأن أي وضع غير هذا لا يقره السودانيون.وفي برقيته الى بيفن أشار الى وعد الحكومة البريطانية بأنه لن يتخذ قرار يتعلق بمستقبل السودان السياسي دون استشارة أهله ويطلب منه بعد تصريح صدقي السابق (الحصول على تأكيد جديد لسيادة بلادنا). وانتدب حزب الأمة عبدالله خليل ويعقوب عثمان للسفر للندن ليكونا قريبين من مسرح المفاوضات ولعرض وجهة نظر الحزب المتمثلة في المطالبة بالاستقلال على الرأي العام العالمي ولدرأ مساومات قد تتم على حساب السودان.كما بعثت الأحزاب الاتحادية بوفد ضم الأزهري والدرديري أحمد اسماعيل ومحمود الفضلي للسفر للندن.
وفي 25 أكتوبر 1946م تم التوقيع بالأحرف الأولى على مشروع معاهدة مساعدة متبادلة وعلى مشروع بروتكول خاص بالسودان ومشروع بروتكول خاص بالجلاء ونص بروتكول السودان على (أن السياسة التي يتعهد الطرفان باتباعها في السودان في نطاق وحدة مصر والسودان تحت تاج مصر المشترك ستكون أهدافها الأساسية تحقيق رفاهية السودانيين وتنمية مصالحهم واعدادهم اعدادا فعليا للحكم الذاتي وتبعا لذلك حق اختيار النظام المستقبل للسودان.والى أن يتسنى ذلك تظل اتفاقية 1899م والمادة 11 من اتفاقية 1936م سارية ..الخ) اعتبر صدقي أن في البرتكول اعتراف بريطاني صريح يأتي للمرة الأولى بسيادة مصر على السودان وأعلن ذلك مسجلا(أن تاج مصر قد ازدان بدرة جديدة،وأن ملك مصر قد عاد الى الحدود التي رسمتها الطبيعة وسجلها التاريخ) بينما وصف أتلي تصريحات صدقي بالمضللة وأن ما جرى هو محادثات تمهيدية لم يتم التفاوض في أي منها بصفة نهائية).
ردود الأفعال على تصريح صدقي:
في السودان ابتهج دعاة الوحدة بالبروتكول ابتهاجا تحول الى شيء من التحفظ بسبب تصريحات أتلي.
استنكر حزب الأمة تصريح صدقي ووصف البريطانيين بالخيانة وقرر مقاطعة المجلس الاستشاري ومجالس المديريات و البلديات ومؤتمر ادارة السودان الذي كان قد بدأ أعماله في 24 أبريل 1946م.كما أعلن الحزب الجهاد العام وبعث ببرقيتي احتجاج الى صدقي وأتلي احتجاجا على التسليم بسيادة مصر على السودان ووضع السودان تحت التاج المصري.وأن السودانيين لن يرضوا بأن تكون حريتهم ثمنا لمصالح بريطانيا. وسيعمل الحزب على استقلال البلاد وتحريرها من الاستعمار المصري والبريطاني بكل وسيلة مهما تكن وعليكم وحدكم تقع التبعات.وأقام الحزب بداره ليلة سياسية كبرى سير بعدها المظاهرات الاحتجاجية التي هتفت بحياة السودان الحر المستقل.وتشكلت بدار حزب الأمة 28 أكتوبر 1946م جبهة استقلالية للعمل على انهاء الحكم الثنائي وقيام حكومة سودانية تتصرف بمحض ارادتها في سيادة السودان وعلاقته بمصر.كما أيدت الجبهة دعوة حزب الأمة الى الجهاد العام.ونظمت الجبهة مسيرة شارك فيها عدد من مؤيدي حزب الأمة القادمين من الأقاليم وقامت بتقديم مذكرة الى الحاكم العام تتضمن احتجاجها على ما أتى بالبروتكول.كان رد حكومة السودان على المذكرة بأن المفاوضات بشأن السودان ما زالت دائرة ولم يتم البت فيها وتطالبهم فيها بالتزام الهدوء.
ردا على مسيرة دعاة الاستقلال سير دعاة الوحدة مسيرة أخرى لعكس قناعاتهم. استدعت حكومة السودان ممثلي الجبهة الوطنية والاستقلالية مبلغة اياهم بضرورة الهدوء والحفاظ على الأمن .أصدر السيد عبدالرحمن بيانا في 3 نوفمبر 1946م دعا فيه الشعب السوداني لتقدير دقة الموقف ومعالجته بروح الاخلاص والتدبر وتجنب توسيع شقة الخلاف وطلب من الوافدين من الأقاليم العودة بلا تأخير ودعا الشعب السوداني لالتزام الهدوء والنظام حتى تنجلي الأمور التي ما تزال غامضة.حكومة السودان برئاسة الحاكم العام أعلنت فشلها في اقناع السودانيين بالمزايا الايجابية لمشروع البروتكول فقرر هدلستون(الحاكم العام) العودة الى لندن لابلاغ الحكومة البريطانية عن الآثار التي ترتبت على تصريحات صدقي خاصة وأن بيان أتلي لمجلس العموم البريطاني في 28 أكتوبر 1946م أخفق في ابطال مفعول ذلك التصريح في مذكرة تسلم لأتلي اشتملت على:
- أن معظم السودانيين لن يقبلوا طواعية بالبروتكول – الذي يمثل خرقا لكل التعهدات البريطانية- وأن بيان أتلي لم يرض السودانيين- اذا أجيز البروتكول سوف تحدث استقالات جماعية.
في 8 نوفمبر 1946م أعلن وفد السودان رفضه لمشروع البروتكول أيضا (يذكر الأزهري في مذكراته انهم اعتبروا برتكول صدقي-بيفن خطوة موفقة فرحوا بها كأنصار لوحدة وادي النيل لأنه سدد طعنة نجلاء للادارة البريطانية في السودان).
25 نوفمبر 1946م كانت زيارة السيد عبدالرحمن للندن وقبل سفره زار السيد علي الميرغني حرصا على وحدة الصف (وليطمئن على صحته ويودعه ويخبره بأسباب ذهابه الى لندن) دار الحديث عن صحة السيد علي وموقع بيته وجودة هوائه وتاريخه(البيت) وكان واضحا أن السيد علي لم يرد الحديث عن البرتكول أو أي شيء يخص السياسة متعللا بأن تعليمات أطبائه تمنعه من مباشرة أي عمل جسدي أو فكري لذلك هو غير ملم بما يدور خارج داره.
توجه السيد عبدالرحمن الى لندن وأبرق الى صدقي مبديا رغبته في لقائه بعد العودة من لندن التي سيسرع في زيارتها أولا قبل اشتداد البرد.لم يرد صدقي على البرقية ولم يوفد أحدا لاستقبال السيد عبدالرحمن عند توقفه بالقاهرة.
في لندن رضخت الحكومة البريطانية لاستقبال السيدعبدالرحمن بعد أن كانت مترددة بسبب الحاح هدلستون وتحذيره من عواقب عدم الموافقة على حضور السيد عبدالرحمن للندن على الأقل كسبا للوقت ان لم يكن كسبه.وشبه هذا بطلب زغلول في 1919 والذي خولفت فيه توصية الحاكم العام على مصر حينها فكانت النتيجة ثورة عارمة أصبح ونجت كبش الفداء فيها.
في 28نوفمبر 1946م استقبل أتلي السيد عبدالرحمن في مقره الرسمي(10 داوننج استريت) حيث استهل السيد عبدالرحمن حديثه لأتلي قائلا (أن السودان يتطلع لوضعه كما كان حرا ذا سيادة مشيرا الى اشتراك السودانيين في الحرب لنصرة الحرية والديمقراطية وأنهم وثقوا في العهود التي أعطيت لهم بشأن الحكم الذاتي وأن التصريح الذي أدلى به صدقي تسبب في احداث اضطرابات في السودان وقد فهم منه ومن خطاب العرش أن مصر لا توافق على استقلال السودان الكامل بل الاكتفاء بالحكم الذاتي وهو ما يناقض حتى تصريحات بيفن وما أكده الحاكم العام في المجلس الاستشاري لشمال السودان .وذكر السيد عبدالرحمن أن السيادة المصرية على السودان تتعارض مع أماني السودانيين ولا يرى لها سندا قانونيا وبعد أن تحدث عن حق الشعوب في تقرير مصيرها بما ورد في ميثاق الأطلنطي وميثاق سانفرانسسكو حذر من أي عمل يتم دون استشارة السودانيين بالطرق الدستورية بما سيؤثر مباشرة على الأمن الداخلي و يحول الصداقة القائمة مع بريطانيا الى عداء وأوضح أنهم ليست لهم عداوة مع مصر والشعب المصري وأكد أن الشعب السوداني الحر المستقل سيتعاون مع مصر المستقلة في تفاهم وحسن جوار وهو ما سبق أن أكده لمصر لكنها لم تسمعه وآثرت البقاء في السودان بمساعدة الحراب الانجليزية. ثم عاد وذكر محدثه بعدم تصديقه بأن بريطانيا وهي في طليعة الدول المكونة لهيئةالأمم المتحدة ستساعد مصر على سلب حرية شعب كالشعب السوداني.وفي نهاية المقابلة أكد أتلي حق السودانيين في تقرير مصيرهم ولكنه رهن ذلك بمقدار وسرعة التقدم .
تصريح صدقي وبيان أتلي كشف عن تناقض مصري بريطاني في وجهات النظر بشأن تفسير البروتكول.ولذلك رأى بيفن(وزير الخارجية) أن يتفق مع صدقي على تفسير يتفقان عليه قبل عرضه على مجلس العموم البريطاني مرفقا تفسيره لمشروع البروتكول والذي اعترض عليه صدقي بحجة مناقضته للاتفاق وللروح التي أملته وطلبت الحكومة المصرية من بيفن أن يقدم المشروع للوزرة دون اضافة أو تعديل .
طلب هدلستون من أتلي كتابا ليعرضه على السودانيين يقر صراحة بحق الشعب السوداني في الانفصال عن التاج المصري اذا رغب في ذلك.عند عودته أصدر الحاكم العام بيانا في 7ديسمبر فيه أن أتلي أذن له كتابة أن يؤكد للسودانيين أن الحكومة البريطانية مصممة على عدم السماح بأي شيء من شأنه أن يحرف حكومة السودان عن مهمة اعداد السودانيين للحكم الذاتي وحرية اختيارهم للوضع الذي يريدون.طالبا من الجميع التعاون معه ،على تحقيق الأهداف المرجوة ونبذ الخلافات.رأت مصر في بيان الحاكم العام تشجيعا مباشرا للانفصال.واعترضت عليه واعتبرته على لسان النقراشي عملا عدائيا لمصر.حاول النقراشي بالتفاوض مع رولاند كامبل(السفير البريطاني) انقاذ البروتكول ولكنه أخفق فقرر مجلس الوزراء المصري في 25 يناير 1947م قطع المفاوضات وعرض القضية على مجلس الأمن.وأعلن هذا على مجلس النواب المصري .
أعلن (وفدالسودان) موافقته على قرار حكومة النقراشي بعرض قضية وادي النيل على العدالة الدولية.وأعلنت الجبهة الاستقلالية في الأسبوع الأول من فبراير 1947م أنها تعد قطع المفاوضات الخطوة الأولى في نجاح الدعوة الاستقلالية.ورحبت برفع القضية لهيئة الأمم المتحدة(لأننا واثقون من عدالة مطلبنا،فليس في الوجود الآن من يطلب لبلاده غير الاستقلال وليس في العالم من يعمل على فرض سيادة أجنبية على وطنه وأهله).كما أعلنت اعتزامها على المطالبة بانهاء الحكم الثنائي وعبرت عن رفضها لمنطق أن السودان لم ينضج بعد لممارسة حق تقرير المصير .
توصيات مؤتمر ادارة السودان:
تم تشكيله في 22 أبريل 1946م بمشاركة أحزاب الأمة والأحرار والقوميين بينما قاطعته الأحزاب الاتحادية ومؤتمر الخريجين الذي يسيطر عليه الأشقاء وبررت النيل اشتراك حزب الأمة باعتراف الحاكم العام بالاستقلال مقدرا له مدة تقريبية وعلى أساس ذلك عين هذا المؤتمر وأكثريته من السودانيين لوضع الأسس التي يتم بها تسلم شؤون حكومتهم أي تحديد المدة المعقولة للاستقلال اضافة لأن فكرة المؤتمر (لا تضر مساعينا الوطنية لأننا لن ندخل المؤتمر وقد ألقينا أهدافنا أو سوفنا فيها أو نكصنا عنها بل يكون دخولنا سندا لتلك الأهداف)(النيل 1مايو 1946م). واقترح حزب الأمة أن يطلق على المؤتمر اسم (مؤتمر استقلال السودان) وتكون مهمته وضع الخطط لنيل الاستقلال في أقرب وقت.كما نبه لضرورة توسيع صلاحيات المجلس الاستشاري لشمال السودان. وكانت توصياته للنظر في اشراك السودانيين بصورة أوسع وتمثيل السودانسسن في لجان الحكومة المركزية ومجالسها معتبرا المجلس الاستشاري الخطوة الأولى نحو الحكم الذاتي المسئول منتقدا محدودية صلاحياته وقصوره على الشمال دون الجنوب كما أوصى بالتخلي عن السياسة الجنوبية. في يونيو 1947م عرضت توصيات مؤتمر ادارة السودان على مؤتمر عقد بجوبا وانتهى المؤتمر الى أن الجنوب يرغب في سودان موحد ويرغب كذلك في المشاركة في الجمعية التشريعية وقد لعب محمد صالح الشنقيطي دورا كبيرا في ازالة شكوك الجنوبيين ازاء نوايا الشمال .في 20 مايو 1947م أجاز المجلس الاستشاري توصيات مؤتمر ادارة السودان وطلب من الحكومة أن تعد تشريعا وفقا لهذه التوصيات في أقرب وقت ممكن. أجاز الحاكم العام التوصيات من حيث المبدأ وقرر أن ترفع الى الحكومتين المصرية والبريطانية للنظر فيها.وكان من بين التوصيات المجازة أن تقوم الجمعية التشريعية بالتشريع للسودان كله شماله وجنوبه.
في 11 يوليو 1947م قدمت العريضة المصرية لمجلس الأمن( حكومة النقراشي) والتي جاء فيها وجوب اجلاء القوات البريطانية عن مصر والسودان جلاء كاملا وانهاء النظام الاداري الحالي في السودان اعتبر النحاس أن شكوى الحكومة المصرية لمجلس الأمن لا تعبر عن مطالب الشعب المصري والتي تتلخص في الجلاء عن وادي النيل والاعتراف بوحدة وادي النيل.هنأ الأزهري وبعض أعضاء وفد السودان النقراشي على تقديم عريضة الدعوى.وأكد حزب الأمة أن ليس ثمة سوداني يرفض الجلاء والغاء الحكم الثنائي ولكنه يأخذ على العريضة المصرية خلوها من أي اشارة الى استقلال السودان أو حقه في تقرير المصير .في السودان بدأت محاولات ليقول السودانين كلمتهم لمجلس الأمن كتلة واحدة فالتقى مندوبون عن الجبهة الاستقلالية والوطنية وبينما قبل الاستقلاليون بمقترح اللجنة كاملا رفضته الجبهة الوطنية . بعد اخفاق المحاولة بعثت الجبهة الوطنية برقيتها لمجلس الأمن تعبر عن رضاها عن عريضة النقراشي. أبرقت الجبهة الاستقلالية مجلس الأمن مطالبة بانهاء الحكم الثنائي فورا وباستقلال السودان عن مصر وبريطانيا مناشدة الأمم المتحدة الالتزام بمبادئها.طرح النقراشي في خطابه لمجلس الأمن وجهة النظر المصرية في المسألة السودانية والتي لاقت استحسانا وتأييدا من وفد السودان بينما اعتبرت الجبهة الاستقلالية أن الذي أتى في خطاب النقراشي به تشويه مقصود لحقائق التاريخ والجغرافية ورد كادوقان(المندوب البريطاني لمجلس الأمن) بمطالبة شطب دعوى مصر ودحض ما ادعته مصر من أساسات الوحدة في نظرها . من السودان قصدت الوفود اجتماع الأمم المتحدة وانتدبت حكومة السودان مندوبين الى نيويورك للاستعانة بهم في المعلومات بشأن السودان. قررت الجبهة الاستقلالية ارسال مندوبين عنها للمطالبة بانهاء الحكم الثنائي واستقلال السودان عن مصر وبريطانيا وكذلك فعل وفد السودان لعكس وجهة النظر الاتحادية والتقى الوفد الاستقلالي النقراشي وعقد معه محادثات غير رسمية وقدم أعضاؤه مذكرة لمجلس الأمن تصحح حقائق التاريخ والجغرافية التي شوهها النقراشي .حاولت جماعة من الخريجين(جماعة الجريف) التوفيق بين وجهتي النظر الاستقلالية والاتحادية ليتم عرض قضية السودان موحدة لمجلس الأمن ولكن رفض الجبهة الوطنية للجلوس للمفاوضات أنهاها قبل أن تبدأ.تركت القضية معلقة في مجلس الأمن ورأى كل طرف أن طرح القضية حقق له نجاحات .بعد انتهاء مناقشات مجلس الأمن أصدرت حكومة السودان بيانا حددت فيه واجباتها والتي أوجزتها في: التعجيل في تنفيذ توصيات مؤتمر السودان- عدم السماح بالتهاون في سياسة حكومة السودان المتعلقة بالسودنة والمحافظة على الأمن العام .
في 25 نوفمبر بعثت الحكومة المصرية بنتيجة دراستها لتوصيات مؤتمر ادارة السودان وبادخالها لتعديلات جوهرية لن توافق بدونها على التوصيات ومن مآخذ الحكومة المصرية على تلك التوصيات:عدم تحقيقها الغرض الذي قصدت اليه أي اشراك السودانيين في الحكومة المركزية والسلطات الضيقة التي منحها النظام المقترح للجمعية التشريعية وطالبت بتقييد السلطات الواسعة الممنوحة للحاكم العام وأن يكون للسودانيين نصيب في المناصب الرئيسية في المجلس التنفيذي وكل المناصب الأخرى في حكومة السودان من أجل التدريب لتكون لهم كل المناصب بعد الثلاث سنوات المحددة للتجربة ونبهت على تغييب الحكومة المصرية من المسئولية في التدريب وأشارت الى افتقادها للحريات الدستورية ولأحزاب ومؤتمر الخريجين .قدمت حكومة السودان دفوعاتها على الرد المصري. رحبت الجبهة الاستقلالية بمذكرة حكومة النقراشي بما يدلل على اتجاه مصري جديد لاعتراف مصري بكيان منفصل للسودان وحق السودانيين في حكم بلادهم.أعلن وفد السودان رفضه الكامل لتوصيات مؤتمر السودان ولو جاءت مبرأة من كل عيب بعدها بقليل بدأ الخلاف يدب في صفوف وفد السودان اثر اشاعة بتلقي البعض لتصاريح تموين مقابل سندهم لسياسات حكومة النقراشي ازاء السودان وبالنتيجة انسحبت كل الأحزاب الأخرى وصار الوفد مجرد واجهة للأشقاء .كان رفض حزب وحدة وادي النيل وحزب الاتحاديين صريحا في رفض مذكرة وخطاب النقراشي لاقرارهما بين الثنايا بالحكم الثنائي البغيض ولاغفالهما لوحدة وادي النيل .
أما الأزهري فقد كان موقفه غامضا بين التهنئة والقبول ثم الرفض والانكار.وأعلن حزب الأشقاء مقاطعة الجمعية التشريعية من حيث المبدأ.
في 17 فبراير 1948م تسلمت الحكومة المصرية مشروع قانون المجلس التنفيذي والجمعية التشريعية فرفضت التصديق عليهما بسبب الخلاف حول مسألة اشتراك مصر في اعداد السودانيين لتولي شؤونهم وتمثيلها في المجلس التنفيذي وازاء اصرار الحكومة البريطانية وحكومة السودان على تطبيق القانون اقترح الأزهري بصفته رئيسا للوفد اقتراحين:- أن تسارع مصر بوضع دستور ونظام لحكم السودان الداخلي في نطاق الوحدة وتحت التاج المشترك.- أن يعمل أنصار الوحدة على تبصير الشعب .بالرغم من رفض الحكومة المصرية لمشروع قانون المجلس التنفيذي والجمعية التشريعية الا أن مجلس الحاكم العام أجازه فانتقدت الحكومة المصرية هذا العمل .
توالت اجتماعات الوسطاء لجمع الأحزاب الاتحادية فتكونت جبهة الكفاح التي رفضت التعامل مع مؤسسات الحكم المتدرجة وأقامت الليالي السياسية وسيرت المواكب والمظاهرات في العاصمة والمدن الرئيسية ودعت الجبهة للاضراب العام والتظاهر.بعض أقطاب الختمية سجلوا اعتبارهم للجمعية التشريعية خطوة الى الأمام مقترحين بعض المقترحات بشأن سلطات الجمعية .
موقف الجبهة الاستقلالية:
أعلنت تأييدها ووصفته بالحدث التاريخي الأهم في نصف القرن الأخير والمجلس التنفيذي والجمعية التشريعية ما هما الا مرحلة في سبيل تحقيق الاستقلال.
في أبريل 1950 أعلن عن قيام تحالف بين حزب الاتحاديين والأشقاء الأحرار ونفر من المستقلين الأحرار أطلق عليه (الجبهة الوطنية) وتعرض هذا التحالف لهجوم عنيف من حزب الأشقاء.
عاد حزب الوفد المصري الى السلطة بعد فوزه بانتخابات يناير 1950 ووعد حال تشكل حكومته(النحاس) ببذل(أصدق الجهود وأقصاها ليتم الجلاء العاجل عن أرض الوادي بشطريه وتصان وحدته تحت التاج المصري من كل عبث واعتداء) لانجاز وعدها دخلت الحكومة المصرية في مباحثات مع الحكومة البريطانية بشأن الجلاء والسودان.وبدأت جولة مفاوضات في 26 أغسطس 1950م بين السفير البريطاني في القاهرة ووزير خارجية مصر وفي خطابه للعرش في 16 نوفمبر 1950 أعلن انتهاء صلاحية 1936م والجلاء الشامل ووحدة السودان ومصر تحت التاج المصري.رحب الأزهري بخطاب العرش وكذلك حزب الأمة ولكنه استنكر وضع السودان تحت التاج المصري معتبرا ذلك لون من ألوان الاستعمار وتناول قادة حزب الأمة موضوع الخطاب وتسائل عبدالرحمن علي طه ان كان سبيل مصر لتحقيق أهدافها الحرب (وقد جربتنا مصر قبل ذلك:عجمت عودنا وغمزت قناتنا ،فهل لانت قناتنا لغامز؟) استاءت حكومة الوفد من أحاديث قادة حزب الأمة معتبرة اياها اعلان حرب ضد مصر .
اقتراح الحكم الذاتي:
لافشال مشروع حكومة الوفد بفرض التاج المصري على السودان استقر الرأي على المطالبة في الجمعية التشريعية بالحكم الذاتي فورا.تم التمهيد لذلك بمذكرة رفعها الصديق المهدي (رئيس الحزب) وأحمد عثمان القاضي الى جيمس روبرتسون(الحاكم العام) لتقديمها لدولتي الحكم الثنائي لتخليص البلاد من الاعتداء على حقها في الاستقلال ولأن السودان بلغ درجة تؤهله لحكم نفسه.
نقل الأزهري وجهة نظره في مطلب الحكم الذاتي ورأيه في الجمعية التشريعية الى النحاس وبيفن.
أبرق النحاس للحاكم العام بتاريخ 13 ديسمبر 1950م مطالبا بوقف مناقشة اقتراح الحكم الذاتي وأردف ذلك بحث، بيفن لاصدار تعليمات للحاكم العام بعدم المضي في مناقشة الاقتراح في الجمعية.وأوضح بيفن أن الحاكم العام لم يتجاوز سلطاته بموافقته على المناقشة بما لا يمكن تقديره الا للشخص في مسرح الأحداث ولكنه طلب من الحاكم العام عدم اتخاذ أي عمل في الخرطوم يحتمل أن يثير جدلا بين الحكومتين البريطانية والمصرية.
سبب اقتراح الحكم الذاتي حرجا شديدا لحكومة السودان خاصة والمباحثات بين مصر وبريطانيا مستمرة ولذلك طلب من قادة حزب الأمة سحب الاقتراح ثم سعى الى تأجيل المداولة فيه وأخيرا عمل على اسقاطه مستخدما زعماء العشائر والجنوبيين.
قدم محمد حاج الأمين اقتراحه في 13 ديسمبر 1950م موضحا أن قبولهم الجمعية التشريعية كان خطوة أولية نحو الحكم الذاتي ومن ثم الاستقلال الكامل وأن الجمعية التشريعية والمجلس التنفيذي يدلان على مدى سنتين من عمرهما على استعداد السودانيين لحكم بلادهم.وفند عبدالله خليل الاتهامات التي استخدمت لاستقطاب زعماء العشائر والجنوبيين موضحا أن الهدف من الاقتراح هو اعلان الحكم الذاتي في نهاية عام 1952م (نهاية دورة الجمعية)لتكون الانتخابات القادمة على أساس الحكم الذاتي.فاز اقتراح الحكم الذاتي ب 39 صوتا مقابل 38 صوتا فكان أن قدم رئيس الجمعية التشريعية(الشنقيطي) وزعيمها(عبدالله خليل)قرار الجمعية بشأن الحكم الذاتي الى الحاكم العام ليرفعه لدولتي الحكم الثنائي.
في أبريل 1950 طرح السكرتير الاداري على الجمعية التشريعية مقترحا بتعديلات لقانون المجلس التنفيذي والجمعية التشريعية لعام 1948م بغرض توسيع دائرة المشاركة وزيادة عدد الدوائر ولتقليص المخاطر التي (تنطوي على اعتماد حكومة السودان في تأييد سياستها على السيد عبدالرحمن وحده) وتم تشكيل لجنة تعديل الدستور والتي تسبب قبول بعض أقطاب الختمية الاشتراك في اللجنة تصدع تحالف الجبهة الوطنية.وقد أكد الأشقاء مقاطعتهم للجمعية معدلة أو غير معدلة.
في يوليو 1950 أثار انقسام حزب الأشقاء قلق حكومة الوفد بما دعا النحاس للتوسط الذي لم يكلل بالنجاح وترجع أسباب الانقسام لعدة أسباب منها الشخصي والتنظيمي والاداري ولكن أهمها هو الاختلاف في تفسير معنى الاتحاد مع مصر .
انتهت جولة المباحثات المصرية البريطانية الى الفشل لتباين وتناقض الموقفين ولكن طلب بريطانيا أن تمهل لتقديم مشروعا جديدا لعلاج مسألة دفاع السودان هو ما منع محمد صلاح الدين(وزير الخارجية المصري) من الانسحاب بعد بيان موريسون(وزير الخارجية البريطاني) الذي ألقاه في مجلس العموم بتاريخ 6 يوليو 1951م بقوله(أن شعب السودان خطا خطوات تؤهله لأن يكون قومية منظمة تعتمد على نفسها).
ازاء الخلافات البريطانية المصرية اقترحت وزارة الخارجية الأمريكية تكليف السفيران الأمريكي والبريطاني باعداد تقييم مشترك عن الشعور العام في مصر بشأن الوجود العسكري البريطاني ومسألة السودان لأن أمريكا كانت تخشى أن يؤدي الغاء معاهدتي 1899م و1936م الى انهيار العلاقات المصرية –البريطانية وحدوث اضطرابات في مصر بما يعرض المشروع الغربي للدفاع عن الشرق الأوسط للخطر. قدم السفيران ما توصلا اليه ومن ضمنه الاعتراف علنا بالوضع الدستوري والقانوني للتاج المصري فيما يتصل بالسودان.اعتترضت حكومة السودان على ذلك المقترح محذرة من اضطرابات لا يمكن السيطرة عليها وحذر كذلك من أن الغاء المعاهدة سيجعل السودانيون يعتبرون أنهم غير ملزمين بها وسيطالبون بالاستقلال فورا وسيكون من العسير منعهم.
في 8 أكتوبر 1951م أعلن النحاس الغاء معاهدة 1936م واتفاقيتي 1899م .
كان موقف الأحزاب الاتحادية مؤيدا لالغاء الاتفاقية وكذلك موقف حزب الأمة ولكنه رفض الحكم الذاتي المشوه المبتور واعتبره استعمارا سافرا وبعث الحزب برقيات الى رئيس مجلس الأمن ورئيس وزراء مصر ووزير خارجية بريطانيا (أنه بالغاء معاهدة 1936م واتفاقيتي 1899م فان السودان قد استرد سيادته وأن حزب الأمة لا يرضى بغير حكومة سودانية مستقلة.وبعد أن صدر في 15 اكتوبر 1951م قانون انهاء العمل بأحكام المعاهدة والاتفاقيتين أعلن حزب الأمة للشعب السوداني وللعالم أن ادارة السودان الحالية قد أصبحت دون سند قانوني.والتي ستكون فترتها القادمة بمثابة فترة انتقال لتقرير المصير.وأعلن الحزب أنه أعد مشروعا يمكن السودانيين من اعلان سيادتهم بواسطة هيئة شعبية منتخبة وأنه على اتصال بالهيئات والأحزاب للاتفاق على رأي موحد.
وأوضح الحاكم العام عدم اعترافه بالالغاء من جانب واحد وأنه بعد نشر تقرير لجنة تعديل الدستور وبعد أن يتعرف على رغبات الشعب السوداني بشأن التقرير سوف يتمكن من التوصية بتاريخ محدد لبلوغ الشعب السوداني الحكم الذاتي.نيابة عن حزب الأمة اعتبر عبدالله خليل أن بيان الحاكم العام غير كاف ويعوزه القطع والتحديد.ازاء ذلك أضطر الحاكم العام لأن يصدر بيانا تفسيريا في 15 اكتوبر 1951م ذكر فيه أن تحديد التاريخ مرهون بنشر التقرير تجري على أساسه انتخابات الجمعية الجد يدة بأسرع وقت ممكن عام 1953م وكان موقف الحكومة البريطانية مؤيدا لحكومة السودان.
في 13 اكتوبر1951م قدمت بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وتركيا مقترحات للحكومة المصرية لانشاء قيادة متحالفة للدفاع عن الشرق الأوسط ضد العدوان الخارجي.وقد دعيت مصر للاشتراك كعضو مؤسس وعلى قدم المساواة مع الدول الأربع.
في 13 اكتوبر 1951م قدم السفير البريطاني مقترحات جديدة بشأن السودان اعتبرتها أمريكا غير كافية لضمان مشاركة مصر في مشروع الشرق الأوسط للدفاع وأوضحت للحكومة المصرية معرفتها بها من باب العلم وأيدت وجهة النظر البريطانية القائلة بأن مسألتي الدفاع والسودان منفصلتان.
رفضت الحكومة المصرية المقترحات البريطانية جملة وتفصيلا في 14 اكتوبر1951م.
في نهاية اكتوبر أعلنت الأحزاب الاتحادية توصلها لنقطة التقاء وعرضت على الأحزاب الأخرى نقطة تصلح أساسا لاتفاق الجميع.
في 20 نوفمبر 1951م أعلن حزب الأمة وجهة نظر مفصلة في دعوات الائتلاف التي طرحت في ذلك الوقت مذكرا بأن هدفه هو استقلال السودان التام بكل حدوده الجغرافية وأن وسائله لتحقيق ذلك الهدف هي:
- الاشتراك في الجمعية التشريعية والمجلس التنفيذي كخطوة أولى.
- التقدم باقتراح الحكم الذاتي.
- اعلان مقاطعة الانتخابات القادمة اذا لم تقم على أساس الحكم الذاتي الكامل.
- الائتلاف مع الأحزاب والهيئات المستقلة الممثلة لأغلب وجهات النظر السودانية في لجنة الدستور حتى يقوم الحكم الذاتي الكامل في 1952م ويقرر السودان مصيره قبل 1953م.
في 16 نوفمبر 1951م أعلن وزير خارجية مصر من منبر الأمم المتحدة في باريس قبول الاستفتاء لتقرير مصير السودان.أعلنت الأحزاب الاتحادية موافقتها على الاستفتاء وكذلك فعل حزب الأمة ولكنه شكك في امكانية ذلك مع استمرار سريان المراسيم التي أصدرتها الحكومة المصرية بشأن السودان وأوفد وفدا لباريس للدعاية للسودان والترويج للفكرة الاستقلالية أمام وفود الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وقد أصدرت جميع وفود الأحزاب التي تتابع اجتماعات الجمعية في باريس بيانا في 12 ديسمبر 1951م أعلنت فيه قبول الاستفتاء لأنه سيحفظ لسودان سيادته كاملة ويسمح بتقرير مصيره بالطرق الديمقراطية العادلة.ليكون الاستفتاء على الاستقلال التام أو الاتحاد مع مصر ،الا أن اقتراح محمد صلاح انتهى الى لا شيء لأنه كان مبادرة شخصية بدون موافقة حكومته وقد اعتبرته الحكومة البريطانية مناورة دعائية.
في 13 يناير وصلت الى السودان بعثة أمريكية (بعثة استبلر) لاستطلاع وجهة نظر قادة السودان وادارته البريطانية بشأن مسألة قبول التاج المصري الرمزي خلال الفترة الانتقالية التي تسبق تقرير المصير فالجانب الأمريكي يرى ضرورة استرضاء مصر لضمان مشاركتها في مشروع الشرق الأوسط. وقد تزايد الضغط الأمريكي بعد حريق القاهرة في 26 يناير 1952م وقد شارك استبلر في اجتماع باريس الذي عقد بين وزيري الخارجية الأمريكي والبريطاني(ايدن وأشيسون) في 26 مايو 1952م حيث تركز النقاش بصفة رئيسية حول مسألة قبول السودلانيين للقب الملك وأهمية ذلك لتسوية مسألة الدفاع مع مصر.وقد عبر كافري (السفير الأمريكي) في القاهرة في نوفمبر 1952م عن تبرمه من اهتمام حكومة السودان بمصير عشرة مليون من الزنوج أكثر من اهتمامها بالخطط الغربية للدفاع عن الشرق الأوسط.
بعد اقالة حكومة الوفد في 27 يناير 1952م كلف علي ماهر بتشكيل الوزارة ولكنه استقال وخلفه أحمد نجيب الهلالي في أول مارس 1952م أعرب الهلالي عن رغبته في مواصلة المباحثات مع بريطانيا بشرط الوصول لصيغة مرضية فيما يختص بمسألة السودان تتضمن اسناد لقب (ملك مصر والسودان) لفاروق.
وفي مايو 1952م تقدمت الحكومة البريطانية بصيغة جديدة لتجاوز عقبة السودان تتعلق باسناد لقب الملك اذا أمكن الوصول لحل مرضي للسودانيين.وأن هذه الصيغة هي أقصى ما تستطيع تقديمه بريطانيا لعدم استعدادها للتخلي عن تعهداتها ليس فقط من أجل السودانيين ولكن أيضا بسبب الرأي العام فيها الذي لن يقبل أي تغيير في السياسة البريطانية تجاه السودان. وفي تقريره لوزارة الخارجية البريطانية عن رد الفعل على الصيغة البريطانية الجديدة قال الحاكم العام أن رد فعل أعضاء المجلس التنفيذي اتسم بالحذر والريبة وأن من ينتمون الى حزب الأمة أعلنوا أن مسألة لقب ملك ينبغي أن يقررها السودانيون ولا أحد غيرهم. وأعلنوا رفضهم للسيادة الرمزية في الفترة التي تسبق تقرير المصير أو بعدها.
وكان عبدالله خليل قد بعث في 22 أبريل 1952م برقية الى وزير الخارجية البريطانية بوصفه سكرتيرا لحزب الأمة يخبره فيها بثقتهم الكاملة في الوعود البريطانية المتكررة وعدم استعمال السودان نقطة مساومة في فض النزاع الانجليزي-المصري وأخبره أن محاولة مصر لفرض تاجها على السودان ( سوف تقاوم بعنف).
في 8 مايو 1952م عرض الحاكم العام مشروع الحكم الذاتي على الجمعية التشريعية لاجازته ورفعه لدولتي الحكم الثنائي وقد رفض الضغوط التي رمت الى تأجيل ذلك خوفا من عواقب وخيمة خاصة وأن تقاريرا صحفية عديدة تحدثت عن تراجع الحكومة البريطانية أمام الضغوط المصرية.وقد أفلح السفير البريطاني في اقناع الهلالي بأن ذلك(عرض مشروع الحكم الذاتي) لا يعدو أن يكون مسألة اجرائية حتى لا يؤثر على المحادثات المصرية البريطانية.
مصر تحاور الحركة الاستقلالية:
أيقن الهلالي أن لاسبيل لتجاوز عقبة السودان الا بالحوار المباشر مع الحركة الاستقلالية ومحاولة اقناعها بقبول التاج الرمزي خلال الفترة الانتقالية والقضاء بذلك على حجج بريطانيا بشأن استشارة السودانيين. في النصف الأول من مايو 1952م قدم الهلالي دعوة للسيد عبدالرحمن أو من ينوب عنه لزيارة القاهرة للتباحث حول مستقبل السودان السياسي وعلاقته بمصر.حرص السيد عبدالرحمن على ابلاغ حكومة السودان بدعوة الهلالي خوفا من أن تستغل الحكومة البريطانية وحكومة السودان الدعوة ذريعة للتنصل عن التعهدات التي قطعت للاستقلاليين بشأن التطور نحو الحكم الذاتي وتقرير المصير وعدم البت في الشأن السوداني دون استشارة أهله.وعندما استقر رأي السيد عبدالرحمن بارسال وفد بدلا عنه أخبر حكومة السودان بأن الوفد سيسافر على أساس تعليمات محددة هي – الغاء مراسيم النحاس- قبول الحكومة المصرية التعاون من أجل اقرار الحكم الذاتي- اعتراف مصر بحق السودانيين بتقرير مصيرهم .ودون هذه الشروط ليس ثمة داع للسفر للقاهرة وضّمن هذا في رسالة حملت لمصر.قابل السيد عبدالرحمن الحاكم العام قبل سفره لاجازته السنوية وأبلغه بوجهة النظر الاستقلالية الي سيحملها الوفد وأبدى له قلقه من محاولات الضغط الأمريكية والتي تبينت له عند مقابلة هوسكنز( مستشار شؤون الشرق الأوسط بوزارة الخارجية الأمريكية وقد زار السودان خلال شهر مايو 1952م) الذي حاول اقناعه بفكرة قبول التاج ولكنه رفض ذلك وطلب من هوسكنز اقناع الحكومة المصرية بالموافقة على الاجراءات الدستورية في السودان ويترك للبرلمان السوداني البت في المطالب المصرية.
وعلى الرغم من عدم تلقي اجابة بشأن الشروط لحكومة الهلالي لسفر الوفد فقد قرر السيد عبدالرحمن أن يسافر الوفد ليسمع المصريين وجهة النظر الاستقلالية ويسمع منهم دون تفويض أكثر من ذلك.أصدر الوفد بيانا بمهمته التي تلخصت في عرض وجهة النظر الاستقلالية وحمل مقترحات الهلالي التي سترفع للسيد عبدالرحمن لتدرس ويبت بشأنها. وقد نوقشت المقترحات من قبل الفصائل الاستقلالية ورفضت مسألة التاج واستقر الرأي للتقدم للهلالي باقتراح لايجاد علاقة قانونية بين مصر والسودان في الفترة الانتقالية التي تسبق تقرير المصير.وقبل تمكنها من الرد على مقترحات الاستقلالين استقالت حكومة الهلالي وخلفتها حكومة جديدة برئاسة حسين سري.
في 8 مايو 1952 اتصل وزير الداخلية المصري بالسيد عبدالرحمن وأبلغه دعوة رسمية لزيارة مصر وقد رؤي الاستجابة للدعوة وتقديم وفد ليوجز للحكومة الجديدة مباحثات الاستقلالين مع الهلالي وردهم على مقترحاته بخصوص مسألة التاج الرمزي ورفضهم لها واقتراح احياء اللجنة الثلاثية ( لجنة تتكون من السودانيين والمصريين والبريطانيين لتعمل مع الحاكم العام أثناء الفترة الانتقالية).حدد يوم 26 يوليو للزيارة ولكن حسين سري استقال في 22 يوليو وخلفه الهلالي الذي لم يبق أكثر من 18 ساعة لاستيلاء الجيش على السلطة في 23 يوليو 1952م.
ثورة يوليو تفتح الطريق لاتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير:
بدأت ثورة 23 يوليو تحولا مهما في السياسة المصرية باتجاه السودان فأسقطت المطالبة بالسيادة على السودان وقبلت الفصل بين مسألتي الدفاع والسودان واعترفت بحق الشعب السوداني في تقريره مصيره: استقلالا كاملا أو ارتباطا مع مصر ووافقت على مشروع قانون الحكم الذاتي. ولكنها لم تسقط شعار وحدة وادي النيل أو تسلم بفصل السودان عن مصر وانما راهنت على قدرتها على التأثير على مجريات الأمور.
سافر السيد عبدالرحمن الى لندن وفي 11 اكتوبر التقى بانتوني أيدن بمقر وزارة الخارجية البريطانية وقد ذكر له أنه حضر لهذا اللقاء بصفته الشخصية وتعرض لأن اهتمامه الرئيس ينحصر في قيام حكومة مستقرة في السودان لتنهض به ووصف الحكم الثنائي بالوضع الشاذ كما تعرض لزيارته السابقة للندن ومقابلة أتلي وللفترة الطويلة التي تعاون فيها مع حكومة السودان للنهوض بالتطورات الدستورية التي ارتضاها سبيلا لتحقيق الاستقلال وطلب السيد عبدالرحمن المسارعة باجراء الانتخابات وأن تكون مباشرة في كافة شمال السودان ليكون البرلمان تمثيليا، مقترحا شهر نوفمبر 1952م للانتخابات وخلص أيدن الى أن زيارة السيد عبدالرحمن للندن والقاهرة ستساعد مساعدة كبيرة، كما اجتمع ايدن بممثلي الجبهة الوطنية السودانية الذين أتوا لمقابلته في لندن مطالبين بأن يتم تقرير مصير السودان عن طريق استفتاء على السودان المستقل أو المتحد مع مصر تحت التاج المصري وذكروا في حديث طويل بعض منه رأيهم (أنه ليس من العدل أن يقوم البريطانيون باحداث التطور الدستوري في السودان بدون المشاركة الكاملة للسودانيين أو المصريين). وقد لاحظ أيدن أن وفد الجبهة الوطنية يطلب منه الرجوع عن العمل الضخم والشاق الذي تم انجازه وقد وعد الوفد بالنظر في الآراء التي طرحها الوفد ابان الاجتماع ولكنه أبلغه بأنه لا يعد بأنه سوف يغير وجهة نظره.
الاستقلاليون يفاوضون حكومة ثورة 23 يوليو:
قبل وصول السيد عبدالرحمن للندن سبقه وفد المفاوضات التمهيدية الى القاهرة (عبدالله الفاضل المهدي،محمد صالح الشنقيطي ،محمد أحمد محجوب، وأحمد يوسف هاشم اضافة لعبدالرحمن علي طه بعد قدومه من لندن) بسط الاستقلاليون وجهة نظرهم وخلوص نواياهم تجاه مصر محذرين بأن أية محاولة من جانب مصر لتأجيل تنفيذ مشروع الحكم الذاتي سينظر اليها السودانيون بعين السخط وسيعتبرونها عداء وبناء على ذلك طرحت الحكومة المصرية في 21أكتوبر نقاطا قبلوها كأساس للمفاوضات وهي:
- الهدف:تقرير المصير في حرية تاما (الاستقلال الكامل أو الاتحاد مع مصر).
- اشتراطات:تعديل دستور الحكم الذاتي المقترح بما يحقق حكم السودانيين لأنفسهم فورا،تكون فترة الحكم الذاتي تصفية للادارة الثنائية وليس امتدادا لها،سودنة الادارة الحكومية في السودان.
- الوسائل:بحث الوسائل العملية التي تحقق المذكور أعلاه.
في 22 أكتوبر 1952م أعلن أيدن أنه أخطر الحاكم العام بالانابة بموافقة الحكومة البريطانية على مشروع الحكم الذاتي ليقوم موضع التنفيذ في أي وقت بعد 8 نوفمبر 1952م .
وصل السيد عبدالرحمن الى القاهرة قادما من لندن في يوم 20 أكتوبر 1952م بصحبة عبدالرحمن علي طه،عبد الحليم محمد ومامون حسين شريف وقد أصدر فور وصوله تصريحا صحفيا عبر فيه عن سعادته بالزيارة التي حققت رغبة أبداها منذ عام 1946م

وفي 21أكتوبر التقى محمد نجيب بعبدالرحمن علي طه لمدة أربع ساعات لتنظيم سير المباحثات الرسمية التي أعلن أنها ستبدأ في 22 أكتوبر 1952م.
في 29 أكتوبر 1952م تم بمقر رئاسة مجلس الوزراء التوقيع على الاتفاق بين الحكومة المصرية ووفد الاستقلالين :البند الأول تقرير المصير في حرية تامة تسبقه فترة حكم ذاتي كامل- الاتفاق على تعديل الدستور المقترح على أسس السلطة الدستورية أثناء الفترة الانتقاليية وتعديل قانون الانتخابات لتكون الانتخابات مباشرة في كل السودان ما عدا الولايات الجنوبية الثلاث. واتفق الطرفان على لجنة للاشراف على الانتخابات ولجنة للسودنة . على أمل أن تتقدم الحكومة المصرية بما تم التفاهم بشأنه كتعديلات منها للدستور المقترح للحكم الذاتي في السودان في تاريخ قبل 8نوفمبر 1952م تمهيدا لقيام الحكم الذاتي في 31 ديسمبر 1952م على أن يتم تقرير المصير في أي وقت بعد ذلك بحرية تامة.
حرصا على صيانة الاتفاق بين الاستقلالين والحكومة المصرية وحفاظا على الأجواء الايجابية التي سادت علاقات الجانبين وقع الاستقلاليون مع الحكومة المصرية في 29 أكتوبر 1952م اتفاقية الجنتلمان التي تناولت 5 مسائل(مياه النيل،برنامج النقطة الرابعة (الذي يتلخص في أن تعمل مصر ما في وسعها لكي تحصل للسودان على نصيب من المعونة التي تدخل في نطاق برنامج النقطة الرابعة الأمريكية) ،التمثيل في المؤتمرات العالمية،انفاق الأموال المصرية في السودان،والمحافظة على روح التآلف والتعاون بين مصر والسودان في العهد الجديد.
وفي 30 أكتوبر 1952 قام السيد عبدالرحمن بزيارة السفير البريطاني في القاهرة(رالف استيفنسن) يرافقه عبدالله الفاضل،الشنقيطي وعبدالرحمن علي طه وقد عبر له عن سروره بنتائج زيارته لمصر وأطلعه على ما اتفق عليه وختم بقوله ان قبول الحكومة البريطانية بالاتفاق سيسهل حل المشاكل الأخرى.
في 1نوفمبر 1952 وقع قادة الأحزاب الاتحادية وثيقة ذكروا فيها أنهم أحيطوا علما بالأسس التي تم الاتفاق عليها بين الحكومة المصرية والاستقلالين في 29 اكتوبر 1952م وأنهم اعتبروا تلك الأسس حدا أدنى لما يمكن أن تقبله الحكومة المصرية في مباحثاتها مع الحكومة البريطانية بشرط أن تعمل الحكومة المصرية بكل السبل للوصول الى المشروع المعدل الذي تقدمنا به. ولغرض تنظيم الجلاء وايجاد الجو الحر لتقرير المصير سيشتركون في انتخابات البرلمان بعد وضع ما رأوا من ضمانات.وعندما سئل الأزهري في 6 نوفمبر 1952م عن وعده بمقاطعة المؤسسات الدستورية أجاب (بأنه وعد بذلك عندما كانت المؤسسات تقوم على الوحي البريطاني أما الآن ومصر الرشيدة تقود المعركة فنحن مطمئنون كل الاطمئنان الى الهدف القريب والبعيد).
أفلح نجيب وصلاح سالم في توحيد الأحزاب الاتحادية وفي اجتماع 31 اكتوبر1952 وافق رؤساء الأحزاب و الهيئات الاتحادية على قيام الحزب الواحد وأجيز دستور الحزب في 2 نوفمبر 1952م في منزل الرئيس المصري محمد نجيب وبموجب ذلك تّكون الحزب الوطني الاتحادي .
في 2 نوفمبر 1952م سلم محمد نجيب السفير البريطاني في القاهرة رالف استيفنس مذكرة ضمنت وجهة النظر المصرية بشأن الحكم الذاتي وتقرير المصير للسودان.أسست المذكرة المصرية الى حد كبير على الاتفاق المبرم بين الاستقلاليين والحكومة المصرية في 29 أكتوبر1952م.
بدأت المفاوضات المصرية-البريطانية بشأن الحكم الذاتي وتقرير المصير للسودان في 20 نوفمبر 1952م ولكنها تعثرت.
في 10 يناير 1953م صدر بيان جاء فيه أن أحزاب الأمة والوطني الاتحادي والجمهوري الاشتراكي والوطني قد اتفقت بشأن دستور الانتقال وهو نفس موقف الحكومة المصرية فكان ذلك اضافة للدور الأمريكي سببا في التعجيل باتفاق الحكومتين المصرية والبريطانية بشأن الحكم الذاتي وتقرير المصير للسودان وقد كانت أمريكا مهتمة بنجاح المفاوضات المصرية البريطانية ليتفرغ الجانبان لبحث مسألة جلاء القوات البريطانية عن مصر والترتيبات الغربية بشأن دفاع الشرق الأوسط لملأ ما سيترتب من فراغ بعد انسحاب القوات البريطانية ولمنع النفوذ السوفيتي الشيوعي من التمدد.فتم التوقيع على الاتفاقية وأقيم في الخرطوم في 14 فبراير 1953م احتفالا ابتهاجا بالاتفاق.
التدخل المصري السافر في انتخابات 1953م:
بعد وقت قصير من التوقيع على اتفاقية الجنتلمان تبين لحزب الأمة أن الجهاز الذي أنشأه العهد الملكي للدعاية لوحدة وادي النيل لا يزال يمارس نشاطه بأنشطة مختلفة لدعم الحزب الوطني الاتحادي وللتأثير على الناخبين وقد عبر حزب الأمة عن تبرمه من ذلك على لسان عبدالله خليل في مارس 1953م وأوفد الحزب عبدالرحمن علي طه وعلي بدري وعبدالرحمن عابدون الى القاهرة للتباحث مع الحكومة المصرية في ذلك واجتمعوا مع محمد نجيب وصلاح سالم وحسين ذو الفقار اجتماعا
ت وصفها عبدالرحمن علي طه (بأنها بالغة العنف)وقال (وبعد اعترافات لا يجمل أن أتعرض لها) اتفق الجانبان على أن يوجه محمد نجيب بيانا للشعب السوداني لطمأنته أن مصر لا تقوم بأية دعاية في السودان وأنها ستلتزم الحياد حتى يقرر السودان مصيره.وبعث خطابا للسيد عبدالرحمن أحاله الى هيئة حزب الأمة العليا للدراسة وبعث في 5 مايو 1953م ردا عليه يفصل فيه مطلوبات حزب الأمة التي تضمن حياد مصر في الانتخابات السودانية وفي تعقيبه على رد السيد عبدالرحمن دعا محمد نجيب الى (مراجعة مصادره التي تصور لهم شبح الدعاية المصرية في كل شيء...)وأكد حرص مصر على كل ما ورد في اتفاقية الجنتلمان ولكن ما أثار قلق حزب الأمة هو تناول نجيب لمسائل لم تبحث في اجتماعاته مع وفد الحزب مثل الفرق الذي يراه بين الاستقلال والاتحاد (بسيط كل البساطة)في حالة الاستقلال ستكون هناك معاهدة تشرف على تنفيذها هيئة مشتركة بعد الرجوع للحكومتين وفي حالة الاتحاد ستكون هناك هيئة مشتركة تعمل بتوجيه الحكومتين في المسائل التي كانت ستتناولهاالمعاهدة.خشي حزب الأمة أن يكون القصد من اثارة هذه المسائل تقييد الاستقلال ليكون صوريا فتحاشى الدخول في نقاش بشأن المفهوم المصري للاستقلال.
في 23 مايو 1953 م في طريقه الى لندن ناقش السيد عبدالرحمن مع نجيب في المطار مسألة التدخل المصري في الانتخابات ولكن رد نجيب لم يرضي عبدالله خليل الذي كان برفقة الامام فارتفع صوتهما لدرجة دفعت الامام للابتعاد عنهما.
في 25 مايو 1953م قرر حزب الأمة ايفاد عبدالله الفاضل وعبدالله خليل لمزيد من المفاوضات بشأن انتهاكات الجنتلمان ولكن مصر لم تلتزم بما أعطت من تعهدات مما دفع الحزب للتقدم في النصف الثاني من اكتوبر 1953م بشكوى رسمية الى لجنة الانتخابات متهما مصر بالتدخل في الانتخابات لصالح حزب معين.
انتخابات 1953م:
في 8 أبريل 1953م أصدر الحاكم العام اعلانا بتعيين لجنة الانتخابات.التي جرت في نوفمبر 1953م.
انتهت انتخابات 1953م بهزيمة حزب الأمة والتي رفضها الحزب في البداية ثم امتص الصدمة التي سببتها النتيجة غير المتوقعة و عقد مؤتمرا استثنائيا في 12 ديسمبر1953م لمناقشة نتائج الانتخابات وسياسة الحزب في المرحلة القادمة .
أجرى وليم لوس مستشار الحاكم العام تحليلا للانتخابات ذاكرا فيه أسباب هزيمة حزب الأمة ولكنه دعا الى عدم التقليل من شأن التدخل المصري في الانتخابات وخلص الى أنه بدون هذا

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1429

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




ام سلمة الصادق
ام سلمة الصادق

مساحة اعلانية
تقييم
2.44/10 (69 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة