المقالات
السياسة
صورة من ( حي العرب )
صورة من ( حي العرب )
11-05-2013 05:28 AM


أول ما رأيت حي العرب رأيتها ( غائمة ) كأنها وسط ضباب , و رأيت كثيرا من الأحذية مبعثرة فوق عتبة أسمنتية مستطيلة , وسمعت كثيرا من النساء يبكين بذلك البكاء الحار الصادق . كانت الأحذية مكونة من ( سفنجات ) قديمة مهترئة , ومراكيب جلدية أكل الدهر عليها وشرب وبعضها محفور من ناحية الكعب , وبعض سيور السفنجات من الأسلاك أو الدلاقين وذلك قبل أن تظهر أحذية ( تموت تخلي ) بسنوات طويلة . تلك الأحذية التي برع فيها أولاد الغرب دون أولاد أمدرمان الذين كانوا يصنعون في بيوتهم الأحذية الجلدية الثمينة من جلد الورل و النمر وثعابين التندرا أو الجلود العادية وكان بيت شاعر الأغنية السودانية الأول ( عبد الرحمن الريح ) الذي كان يعيش في حلة ( الأشراف ) ورشة كاملة لهذه الصناعة ( وكذلك المحافظ ) التي انتشرت إلى حي ( الصحة ) المجاور لاستاد الهلال حيث كان يعيش محمود علي التنقاري شاعر ( عني مالم صدوا واتواروا ) , كما كانوا يصنعون الحلويات بكافة أشكالها من حلاوة ( دربس ) وحلاوة ( قصب ) و ( حمص ) خاصة في الأجزاء الشمالية من الحي . رأيت نساء مشلخات كبيرات في السن ويلبسن ( الفرد ) وثياب ( الزراق ) وهن يبكين كما بكين لآلاف السنين وهن حافيات الأقدام , وحاسرات الرؤوس , وعيونهن محمرة , والدموع تسيل على خدودهن مدرارا . كانت الواحدة منهن تضع أطراف أصابعها على رأس أختها وتبكي معها وتعزي وتعدد حسنات الميت وأيامه , وتقول الواحدة منهن الأكثر حزنا " ياود أمي هووووي . ودوك الليلة وين ؟ " يا ود حشاااااااي ختوك الليلة وين . أحي . أحي ؟ " وتنفجر الأخرى في البكاء معها لصوتها ا لحزين المكلوم ولصدقها ويبكي الأطفال مع الأمهات . ربما لأن الموت كان نادرا في ذاك الزمان –ربما - أو لأن الحزن لا يتوقف لسنوات ولا يضمحل حتى يموت شخص آخر يضاعف ذلك الحزن المقيم المستديم , وربما كانوا موتى يتعايشون مع الحياة . رأيت أمي وهي من ( حسانية ) شمال حي العرب ذلك الجزء المحاذي للمظاهر والمسالمة ومصانع (الظهرة ) ودباغة الجلود وسط النساء وهي تبكي مثلهن ولا أدري الشخص الذي يبكين عليه ذاك البكاء الكبير. الخليفة عبدالله التعايشي حينما هرب من كرري مر بذاك الجزء من ( حي العرب ) ورأته ( خادم الله بت خالد ) التي تزوجها إبراهيم ود عبد الرسول جد بعض الحسانية هناك, وهو من مواليد ( القفلة ) وكانوا يوالون أسرة المهدي التي ذاقت بعض العسف من الخليفة , ولا يرضون بهم بدلا , وقالت معبرة عن شماتتها وغضبها ( شوف عيني –العبد- راكب الحصين, مر بي هنا ) وعاشت عمرا طويلا , وشاركت الأحفاد في مستقبلهم حتى ظنوا أنها لن تموت أبدا , وعندما توفيت بكوا عليها كأنها فتاة صغيرة . عندما حضر ( العنقريب ) , ذاك الغامض الغريب , وكان يحمله بعض الرجال المكلومين زاد عويل النساء اللاتي اصطففن أمام باب ( الصنت ) وكان بعضهن يردح ( كقبائل الماساي ) و ( يتدردق ) (بالواطة) , ويترمد بالتراب , ويتحدثن عن محاسن الميت , وأياديه البيضاء , فكل الموتى حتى رقيقي الحال منهم كانوا من الكبار والعظماء , وكان بعض الناس يشيرون ويقولون " هذه أخته . " فتبدو كميتة تستحق الرثاء والبكاء و ( المقالدة ) , أو " هذا محمود أخوه . " وكان ذلك يزيد من حدة المأساة ويظهر الفرق الشاسع بين الميت والحي . ذاك الفرق وذكرى الموتى المرفرفة دائما في ذاك الحي كانت تجعل من الموت احتفالا .

[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1271

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#819635 [طه جعفر]
0.00/5 (0 صوت)

11-06-2013 12:25 PM
مقالك فارق


خالد بابكر أبوعاقلة
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة