المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
تاج السر عثمان بابو
الجذور التاريخية للتهميش في السودان (5)
الجذور التاريخية للتهميش في السودان (5)
01-01-2011 05:11 PM

الجذور التاريخية للتهميش في السودان (5)

الجـنوب
عند تناول مسألة جنوب السودان، فإن اللافت للنظر ذلك التباين في أنماط الإنتاج وسبل كسب العيش والتباين القبلي والسياسي والثقافي والديني واللغوي.
ولا يمكن القول، أن الجنوب يمثل مجموعة متناسقة موحدة من القبائل، وبالتالي يصعب الحديث عن قومية واحدة في الجنوب. شقت قبائل وشعوب الجنوب طريقها المعقد والطويل من حياة بدائية كانت تقوم علي التقاط الثمار والصيد حتى شهدت تلك القفزة باكتشاف الزراعة وتربية الحيوانات.
علي أن قبائل الجنوب لم تتطور تطوراً باطنياً طبيعياً إلي مستوي تكوين الممالك والسلطنات التي توحد مجموعة قبائل ، كما حدث في سلطنات الفونج والفور ومملكة تقلي ، لقد قطع الاستعمار التركي التطور الطبيعي والباطني لتلك الشعوب والقبائل .
ومعلوم أنه قبل عام 1821م كان سودان وادي النيل عبارة عن حلقات متصلة من حضارات وممالك بدءأً من حضارة المجموعات ومملكة كرمة ومملكتي نبتة ومروي والممالك النوبية المسيحية (نوباطيا ، المقرة ، علوة) والممالك الإسلامية (الفونج ، الفور ، تقلي ... الخ).
ومع بداية الاستعمار التركي المصري تم التكوين الحديث للسودان بعد سقوط سلطنة الفونج وضم كردفان وإقليم التاكا وسواكن ودارفور وكذلك تم التوغل في جنوب السودان نتيجة لعوامل مختلفة أهمها :-
- تحقيق أهداف محمد علي باشا من فتح السودان بجلب أكبر عدد من الرقيق إلي مصر.
- نشاط الرحالة الأوربيين لإكتشاف منابع النيل مثل الرحالة (سبيك ، صمويل بيكر ... الخ) .
- نشاط التجار والمغامرين الأوربيين والمصريين والسودانيين وغيرهم لتحقيق أكبر قدر من الأرباح من تجارة العاج والرقيق وريش النعام والتجارة في جنوب السودان واستمر التوغل في الجنوب حتى برزت المعالم الأساسية لمديرياته الحالية : مديرية بحر الغزال ، مديرية أعالي النيل ، المديرية الاستوائية ، تلك التي أصبحت فيما بعد جزءاً من السودان .
بهذا الشكل المأساوي والدموي تكون السودان الحديث بعد غزو محمد علي باشا للسودان.
لقد قاومت قبائل وشعوب الجنوب بالكفاح المسلح غزو الاستعمار التركي وتجارة الرقيق ودافعت بشراسة عن كيانها ضد اقتلاعها من جذورها في حملات تجارة الرقيق.
وعندما قامت الثورة المهدية في أيامها الأولي نهضت قبائل الجنوب في تحالف مع قبائل الشمال ضد المحتل التركي وكان هذا تعبيراً بشكل من الأشكال عن الكفاح والنضال المشترك ضد المستعمر ، وبداية لتفاعل تلك القبائل ولشعورها بأنها جزء من كيان واحد كبير هو السودان ولم تنحصر مقاومة الحكم التركي في القبائل التي كان لها تماس مع القبائل العربية والمسلمة ، بل شملت القبائل النيلية مثل الدينكا والشلك ، وتشير المصادر التاريخية إلي أن تلك القبائل أسهمت في الثورة المهدية في ساعاتها وأيامها الأولي .
كما قاومت قبائل الجنوب استبداد وعسف الخليفة عبد الله في سنواته الأخيرة وعلي سبيل المثال تمرد الشلك الذين أرسل إليهم الخليفة بتأدية عشر محصول المنطقة عندما اجتاحت مجاعة 1306هـ . امتنع الملك (الرث) عمر عن إرسال المحاصيل التي طلبها الخليفة متعللاً بأنه لا يخضع للخليفة ، أبدي الخليفة استياءه من تصرف زعيم قبيلة الشلك واعتبر موقفه ذلك عصياناً فجهز جيشاً بقيادة الزاكي طمل في عام (1890م – 1891م) ، حشد الملك عمر جيشاً للدفاع عن بلاده ، غير أن الزاكي طمل شن عليه هجوماً خاطفاً انهزم علي أثره الشلك ، كما قتل الملك عمر وأرسلت رأسه إلي الخليفة في أم درمان ، ثم قام الزاكي طمل بمصادرة أعداد هائلة من الماشية وقام بإرسالها إلي العاصمة ، مكث الزاكي طمل فترة من الوقت بعد تلك المذبحة التي قام بها في فشودة (عاصمة الشلك ، بلدة كدوك حالياً) ، والتي تركت في نفوس الشلك والقبائل المجاورة لهم شعوراً بالمرارة (عزام أبو بكر علي الطيب : العلاقة بين الخليفة عبد الله التعايشي وقبائل السودان ، دار جامعة الخرطوم ، 1992م ، ص 122 -123) .
فترة الاستعمار البريطاني (1898 - 1956) م :
في السنوات الأولي للحكم البريطاني ، قاومت قبائل الجنوب الحكم الجديد ، ورفضت دفع ضريبة الدقنية المذلة للكرامة الإنسانية ، ولم يتم إخضاع قبائل الجنوب إلا في عام 1932م ، وبعد اندلاع ثورة 1924م واشتراك أبناء الجنوب في قيادة الثورة ، عمل الاستعمار علي عزل قبائل الجنوب عن الشمال وشرع في تنفيذ قانون المناطق المقفولة الذي وُضع عام 1922م لتعميق الفوارق الثقافية والدينية والأثنية بين الشمال والجنوب تمهيداً لإضعاف الحركة الوطنية والشعور القومي الموحد ولفصل الجنوب عن الشمال ، وخاصةً أن الاستعمار البريطاني توجس خيفة من أن بعض قادة ثورة 1924م كانوا من قبائل الجنوب ، وبالتالي عرقل الاستعمار التطور السياسي والاقتصادي والثقافي لقبائل وشعوب الجنوب ، مما كان له الأثر في تمرد 1955م مع أسباب أخرى .
ورغم جهود الاستعمار في تعميق الفوارق بين الشمال والجنوب مثل : قانون المناطق المقفولة ، السياسة اللغوية في مؤتمر الرجاف 1928م (جعل اللغة الإنجليزية لغة رسمية) ، انفراد المبشرين بالتعليم في الجنوب حتى بداية الحكم الذاتي ، عدم المساواة بين الموظفين الشماليين والجنوبيين ، رغم تلك الجهود إلا أن مؤتمر جوبا عام 1947م ، ورغم تدخل وضغوط الإداريين الإنجليز جاء ليؤكد رغبة الجنوبيين في الوحدة مع الشمال وقيام مجلس تشريعي واحد في السودان .
ومع اشتداد عود الحركة الوطنية بعد الحرب العالمية الثانية وفي أواخر الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي وظهور مؤتمر الخريجين والأحزاب السياسية ، نال الجنوبيون بعض حقوقهم مثل :-
1. الحقوق والحريات الديمقراطية والمدنية .
2. كسر طوق المناطق المقفولة .
3. المشاركة في الانتخابات البرلمانية .
4. الأجر المتساوي للعمل المتساوي بين الموظفين الشماليين والجنوبيين .
5. زيادة في التعليم والخدمات الصحية والاجتماعية.
6. قيام بعض مشاريع التنمية مثل مشروع الزاندي الذي توقف بعد تمرد 1955م .
بعد الاستقلال :-
مع بداية الاستقلال كان وعد الأحزاب الحاكمة للجنوبيين بالفيدرالية في أول برلمان سوداني ولم يتم وفاء بذلك العهد والوعد وعلي سبيل المثال جماعة بولين الير (1954م – 1955م) التي وثقت بشكل مطلق في الحزب الوطني الاتحادي الذي لم ينجز وعودها ومطالبها التي كانت تتلخص في الأتي :-
- التنمية الاقتصادية ، الأجر المتساوي للعمل المتساوي مناصب معقولة في السودنة ، إلغاء ضريبة الدقنية ... الخ. وكان ذلك أسباب تمرد 1955م .
وخلال ديكتاتورية الفريق عبود (1958م – 1964م) ، كانت هناك مصلحة للجماهير في الشمال والجنوب في إسقاط النظام العسكري الذي قهر الشمال وبشكل أفظع الجنوب ، وفشلت ديكتاتورية عبود في فرض الحل العسكري ، وفرض الإسلام واللغة العربية بوسائل قسرية ، وكانت النتيجة هي تعميق المشكلة واتساع رقعتها بدلاً من حلها .
واستمرت المقاومة في الشمال والجنوب حتى قامت ثورة أكتوبر 1964م التي كانت مشكلة الجنوب أحد أسبابها الأساسية وبعد ثورة أكتوبر انعقد مؤتمر المائدة المستديرة ، والذي كان تعبيراً عن الرغبة في حل سلمي ديمقراطي للمشكلة ورغم فشل المؤتمر ، إلا أنه كان خطوة هامة لتعرف الأحزاب الشمالية والجنوبية علي أفكار بعضها البعض من خلال الحوار .
وبعد انقلاب 25 مايو 1969م فشل النظام الشمولي في حل مشكلة الجنوب رغم اتخاذ التدابير الآتية :-
- بيان 9 يونيو 1969م ، الذي أكد علي ضرورة الاعتراف بالفوارق بين الشمال والجنوب والحل السياسي الديمقراطي للمشكلة ، إلا أن نقطة الضعف أو كعب أخيل ، كان النظام الشمولي الديكتاتوري الذي لم يوفر أبسط مقومات الحل السلمي الديمقراطي وهي الديمقراطية ، أي أن الحل جاء بواسطة انقلاب عسكري صادر الديمقراطية والحريات الأساسية في الشمال والجنوب فكيف يقدم هذا النظام حلاً ديمقراطياً سلمياً للمشكلة ؟!
- اتفاقية أديس أبابا في مارس 1972م ، رغم ترحيب أهل السودان والدوائر الخارجية بوقف نزيف الدم الذي استمر لأكثر من 17عاماً ، إلا أنها كانت تحمل عناصر فنائها في داخلها وهي أنها صادرة من نظام ديكتاتوري شمولي غير مؤتمن علي المواثيق والعهود لإفتقاره للشرعية ولغياب الديمقراطية وسيادة حكم الفرد .
فكانت النتيجة أن انفجر التمرد مرة أخري في 1983م وبشكل أوسع من التمرد السابق الذي انفجر وبدأ في أغسطس 1955م .
وبعد انتفاضة مارس – أبريل 1985م ، كانت هناك مقترحات الحلول المختلفة التي صدرت من الأحزاب والهيئات والأفراد مثل مبادرة (الميرغني - قرنق) وكادت أن تؤدي لحل المشكلة لو لا أن قطعها انقلاب 30 يونيو 1989م فزاد الجرح عمقاً والخرق اتساعاً في حرب لا تبقي ولا تذر لواحة البشر ، لم يشهد لها تاريخنا السابق من ناحية الخسائر ونزيف الدم والتكاليف الباهظة لتلك الحرب علي حساب المواطنين وخدمات التعليم والصحة وتوقف التنمية .
كما أن مقترحات الحلول التي قدمها نظام الإنقاذ مثل (الحكم الفيدرالي) ومبادرة السلام السودانية ، والتي ولدت ميتة لأنها افتقرت لأبسط مقومات الحل وهو الديمقراطية والحقوق والحريات الأساسية في الشمال والجنوب ، وأخيراً تم توقيع اتفاقية السلام في نيفاشا بتاريخ 26/5/2004م .
اتفاقية نيفاشا وضمانات السلام :-
أكدت التجارب ضرورة الحل الشامل لكل قضايا ومناطق السودان، وربط الحل الشامل بالتحول الديمقراطي وتوفير الحريات والحقوق الأساسية: حرية التعبير والتنظيم والنشر وإلغاء قانون الطوارئ والاعتقال التحفظي.
كما أكدت التجارب ضرورة التنمية المتوازنة بين كل أقاليم السودان، وإعطاء الاعتبار للمناطق الأكثر تخلفاً.
كما أن السلام يعني توفير احتياجات المواطن الأساسية في التعليم ، الصحة فرص العمل ، الأمن والطمأنينة ، وترقية مستوي المعيشة ، وإعادة تأهيل مرافق الخدمات ومشاريع التنمية : مثل السكك الحديدية ، مشروع الجزيرة ، والمشاريع الزراعية الأخرى ، وتوفير فرص العمل بغض النظر عن اللون أو العرق أو المعتقد الديني أو السياسي ، واحترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ودولة المواطنة والواقع أننا عندما نتحدث عن المناطق المهمشة لا نغفل حقيقة التخلف العام في البلاد ، وبعد 47 عاماً من الاستقلال كان حصاد التنمية الرأسمالية التي قادتها الفئات العسكرية والمدنية كالأتي :-
- انهيار البنيات الأساسية والمشاريع التي خلفها الاستعمار مثل مشروع الجزيرة والسكك الحديدية والنقل النهري والخطوط الجوية السودانية والخدمة المدنية التي كانت تتميز بدرجة عالية من الكفاءة والانضباط.الخ..
- عجز غذائي ومجاعات ونزوح لا مثيل له منذ فترة المهدية من الأرياف للمدن بسبب الحروب وانهيار خدمات التعليم والصحة والضرائب الباهظة علي المزارعين والرعاة وخاصةً في فترة الإنقاذ.
- توسيع وتعميق حرب الجنوب وخاصةً بعد انقلاب 30 يونيو/ 1989م حتى أصبحت الحرب تشمل دارفور ومناطق الشرق وجنوب النيل الأزرق وجبال النوبة ، مما أدي للتدخل الأجنبي وفقدان البلاد لسيادتها الوطنية .
- انهيار خدمات التعليم والصحة والإنتاج الصناعي والزراعي.
- عدم الثقة بالنفس وتزايد الاعتماد علي الغير والهبات والمعونات.
- تركز الثروة في يد فئة قليلة ، وإرهاق كاهل المواطنين بالضرائب الباهظة دون تقديم خدمات مقابل لها ، وثم إفقار المواطنين بعد سياسة الخصخصة التي اتبعها نظام الإنقاذ منذ سنواته الأولي ، حتى أصبحت نسبة الفقر 94% وحتى بعد أن تم استخراج البترول والذهب كان من الممكن أن ينعكس علي حياة المواطنين اليومية وعلي تطور الإنتاج الزراعي والصناعي ، ولكن ذلك لم يتم .
وفي الجنوب وبعد توقيع اتفاقية السلام ، نواجه تحدي توحيد الوطن علي أسس طوعية وديمقراطية ، والذي يتطلب توفير العدالة والمساواة والتنمية المتوازنة والاعتراف الفعلي بالتعدد الديني والعرقي والثقافي والديمقراطية الحقيقية ، كما نواجه تعمير الجنوب وإصلاح ما دمرته الحرب ، وضرورة قيام البنيات التحتية مثل : الطرق ، السكك الحديدية ، البواخر النهرية ، خدمات المياه والكهرباء ، خدمات التعليم والصحة ، خدمات البنوك والتسويق .
إضافةً للإمكانيات الواسعة للتنمية في الجنوب بتطوير الزراعة والثروة الحيوانية وثروة الغابات (الأخشاب) ، والتصنيع الزراعي وتوفير العناية البيطرية للماشية ، وتطوير السياحة فالجنوب به ثروات زراعية وحيوانية وغابية إضافةً للبترول تجعله في حالة السلام والاستقرار السياسي في حالة تنمية وازدهار ، كما نواجه ضرورة التحالف الواسع العريض وتوسيع قاعدة التجمع الوطني الديمقراطي لمواصلة النضال عبر صندوق الانتخابات لتصفية الشمولية وتحقيق دولة المواطنة ، الدولة المدنية الديمقراطية التي تضمن وحدة البلاد .



تاج السر عثمان بابو

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 530

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




تاج السر عثمان
تاج السر عثمان

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة