المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د. أحمد الياس حسين
من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية (3)
من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية (3)
11-09-2011 06:20 PM

من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية -3- ..

قبيلة الحداربة
تناولنل في مقالنا السابق بلاد البجة ورأينا أنها كانت تتمتع بوفرة المياه من الأنهار دائمة الجريان ومياه الأمطار مما وفر ثروة زراعية وحيوانية غنية إلى جانب التجارة والتعدين. أدى كل ذلك إلى مساهمة سكان بلاد البجة بنصيب واضح في الآوضاع الحضارية في المنطقة. وسنتناول في مقالاتنا التالية ما ورد عن أؤلئك السكان في المصادر العربية حتى القرن الخامس عشرالميلادي أي قبل ظهور مسميات القبائل المعروفة لنا حاليّاً، وسنبدأ بقبيلة الحداربة.

قبيلة الحداربة من أكبر قبائل البجة التي حظيت بنصيب وافر من المادة في المصادر العربية. ونسبة لغزارة تلك المادة فسنتناولها في ثلاث حلقات نقسمها زمنيّاً وفقاً للوقت الذي أُلّفت فيه تلك المصادر. وسنتناول أولاً المادة التي وردت في مصادر القرنين الثالث والرابع الهجريين (التاسع والعاشر الميلاديين) وهي الفترة التي شهدت أغزر وأصدق مادة عن قبائل البجة في المصادر العربية، ونختتم الموضوع بالتعليق على المادة الشحيحة التي وردت في المصادر التي كتبت في القرون الخامس والسادس والسابع الهجرية (الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر الميلاديين). ، ثم ننتقل في الحلقات التالية إلى تناول ما ورد عند العمري وما نقله عنه القلقشندي ونواصل مناقشة ذلك إلى جانب ما ورد عن العربان وإماراتهم وما ورد في مصادر القرن التاسع الهجري (الخامس عشرالميلادي)

وقد اعتمد الباحث بصورة كبيرة علي كتاب مصطفي محمد مسعد القيم المسمى "المكتبة العربية السودانية في العصور السطى: مجموعة النصوص والوثائق العربية الخاصة بتاريخ السودان " ونشرته جامعة القاهرة فرع الخرطوم رقم 4 عام 1972. فالاحالات الواردة إلى المصادر هنا ترجع إلى ما كتاب مصطفى محمد مسعد إلا إذا ذكر خلاف ذلك. كما استعنت بالمادة التي جمعتها قبل عدة سنوات من موقع الوراق (warraq.com)

أ. قبيلة الحداربة في المصادر العربية المبكرة 3 – 4 هـ (9 – 10 م)
هنالك ملاحظة هامة ينبغى مراعاتها ونحن نتناول نصوص المصادر العربية عن قبائل البجة وهي أن أغلب المادة التي وردت في تلك المصادر عن البجة بصورة عامة قُصِد بها الحداربة الأمر الذي يتطلب ضرورة الانتباه لذلك. يقول اليعقوبي (ت 284 هـ / 897 م) الذي تعتبر نصوصه من أقدم وأغزر ما وصل إلينا عن البجة في المصادر العربية في كتابه البلدان ص 19:
"ومن العلاقي إلى أرض البجة الذين يسمون الحداربة والكدس خمس وعشرون مرحلة، ومدينة ملك البجة الحداربة يقال لها هجر، يأتيها الناس من المسلمين للتجارات" وفي كتابه التاريخ يقول اليعقوبي ص 21 - 22 "فأول مملكة البجة من حد أسوان، وهي آخر عمل المسلمين من التيمن بين المشرق والمغرب إلى حد بركات، وهم الجنس الذي يقال له نقيس، ومدينة المملكة يقال لها هجر... وفي بلادهم المعادن من التبر والجوهر، والزمرد، وهم مسالمون للمسلمين، والمسلمون يعملون في بلادهم في المعادن."

فحدود مملكة البجة الأولى – مملكة الحداربة - عند اليعقوبي تبدأ من آخر حد المسلمين في أسوان وتمتد جنوباً حتى وادي بركة. ويتضح من هذا التحديد أن هذه هي المنطقة التي ارتادها المسلمون في عملهم في مجال التعدين. فاليعقوبي أطلق على سكان المملكة الأولى في كتابه التاريخ الحداربة والكدس وعلى مملكتهم مملكة الحداربة، وفي كتابه البلدان أطلق عليهم وعلى اللملكة اسم نقيس، لكنه أعطى العاصمة إسماً واحداً وهو هجر.

ويلاحظ أن اليعقوبي لم يذكر اسم نقيس في كتابه البلدان بينما تكرر اسم الحداربة، وفي كتابه التاريخ جعل الحدارب فرعاً من نقيس. ولم تذكر المصادر العربية الأخري اسم نقيس بل ذكرت الحداربة. ولا نملك ما يساعد على فهم مثل هذه النصوص. هل عرفت القبيلة بالاسمين معاً؟ وإذا كان ذلك كذلك فلماذا لم يظهر الاسم في المصادر الأخرى؟ وهل الاسم القبلى هو نقيس أم الحدارب؟

ويبدو أن نقيس عند اليعقوبي تمثل الاسم القبلي العام فقد قال عنها في كتابه التاريخ ص 22: "ولهم قبائل وبطون كما تكون للعرب، فمنهم: الحدرات، وحجاب، والعماعر وكوير، ومناسة، ورسفة، وعربرتعة." يميل البعض إلى أن "الحدرات" في هذا النص هم الحداربة، وإذا صدق هذا يكون نقبس اسم عام شامل لقبائل كثيرة في المنطقة مثل الحداربة.

وقد تناول ابن حوقل في كتابه صورة الأرض ص 60 بطون الحداربة فقال: "فأما بطون الحدارب فمنهم: العريتيكة والسوتبار والحوتمة والعنكبيرا والنجريروا والجنيتيكة والواخيكة والحربيب بطن واحد ويتفخذ لهؤلاء القوم كل بطن إلى نحو مائة فخذ، ولكل فخذ رئيس أو رئيسان." ويبين هذا النص مدى كِبر قبيلة الحداربة. فقد ذُكِرت سبعة بطون، ولكل بطن نحو مائة فخذ وللأفخاذ الكبيرة رئيسان. وقد يصل هذا التقدير بعدد القبيلة إلى نحو نصف مليون فرد.

ويلاحظ أن أسماء بطون وقبائل البجة لم ترد في المصادر العربية الأخرى ولذلك ليس لدينا معلومات عن هذه القبائل. ويمكن فهم عدم وجود إشارات عن هذه القبائل في المصادر العربية لم تهتم كثيراً بذكر فروع قبائل البجة والاستثناء الوحيد هو ما ورد عند اليعقوبي وابن حوقل.

فابن حوقل دخل المنطقة الشرقية لبلاد البجة، ونتوقع أن يكون على دراية ببطون الحداربة الذين نفترض زيارته لجزء من منطقتهم. أما اليعقوبي الذي كتب قبل ابن حوقل فهو أيضاً قد تجول كثيراً. ودخل مصر حيث انهى تأليف كتابه البلدان فيها. وقد عاصر اليعقوبي في مصر بداية دخول القبائل العربية للعمل في مناطق المعادن في أرض البجة في منتصف القرن الثالث الهجري (9 م).

ولذلك تمكن اليعقوبي من الحصول على معلومات مفصلة عن مناطق التعدين، لكنه لم يذكر هل دخل تلك المناطق التي وصفها أو جمع معلوماته من التجار وغيرهم. كما جاءت معلوماته عن باقي مناطق البجة غزيرة، فهو الوحيد الذي فصل الحديث عن ممالك البجة ومواقعها.

ويرى كراوفوردر (The Fung kingdom of Sennar p 104, 108) أن العريتيكة التي ذكرها ابن حوقل ضمن بطون الحداربة هي قبيلة الأرتيقا الحالية، كما يرى أيضاً أن منطقة أم ناجي البشارية الحالية شرق بربر كانت جزءً من نقيس وذكر أن احد فروع البشاريين يطلق عليه كادبين وربما يرجعون إلى الكذبيين الذين ذكرهم اليعقوبي، ربما كانت هي نفسها كديم المعروفة بعجات عند ابن حوقل. ويعني ذلك أن بطون كديم انتشرت في هذه المنطقة الصحراوية شمال غرب بلاد البجة.

وقد كان قبيلة الحداربة أولى قبائل البجة التي أتصلت بالمسلمبن عند دخولهم مصر وإن لم تشر إليها أغلب المصادر بالاسم، لكن تحديد موقع الحداربة بجوار حدود مصر الجنوبية يوضح هذه الحقيقة. ولعل أول أشارة وردت عن الحداربة – تحت اسم البجة – في المصار العربية في التفاصيل التي انفرد بذكرها الواقدي في كتابه (فتوح الشام ج 2 ص 47 و 57 و227) عن حروب المسلمين في صعيد مصر. حيث ذكر أن البيزنطيين استنجدوا بملك النوبة وملك البجاوة الذي سماه مرة "مازغ" ومرة أخرى مكسوج وأن كلاهما لبيا النداء وقَدِما لحرب المسلمين.

وأورد الواقدي (ج 2 ص 228) بعض التفاصيل عن جيش البجة فقال: " وكان مع ملك البجاوة ألف وثلثمائة فيل عليها قباب الجلد بصفائح الفولاذ في كل قبة عشرة من السودان طوال القامة عراة الأجياد على أوساطهم وأكتافهم جلود النمور وغيرها ومعهم الدرق والحراب والكرابيج والقسي والمقاليع وأعمدة الحديد والطبول والقرون. وكانت عدتهم عشرين ألفاً"
يلاحظ أن مسعد لم يورد النص الذي يوضح موافقة النوبة والبجة على نجدة البيزنطيين في ما نقله من كتاب الواقدي في المكتبة السودانية.

ورغم الشك في مصداقية نصوص الواقدي هذه والمبالغة الواضحة فيها إلا أنها ربما حملت بعض الحقيقة عن وجود البجة – الحداربة - كقوة لا يستهان بها على حدود مصر الجنوبية الشرقبة. والاشارة الثانية التي وردت عن البجة (الحداربة) أوردها ابن عبد الحكم ( فتوح مصر وأخبارها ص 10) حيث ذكر أن عبد الله بن سعد عندما انتهى من حروبه في بلاد النوبة عام 31 هـ تجمع له البجة "فسأل عنهم فأخبر بمكانهم فهان عليه أمرهم فنفذ وتركهم ولم يكن لهم عهد ولا صلح."

وقد ورد عند ابن حوقل (صورة الأرض ص 55) ما يوضح أن عبد الله بن سعد اشتبك مع البجة وان لم يورد تفاصيل ذلك فقد ذكر أن "عبد الله بن سعد بن أبي سرح لما فتح مدينة أسوان وكانت مدينة أزلية، وكان عبر إليها من الحجاز قهر جميع من كان بالصعيد وبها من فراعنة البجة وغيرهم."

ويشير هذا النص إلى أن البجة كانوا لا يزالون يحتفظون بقوتهم في صعيد مصر. وقد وضحنا في الفصل الرابع من كتاب "السودان: الوعي بالذات وتأصيل الهوية" كيف أنهم كانوا يحكمون بعض المناطق فيما بين مدينتي أسوان والأقصر الحاليتين حتى منتصف القرن السادس الميلادي أي قيل نحو قرن واحد من دخول السلمبن مصر. وكان هذا الفرع من البجة يعرف باسم البليميين. وإلى جانب البليمين كان هنالك أيضاً المِجا الذين كانوا ينتشرون شرق النيل والترجلودايت على البحر الأحمر. غير أن قوة وانتشار البليميين في القرون السابقة لظهور العرب جعلت اسمهم يطلق على طول المنطقة الواقعة بين النيل والبحر الأحمر. ثم ساد بعد ذلك اسم البجة في المصادر العربية.

وبعد اشتباك البجة الأول مع المسلين في صعيد مصر – الذي ذكره ابن حوقل - لم تتطرق المصادر إلى أخبارهم إلا في بداية القرن الثاني الهجري حيث ذكر ابن عبد الحكم أت "أول من صالحهم عبيد الله بن الحبحاب" ولم تتطرق المصادر إلى ماحدث في عصر ابن الحبحاب لكن يبدو أن العلاقات كانت متوترة بين البجة (الحداربة) والمسلمين فقد ذكرت المصادر ثلاثة حروب بيين الانبين في الأعوام 212 هـ و216 هـ و241هـ.

ويوضح المسعودي هنا أن البجة على حدود مصر الجنوبية والذين بدأوا علاقاتهم مع المسلين حربية في البداية ثم ودية بعد استقرار المسلمين في أرض المعدن هم الحداربة. وقد وردت الاشارة إلى مملكة البجة (الحداربة) في العهد الذي كُتِب لملك البجة الذي أطلقت عليه المصادر العربية اسم كنون بن عبد العزير عام 216 هـ / 831 م. وقد اعتُرِف في هذا العهد بكنون ملكاً على قومه، وورد في المعاهدة أن عاصمته مدينة هجر. فالحداربة كانوا في ذلك الوقت مملكة قوية لها علاقات مع المسلمين في منتصف القرن الثالث الهجري.

وتتضح قوة الحداربة وكبر عددهم في تقدير المسعودي عام 332 هـ لقوتهم حيث ذكر في كتابه (مروج الذهب ومعادن الجوهرج 2 ص 18) أن: "أبو مروان بشر بن اسحاق – وهو من ربيعة - يركب في ثلاثة آلاف من ربيعة وأحلافها من مضر واليمن، وثلاثين ألف حراب على النجب من البجة بالحجف البجاوية، وهم الحداربة وهم المسلمون من بين سائر البجة"


د. أحمد الياس حسين
ahmed.elyas@gmail.com





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 548

خدمات المحتوى


د. أحمد الياس حسين
د. أحمد الياس حسين

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة