المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د. أحمد الياس حسين
من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية (21)
من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية (21)
11-09-2011 06:25 PM

حول أصول سكان السودان 21

سكان السودان والأصل الحامي للشعوب في المصادر العربية
ناقشنا في مقالاتنا السابقة أصول النوبا والنوباتيين والبليميين وتوصلنا من خلال ما توفر من المصادر إلى أنهم ينتمون إلى الجنس الأسمر القديم في منطقة شمال افريقيا منذ عصر ما قبل قيام حضارات وادي النيل، وأنهم كانوا يستقبلون من وقت لآخر تحركات سكانية من الصحراء الواقعة إلى الغرب من النيل. ونود هنا مواصلة متابعة ما ورد في المصادر العربية عن أصول السكان. ويقودنا ذلك إلى التراث اليهودي الذي ربطت المصادر العربية بينه وبين أصل سكان السودان.

صنفت المصادر العربية سكان افريقيا والسودان من خلال التصنيف اليهودي المشهور والذي يجعل كل سكان العالم من سلالة أبناء نوح الثلاثة: حام وسام ويافث كما جاء في العهد القديم من الكتاب المقدس. وقد ذكر الطبري (تاريخ الرسل والملوك ج 1 ص 67) أن النوبة والحبشة وفزان والهند والسند، وأهل السواحل في المشرق والمغرب من سلالة حام بن نوح. ووضح ابن سليم (في مسعد ص 98 ) أن أكثر أهل الأنساب ينسبون النوبة إلى حام بن نوح.

وأورد ابن خلدون (كتاب العبر، ج 6 ص198) آراء بعض المؤرخين في هذا الصدد فذكر أن " النوبة من ولد نوبة بن كوش بن كنعان بن حام فيما قاله المسعودي، وقال ابن عبد البر إنهم من ولد نوب بن قوط بن مصر بن حام، والزنج من ولد زنجى بن كوش، وأما سائر السودان فمن ولد قوط بن حام فيما قاله ابن عبد البر، ويقال هو قبط بن حام."

ومن المعروف أن الكتاب المقدس يحتوي على قسمين، القسم الأول هو العهد القديم الذي يبدأ بسفر التكوين وهو بداية توراة نبي الله موسى مروراً بالتراث اليهودي حتى عصر المسيح عليه السلام، والقسم الثاني هو العهد الجديد ويحتوي على التراث المسيحي وهو الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل وبعض وهو مقسم إلى أسفار وإصحاحات مثل الأجزاء والسور في القرآن الكريم. والقسم الثاني يتضمن التراث الميسح وهو: الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل و13 رسالة لبولس ورسالتين لبطرس وثلاث رسائل ليوحنا ورؤياه ورؤيا يهوذا.

وفيما يتعلق بسكان العالم فقد جاء العهد القديم في سفر التكوين الاصحاح رقم 9 الآيتين رقم 19-18:
 وكان بنو نوح الذين خرجوا من الفلك ساماً وحاماً ويافثَ. وحام هو أبو كنعان. وهؤلاء الثلاث هم بنو نوح ومن هؤلاء تشعبت كل الأرض
كما جاء في الاصحاح العاشر من سفر التكوين الآية رقم 32:  وهؤلاء قبائل بني نوح حسب مواليدهم بأممهم. ومن هؤلاء تفرقت الأمم في الأرض بعد الطوفان 

ويمكن تلخيص ما جاء في المصادر العربية المبكرة حول تكوين شعوب العالم فيما أورده الطبري والقلقشندي في الآتي:
1. أبناء سام هم: العرب والأنباط واليهود والبربر (وهم الأمازيغ وبعضهم جعلهم أبناء حام)
2. أبناء يافث وهم: شعوب أوربا كلها وباقي الشعوب الآسيوية كلها ما عدا الكنعانيون والهنود،.
3. أبناء حام وهم: مصرايم وكنعان وكوش:
أ‌. مصرايم أبو المصريين، وفي رواية أخرى أن المصريين من العمالقة ابناء عمليق بن لاوز بن سام
ب‌. كنعان أبو الكنعانيين في منطقة الشام
ت‌. كوش أبو الهنود والبربر (على بعض الآراء) وكل الشعوب السوداء في افريقيا مثل فزان والزنج والزغاوة والنوبة والحبش.

وعن أبناء حام ورد الآتي في سفر التكوين 9: 20-27
 وابتدأ نوح يكون فلاحاً وغرس كرماً. وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه. فأبصر حام أبوكنعان عورة أبيه وأخبر أخويه خارجاً. فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء وسترا عورة أبيهما. فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ابنه الصغير. فقال ملعون كنعان، عبد العبيد يكون لأخوته. وقال: مبارك الرب إله سام. وليكن كنعان عبدا لهم. ليفتح الله ليافث فيكن في مساكن سام. وليكن كنعان عبدا لهم 

وقد ورد ما يلى عند الطبري (تاريخ الطبري، ج1 ص 125) عن أبناء حام وتكرر في المصادر العربية الأخرى:
"ويزعم أهل التوراة أن ذلك لم يكن إلا دعوة دعاها نوح على ابنه حام وذلك أن نوحا نام فانكشف عن عورته، فرآها حام فلم يغطها ورآها سام ويافث فألقيا عليها ثوبا فواريا عورته. فلما هب من نومته علم ما صنع حام وسام ويافث فقال: ملعون كنعان بن حام عبيدا يكونون لإخوته. وقال: يبارك الله ربي في سام ويكون حام عبد أخويه. ويقرض الله يافث ويحل في مساكن حام ويكون كنعان عبدا لهم"

ويواصل الطبري في نفس المكان:
"إن نوحا دعا لسام بأن يكون الأنبياء والرسل من ولده، ودعا ليافث بأن يكون الملوك من ولده، وبدأ بالدعاء ليافث وقدمه في ذلك على سام. ودعا على حام بأن يتغير لونه ويكون ولده عبيدا لولد سام ويافث، قال: وذكر في الكتب أنه رق على حام بعد ذلك فدعا له بأن يرزق الرأفة من إخوته."

وهنالك رواية عربية في هذا الصدد أوردها الصحاري عن ابن الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس ( كتاب الأنساب، ج 1 ص 23 موقع الوراق)
"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما رَقَدَ نوحٌ في السفينة انكشفت عورَتُه فنظرَ إليها أهلُ السفينة فاستحبوا أن يَسْتُرًوه ولم يَجترئ عليه أحدٌ بذلك لمكانه من الله عزّ وجلّ، فنظر إليه أبنُه حام فضَحِك ولم يَسْتُره، فلما نظر إليه سام قام وسَتَرَه عليه ثيابه، فأوحى الله إلى نوح بذلك، فقال نوح لحام: يا حام نظرت إلى عُرياناً فلم تَسْتُرني وقد بدت عورتي إلى الناس؟! كَشَفَ الله عَوْرَتَك وعَوْرَة وَلَدك من بَعْدِك. وجعلهم عُرَاةً يكونون ما بقى منهم أحد. وأذلهم لَوَلَدِ سام، وجعل الله المُلْكَ والنبوة في ولد سام إلى يوم القيامة. فاستجابَ اللهُ له فلم يَجْعَل مِن ولد حام ولا يافث نَبيَّاً، و لا يجعله إلى يوم القيامة."

وتبدو عدم صحة الحديث واضحة لأنه يتعارض مع ما ورد في القرآن الكريم من آيات توضح أن الله سبحانه وتعالى أرسل رسله لكل الأمم باختلاف أعراقهم على مدار تاريخ البشرية، فلم يكن الرسل حكراً على الجنس السامي. فكل سكان البوادي والحضر والغابات وغيرها أرسل الله إليهم رسلاً من أنفسهم وبلسانهم كما توضح عدداً من الآيات الكريمة مثل قوله تعالى:

وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ} (سورة الرعد، آية 36) وقوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ  (سورة فاطر، آية 24) وقوله تعالى: وقوله تعالى:  وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ  (سورة الرعد اية 7) وقد ذكر الطبري في تفسير أن "نذير" و "هاد" في الآيتين السبقتين المقصود بهما الرسل.

وقوله تعالى في سورة الإسراء، آية 15:  وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا  يقول الطبري (ج 17 ص 402) في تفسير هذه الآية: "وما كنا مهلكي قوم إلا بعد الإعذار إليهم بالرسل، وإقامة الحجة عليهم بالآيات التي تقطع عذرهم." وأن الله تبارك وتعالى ليس يعذب أحدا حتى يسبق إليه من الله خبرا، أو يأتيه من الله بيِّنة.

وفي الآية الكريمة رقم 164 في سورة النساء يقول الله سبحانه وتعالى مخاطباً الرسول محمد   وَرُسُلا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا  وتوضح الأية أن عدد الرسل الخمسة وعشرين المذكورين في القرآن ليس هو عـدد الرسل الكلي الذين أرسلهم الله للناس في مختلف العصور والأماكن، إذ يوجد عدد من الرسل لم يذكرهم الله سبحانه وتعالى لرسوله الكريم في القرآن الكريم. فهؤلاء الرسل المذكورين من العرب أومن اليهود الذين كانوا يساكنون العرب في بلادهم أومن الماطق القريبة من شبه الجزيرة العربية والذين كانت للعرب معرفة بهم. وقد ذكر ابن كثير (تفسير ابن كثير ج 1 ص 85) رواية عن الرسول  أن عدد رسل الله لخلقة مائة واربعة وعشرين ألفاً.

ونخلص من ذلك أن الحديث النبوي الذي جعل النبوة في نسل سام إلي يوم القيامة حديث يتعارض مع ما ورد في ا لقرآن الكريم، وبالتالي فهو حديث موضوع ويمثل الروايات التي تعكس بعض المواقف العنصرية - المتأثرة بالتراث اليهودي - ضد الشعوب السوداء في التراث العربي. ويلاحظ أن الرواية العربية جعلت الملك والنبوة في نسل سام.
أما ما يتعلق بالتقسيم العبري السامي والحامي لسكان العالم فهو تقسيم ساد بين المسلمين المبكرين وتبعه الكثيرون في العصر الحديث وبخاصة مؤيدو الاستعمار الغربي لتبرير استعبادهم للشعوب الملونه. ولا يعترف علماء الأجناس بهذا التقسيم. ولا أظن أننا بحاجة إلى التعليق على نظرة اليهود العنصرية تجاه السود موثقة من تراثهم المقدس الذي جعل السود عبيداً لأبناء سام كما جاء في سفر التكوين: الآيتان 25 و26: "فقال ملعون كنعان، عبد العبيد يكون لأخوته. وقال: مبارك الرب إله سام. وليكن كنعان عبداً لهم"

وإلى جانب كل ذلك فدعونا نرى كيف يحكم الغربيون (انظر برتراند رُسل، تاريخ الفلسفة الغربية ص 32) على العهد القديم من الكتاب المقدس. فالعهد القديم المعروف حاليّاً عبارة عن ترجمات بلغات كثيرة دون وجود النص الأصلي بلغته أو لغاته التي أوحي بها إلى أنبياء بني إسرائيل. والمعلومات الواردة في هذه الترجمات لا ترجع إلى اصل واحد. فهنالك الأصل العبري المشهور الذي ترجم إلى اليونانية في القرن الأول الميلادي وهي الترجمة المشهورة بالترجمة السبعينية التي قام بها سبعون شخصاً، ويعتقد أن هذه الترجمة قد أوحي بها من الله سبحانه وتعالى. وفي القرن الثالث الميلادي أخرج أًوريجن نصّاً آخر للتوراة، وفي القرن الخامس الميلادي أخرج جيروم الترجمة الشائعة للتوراة اليوم.

ويقول ابن حزم (الفصل في المِلل والنِّحل ص 177 و 202 و297) أن اليهود السامرية لهم توراة غير التوراة التي بيد باقي اليهود ويعتقدون أنها التوراة الصحيحة وأن التوراة التي بأيدي اليهود الآخرين مبدّلة ومحرفة. أما رأي المسلمين في هذه المسألة فقد ورد في أكثر من آية في القرآنالكريم مثل قوله تعالى (البقرة، آية 25 وآل عمرانن آية 78 والنساء آية 46 والمائدة آية 13 و 41) فقد وضحت هذه الآيات كيف أن اليهود يحرفون كتابهم المقدس ويضيفون إليه ما ليس فيه.

وهكذا يتضح أن ما ورد في الكتاب المقدس والتراث اليهودي عن تقسيم سكان العالم إلى ساميين وحاميين لا يعتد به، وبالتالي فما نقلته المصادرالعربية عن ذلك التراث من أن النوبة ينتسبون إلى حام بن نوح لا يعتد به أيضاً. ويبقى لدينا من روايات كتب التراث العربي ما ورد عن انتساب النوبة لقبيلة حميراليمنية السامية.

فقد ذكر ابن سليم (في مسعد ص 98) " ويقال: إنّ سلها جد النوبة، ومقري جدّ المقرة من اليمن. وقيل: النوبة ومقري من حمير" أما ياقوت الحموي (في مسعد ص166) فقد فصل بين الأسر المالكة النوبية والشعب النوبى، وذكر أن "ملوكهم يزعمون أنهم من حمير" ورغم أن صياغة الروايتين تبدو عليها الضعف الواضح فابن سليم عبر بـ"قيل" بينما عبر ياقوت بأن الملوك "يزعمون" مما يساعد على عدم الأخذ بهما إلا أننا وزيادة في التأكيد نورد هنا بعض النماذج من كتابة التاريخ في المصادر العربية لمعرفة الطرق التي اتبعها أولئك المؤلفون للحصول على المادة التي دونوها والمصادر التي استندوا عليها في جمع تلك المادة لكي نتمكن من فهم ما ورد في تلك المصادر فهماً صحيحاً يساعدنا على تقييمه والوقوف على مدى مصداقيته، ليس فيما يتعلق عن نسب النوبة فقط بل في المعلومات الكثيرة والمتنوعة التي غطت مساحات زمنية ومكانية واسعتين من تاريخنا.

فالمادة التي وردت في مصادر التراث العربي المبكر عن تحركات الشعوب وتواريخها وانشطتها السياسية الاقتصادية الاجتماعية أتت في كتب متنوعة المواد والعناوين، بعضها تحت اسم التاريخ والأغلبية العظمى تحت عناوين أخرى مثل المعارف والأخبار والبلدان والمسالك والممالك والعجائب والغرائب في البر والبحر وغيرها. ولم تميز تلك المصادر بين المادة التاريخية وغير التاريخية. فقد دونت – إلى جانب الأحداث التاريخية – ما يمكن أن نطلق عليه بلغة العصر التراث الشعبي لتلك المناطق التي كتبت عنها. ولم تميز بين أحداث التاريخ وذلك التراث الشفاهي وقصص البطولات والأساطير المتداولة بين الناس.

ومن بين تلك الروايات التي تناولت النوبة ما رواه النويري في كتابه نهاية الأرب (ج 4 ص 96 – 97 موقع الوراق) عن أخبار أحد ملوك اليمن وهو الريان بن الوليد قال: "وهو فرعون يوسفوعليه السلام والقبط تسميه نهراوش ...استعد لغزو ملوك الغرب فخرج في تسعمائة ألف، واتصل بالملوك خبره فمنهم من تنحى عن طريقه، ومنهم من دخل تحت طاعته، ومر بأرض البربر فأجلى كثيراً منهم. فلم يمر بإمة إلا أبادها وأثر فيها إلى بلغ بلد النوبة فصالح أهلها على مال يحملونه إليه، ثم أتى دنقلة فأقام بها علماً وزبر عليه اسمه وميسره"

ولنترك حكمنا على مثل هذه الروايات لابن خلدون فنرى رأيه في ما ورد في المصادر العربية عن غزوات ملوك اليمن افريقيا حيث قال:
"ومن الاخبار الواهية للمؤرخين ما ينقلونه كافة في أخبار التبابعة ملوك اليمن وجزيرة العرب أنهم كانوا يغزون من قراهم باليمن إلى أفريقية والبربر من بلاد المغرب. وأن أفريقش بن قيس بن صيفي من أعاظم ملوكهم الأُوَل وكان لعهد موسى عليه السلام أو قبله بقليل، غزا أفريقية وأثخن في البربر وأنه الذي سماهم بهذا الاسم ... ومن هذا ذهب الطبري والجرجاني والمسعودي وابن الكلبي إلى أن صنهاجة وكتامة من حمير، وتأباه نسابة البربر وهو الصحيح"

ويواصل ابن خلدون: "وذكر المسعودي أيضا أن ذا الاذعار من ملوكهم قبل أفريقش وكان على عهد سليمان (عليه السلام) غزا المغرب ودوخه، وكذلك ذكر مثله عن ياسر ابنه من بعده وأنه بلغ وادي الرمل في بلاد المغرب ولم يجد فيه مسلكا لكثرة الرمل فرجع ...وأنه ملك الموصل وأذربيجان ولقي الترك فهزمهم وأثخن ثم غزاهم ثانية وثالثة."

ويلاحظ هنا أن ذا الأذعار كما ورد هنا كان في عصر سليمان، وأنه حكم قبل افريقش. وفي بداية النص أعلاه ورد أن افريقش كان في عهد موسى، ومن المعروف أن موسي سبق سليمان بزمن طويل فكيف حكم ذوالاذعار قبل افريقش؟

ويواصل ابن خلدون: "وأنه بعد [ذا الأزعار] ذلك أغزى ثلاثة من بنيه بلاد فارس إلى بلاد الصغد من بلاد أمم الترك وراء النهر، وإلى بلاد الروم فملك الاول البلاد إلى سمرقند وقطع المفازة إلى الصين فوجد أخاه الثاني الذي غزا إلى سمرقند قد سبقه إليها فأثخنا في بلاد الصين ورجعا جميعا بالغنائم وتركوا ببلاد الصين قبائل من حمير فهم بها إلى هذا العهد."

"وبلغ الثالث إلى قسطنطينية فدرسها ودوخ بلاد الروم ورجع. وهذه الاخبار كلها بعيدة عن الصحة عريقة في الوهم والغلط وأشبه بأحاديث القصص الموضوعة." ويواصل ابن خلدون عما ورد عن ملوك اليمن:

"وملك الحرث الرائش فيما قالوا مائة وخمسا وعشرين سنة وكان يسمى تبعا وكان مؤمنا فيما قال السهيلي، ثم ملك بعده ابنه ابرهة ذو المنار مائة وثمانين سنة ... ثم ملك من بعده أفريقش بن أبرهة مائة وستين سنة. وقال ابن حزم: هو الذى ذهب بقبائل العرب إلى افريقية وبه سميت... وترك هنالك من قبائل حمير صنهاجة وكتامة فهم إلى الآن بها وليسوا من نسب البربر، قاله الطبري والجرجاني والمسعودي وابن الكلبى والسهيلى وجميع النسابين. ثم ملك من بعد افريقش أخوه العبد ابن خمسا وعشرين سنة وكان على عهد سليمان بن داود أوقبله بقليل وغزا ديار المغرب.

ويكفينا هنا حكم ابن خلدن الذي بدأ به النص حيث قال: "ومن الاخبار الواهية للمؤرخين ما ينقلونه كافة في أخبار التبابعة ملوك اليمن وجزيرة العرب" فالمؤلفون الأوائل لم ينشغلوا بتحقيق الخبر، وكانت براءة ذممهم في ذكر أسماء رواتهم أو مصادر معلوماتهم، أما التحقق من صدق الرواية أو مصداقية المصدر فهي مسؤولية القارئ، وعليه التحقق من المصدر والحكم على الخبر أولا قبل الاحتجاج به.

ويشير ابن خلدون إلى الأوضاع السياسية في تلك الفترة وكيف أنها تعارض مع ما ذكر من حُكْم وتوسعات ملوك اليمن فقال:

"وقد كان بتلك الاعمال العمالقة وكنعان بالشام والقبط بمصر ثم ملك العمالقة مصر وملك بنو إسرائيل الشام، ولم يُنْقل قط أن التبابعة حاربوا أحدا من هؤلاء الأمم ولا ملكوا شيئا من تلك الأعمال. وأيضا فالشقة من البحر إلى المغرب بعيدة والأزْودة والعلوفة للعساكر كثيرة. فإذا ساروا في غير أعمالهم احتاجوا إلى انتهاب الزرع والنعم وانتهاب البلاد فيما يمرون عليه, ولا يكفي ذلك للازودة وللعلوفة عادة وإن نقلوا كفايتهم من ذلك من أعمالهم فلا تفي لهم الرواحل بنقله. فلا بد وأن يمروا في طريقهم كلها بأعمال قد ملكوها ودوخوها لتكون الميرة منها. وإن قلنا إن تلك العساكر تمر بهؤلاء الأمم من غير أن تهيجهم فتحصل لهم الميرة بالمسالمة فذلك أبعد وأشد امتناعا فدل على أن هذه الاخبار واهية أو موضوعة."

ولا أعتقد أن تعليق ابن خلدون هذا في حاجة إلى أيضاح، ولكننا نضيف أنه من بين أسباب ظهور تلك الروايات في تراث عرب الجنوب عن ملوكهم من التبابعة وغيرهم المنافسة الشديدة بين عري الجنوب وعرب الشمال في شبه الجزيرة العربية. فعرب الجنوب القحطانيون كانوا أصحاب حضارة متقدمة عن حضارة عرب الشمال العدنانيين. وعندما جاءت النبوة في قريش التي تنتمي إلى عرب الشمال زادت في مكانة العدنانيين وأصبحوا يفتخرون على القحطانيين. فسعى القحطانيون إلى تسليط الأضواء على تراثهم الحضاري القديم قبل الاسلام، وأضفوا عليه الكثير من صفات البطولات التى اختلقها رواة الأخبار اليمنيون لترفع من مكانهم أمام العنانيين الذين أصبحوا السادة والحكام في العالم الاسلامي. ونقلت المادر العربية يلك الروايات دون التحقق من صدقها أو عدمه كما وضح ابن خلدون.

ولنترك المؤرخ المشهور الطبرى يحدثنا عن تقييمه لما ورد في كتابه تاريخ الرسل والملوك (ج 1 ص 3):
"وليعلم الناظر في كتابنا هذا أنّ اعتمادي في كلّ ما أحضرت ذكره فيه مما شرطت أني راسمه فيه، إنما هو على ما رويتُ من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه، والآثار التي أنا مسندها إلى رواتها فيه، دون ما أدرك بحجج العقول، واستنبط بفكر النفوس، إلا اليسير القليل منه، إذ كان العلم بما كان من أخبار الماضين وما هو كائن من أبناء الحادثين، غير واصل إلى من لم يشاهدهم ولم يدرك زمانهم، إلا بإخبار المخبرين، ونقل الناقلين، دون الاستخراج بالعقول، والاستنباط بفكر النفوس. فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا، وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدى إلينا."




أحمد الياس حسين
[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 3437

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. أحمد الياس حسين
د. أحمد الياس حسين

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة