المقالات
السياسة
الشرك في الرسالات الإرشادية (1)
الشرك في الرسالات الإرشادية (1)
11-11-2013 01:53 PM


مدخل أول:
كان من المفترض حسب الاستيعاب الذي تم للرسالات الإرشادية ان نقرن الشرك بمقال الايمان والكفر كجزء من الكفر كما يقول الاستيعاب، ولكن ما لم ينتبه له ذلك الاستيعاب هو الاختلاف الكبير بين الشرك والكفر وكذلك الاثر الكبير للشرك داخل المجتمعات وذلك باقتران الشرك بالظلم (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13))، لذلك كان يجب ان نوضح ماهية الشرك واثره على المجتمعات.

مدخل ثاني:
كخلاصة للمقال السابق عن الايمان والكفر وكما وضحنا من خلال رؤيتنا التي تقوم على فلسفة التحولات الاجتماعية، ان الكفر الذي اكدت عليه الرسالات الإرشادية لا يعني الاخر الضد كما حاول التدوين النخبوى لكل الرسالات ان يؤشر على ذلك، فالكفر يعني القصور في استيعاب مغزى الرسالات الإرشادية إذا كان ذلك القصور جزئي أو كلي ولذلك يمكن لذلك القصور ان يتم من داخل المؤمنين بالرسالة الإرشادية وليس من هم خارجها فقط وقد اشرنا إلى حالة نعت الانصار بالكفر، فإذا ارتبط ذلك القصور بالمعني الكلي للحياة كما عند النخب أو ارتبط بالأجزاء كما تمارسه المجتمعات والإنسان العادي فهو يعتبر كفر. اما مفهوم الاخر الضد الذي كان السؤال المحوري طوال الحياة الإنسانية من بدايتها وتنقل مع الإنسانية من المراحل الأولي إلى المجتمعات العشائرية والقبلية ثم الثقافية، هو الذي قاد الرؤية النخبوية ان تخضع إلى التوصيف المجتمعي للكفر بالضد. ويحاول المنتمين إلى تلك الرؤية إنشاء مجتمعات بديلة تكون عوضا عن المجتمعات الحقيقية للفرد باعتبار ان المجتمع الحقيقي عبارة عن مجتمع كافر (الحركات الإسلامية وغيرها)، وذلك عندما تحولت الرسالات من رسالات إرشادية إلى رسالات قيمية في الحياة أو طريقة العبادات أو غيرها من القيم الإنسانية. فالرسالات الإرشادية لم تدعو إلى مفارقة المجتمعات الحقيقية بل دعت إلى التمسك بها (وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ). بل في واحدة من صور التأكيد على عمق الانتماء الوجداني للإنسان وعدم محاولة تركه والتبرؤ منه كانت الوصاية على الوالدين التي اخذت اعمق الصور في الرسالة المحمدية، فقد قطع الإله عن الإنسان كل محاولات التبرؤ التي يمكن ان يحاولها عندما يختلف مع والديه وذلك عندما ضرب الإله المثل بنفسه هو وليس بكل ما في الحياة، فحتى عندما يصر الوالدين على تغيير الابن في عقيدته يجب ان يعاملهم احسن معاملة وان يصاحبهم أي عدم تركهم نهائيا (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)، ويرجع كل ذلك ليس إلى فائدة الإله إذا استطعنا استيعاب الإرشاد ومعرفة ان الإله غني عن العالمين ولكن يرجع إلى حاجة الإنسان الحقيقية إلى مجتمعه الحقيقي الذي يلبي له ويتفاعل معه بصورة مباشرة عكس المجتمعات التي تتم صناعتها من قبل النخب.

الشرك في الإرشاد الإلهي:
ان وصف أي قيمة إنسانية أو طبيعية بالكمال يعتبر شرك عند الإله ويكون ذلك باعتبارها موازية للكمال الإلهي أي باعتبارها اله عندها القدرة على الفعل الإلهي (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91))، أو اعتبار ان تلك القيمة كافية لوحدها ولا علاقة لها بالكل الحياتي أو الإنساني يعتبر أيضا شرك (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14))، أو اعطاء قيمة ما صفة الكمال الإلهي باعتبارها وسيط الهي تعبر عن الإله داخل الحياة أيضا يعتبر ذلك شرك(قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27)).

الشرك والاستيعاب المجتمعي:
يرجع الشرك إلى الاختلاف في استيعاب مغزى الرسالات الإرشادية من قبل المجتمعات، ولان المجتمعات توجد بها أساسا قيم تعرف الذات والاخر بالتالي تستوعب تلك الرسالات باعتبارها للتعريف بالإله أولا ثم تكملة مفهومها حول الذات والاخر، أي ان الغرض الأساسي لتلك الرسالات في ذهنية المجتمعات هو التعريف بالإله وكيفية عبادة ذلك الإله، ولان أقصى ما تفعله النخب هو تدوين ذلك الوعي داخل مفاهيم لذلك جاءت الرؤية النخبوية معبرة عن مجتمعات محددة في ازمان محددة دون مساحة لتلك الرسالات في ان تكون معبرة عن الإنسانية في كل مراحل تحولاتها.
اما الرسالات الإرشادية جاءت كما نرى لتعريف الإنسان بنفسه أي بذاته الكلية أولا ومغزى الحياة المتمثل في التكامل الإنساني الطبيعي ثم اخيرا معرفة الإله المتعالي الذي لا يتم الا بذلك، ولان تعريف الذات الكلية للإنسان كانت تختلف باختلاف مراحل التحولات لذلك كانت تختلف الرسالات في اجزائها (وليس في كلياتها) وتتمثل تلك الأجزاء في القيم التي يتم اعادة استيعابها وكذلك طريقة عبادة الإله التي تستمد من داخل تلك القيم فتختلف من رسالة إلى أخرى. ولكن تتحول تلك الأجزاء إذا كانت ممثلة في الرسل أو في القيم إلى كليات من جانب المجتمعات والتدوين النخبوي وتترك الكليات التي تدعو إلى استيعاب مغزى الإنسانية والاختلاف والإله المتعالي.
ولاستيعاب مفهوم الشرك وماهيته يجب ان نري معني الإله داخل الذهنية الإنسانية، ولاننا شرحنا كل ذلك في مقالات سابقة فنقول باختصار ان المجتمعات الاولية عند قصورها في استيعاب مغزى الحياة الإنسانية ومعني الاختلاف لجأت إلى مفهوم الإله الفاعل والوسيط الإلهي لتكمل به رؤيتها عن ذاتها وتأكيدها على ان الاخر يمثل اخر ضد إذا كان انساني أو طبيعي. ولعدم امكانية تواجد الإله المتعالي أو ايجاد تصور مادي محدد له داخل الحياة لجأت تلك المجتمعات إلى الشرك وهو يتمثل في الإله الماثل من داخل الطبيعية أو إلى الوسيط الإلهي الذي يمتلك خاصية النقاء الإلهي وكل ذلك من اجل تأكيد على تعريفها للذات الكلية (الانا) في مقابل الاخر. ولم يختلف الإله البديل أو الوسيط الإلهي في قيمته في النقاء والكمال ولكن اختلف في شكله الخارجي فقط، فكل الإنسانية اعتمدت على قيمة ما باعتبارها تماثل قيمة الإله أو تتجاوزه في بعض الاحيان عند الوسيط الإلهي(وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136)).
وقد بدا الشرك كما ذكرنا مع الإنسانية منذ المجتمعات الأولى التي رات الطبيعة تتحرك فاعتبروها تتحرك لوحدها أو تمتلك قدرة الوسيط الإلهي، فتم عبادة الشمس والانهار والشجر والحيوان باعتباره يمتلك قدرة خاصة ولم تستوعب تلك المجتمعات التكامل الإنساني بين الفعل الإنساني والفعل الطبيعي. اما مع التحولات امتزج الاخر الضد بين الطبيعة وبين الإنسان فتم عبادة الإنسان النخبوى باعتباره يتملك قدرة خاصة، دون استيعاب ان قدرة الإنسان النخبوى على استقراء الواقع واختيار أفضل الحلول نتجت من داخل التحولات ولم تأتي من الخارج لذلك الإنسان، وان ذلك الاستقراء مرتبط بمرحلة ذلك الشخص فقط فلا يستطيع ان يتنباء بما تحمله التحولات من اختلاف.


kh_ahmmed@hotmail.com





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1162

خدمات المحتوى


خالد يس
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة