في



المقالات
السياسة
العفيفة بائعة الشاي
العفيفة بائعة الشاي
11-19-2013 05:35 AM



جلست ياسمين صامتة لا تنبس ببنت شفة، وقد تحلق حولها ثلة من الشباب المشرئب لرىّ نزواته من غدير جمالها وأنوثتها الدافق، يمطرونها بالنظر الشهواني، ويغثونها بفُحش اللسان، وبذاءُ المنطق، تلك الجموع التي تترى إليها كل صباح ممنية نفسها بأن يحالفها التوفيق لنيل بغيتها التي سعت من أجل تحقيقها شهوراً خلت، فتقر العيون، وتهدأ الجوانح، ترى متى تدرِك هذه الحسناء التي استحوذت على الألباب، وملكت القلوب، شفقة فترتفع حجب أسماعها، وينكشف غطاء قلبها، فتُنفِح جُلاسها بوجهها المتهلل، وتُكرم عوادها بجزيل الصلات، التي يصغر بجانبها صادق الحمد، وعاطر الثناء، متى يفتر البشر على الشفاه، وتجرى التهانئ على الألسنة، لهتك عزة قعساء أوصدت الأبواب أمام نواطير الشباب، ولم ترحم حمم شهوته التي تلهب جسده المسعور، تلك الحمم التي لا تسمعها آذان، أو ترصدها أجهزة، حتى متى تسدل هذه المهفهفة الدعجاء الستور في وجوه الراغبين؟ حتى متى تبقى صامدة أمام عرك الشدائد وبريق المال؟ لقد ألفت ياسمين بائعة الشاي البارعة الشكل، اللطيفة التكوين، المطالب الفجة، والأصوات الناشزة، التي تبتغي أمراً كؤود المطلب، وعر المرتقى، لأنها من قبيلة النساء اللائي لا يدركنه عار، أوتلحقهن خزية.
كانت ياسمين أنموذجاً في الصون والعفاف، وليست مثل بعض رصيفاتها من بائعات الشاي، لقد احترفت تلك المهنة التي تعد في الغالب غطاء لأقدم حرفة عرفها التاريخ.. حرفة البغاء بعد أن ضاقت بها السبل، وانتهت الآمال بموت والدها الماركسي القسيم الوسيم، الذي لم يترك لها حرضاً ولا برضا هي وإخوتها الصغار سوى وضاءة الحسن، وجمال المُحيا، لقد كان والدها الذى ينحدر من عائلة سنية الحسب، عريضة الجاه، قبل أن تصيبها شآبيب من الدواهي المواحق، يعمل فى الهيئة العامة للبريد والبرق، وتدرج في السلك الوظيفي حتى اعتلى سقف الوظائف في تلك المؤسسة العريقة التي أذلتها الطائفية، وامتهنت كرامتها الإنقاذ، التي جادت عليه بإحالته للصالح العام، فتلقى والدها الأمر بأريحية، وسلّم عُهدتهُ في وداعة، وأقبل على الحُميّا يهش لكأسها، ويرتضع أفاويقه، وقد استكان للعبرة، وأخلد للشجون، حتى أمسى مُتخلّعاً في الشراب، يقضى جُلّ وقته مُناغياً للكؤوس، مُفاغماً للأكواب، صار الزين جذوة الفكر المضطرم، قيثارة المرح، و إله الدعابة، في الزمن الجميل شاحب الوجه، كئيب المحيا، فقد فدحته صروف الدهر التي تذهب من كل شيء بشاشته، وجردته من وظيفته التي يقتات منها هو وعائلته التي تهالكت على جمع شتاتها فيما بعد ابنته ياسمين دون أدنى مسوغ لذلك سوى أنه كان في شرخ شبابه، ومعية نشاطه، يشايع أهل اليسار، عبّاد اللذة، ورواد المنكر، وخصوم الإسلاميين الألداء.
ظلّ الزين صريعاً للكأس، وذهب به الشراب كل مذهب، وبدّد الملاليم التي يتقاضها من معاشه في تحصيلها، كان لا يأبه للوضع المزري الذي انتاب أسرته بعد أن سامته الإنقاذ بخسف، بل مناط آماله، وغاية أمانيه العجاف، ألا ينفصم حبل الود بينه وبين معبودته المُدام التي لا يضاهيها أحد عنده في شرف الجوهر، وحسن الرونق، وشدة الطلاوة، وبعد أن تنقضى ملاليمه في وصال عشيقته، التي خلبت لُبّه، وسلبت فؤاده، يتهيأ للضرب، ويتحفز للعراك، ضد زوجته الحسناء التي كانت توبخه على كل خطأ، وتحاسبه على كل جريرة، زوجته التي تركها للعمل الدائب، والعناء المرهق، زوجته التي لا تهدأ حركتها، ولا تجف دمعتها، ولا تسكن عبرتها، زوجته التي عاشت معه مدة تربو على عقدين من الزمان لم توغر فيها صدره، أو تفشي سره وتذيع غفلاته، ها هو الآن يجازيها عن دماثة خُلقها، وطيب عُشرتها، بالضرب والتنكيل لأنها تمنعه من بيع ما تبقى من أثاث البيت، وبعد أن يظفر بما يرومه يحث الخطى إلى محبوبته السُّلاف تاركاً خلفه زوجته المكلومة، محطمة العظم، مهشمة الخاطر، يهرع إلى ابنة الْحانِ والكرم التي ظميء إلى لقائها، تاركاً بيته يمور بالجوى، ويستعر بالعذاب، ويظل لائذاً ببيوت الراح، عائذاً بحصنها الذي نصب فيه الشيطان رايته، من العودة إلى معقل الذل، وموطن الهوان، ففي تلك المواخير لا يعكر أحد صفوه، أويوخزه بسنا الوعظ، وإثل الإرشاد، هنا صّهباءٌ لا تخلق ديباجتها، أو يخبو بريقها، مكث الزين في مواخير الفساد يضاجع رذائل البغاء، وربات الخمر، نظير أن يبقى بين الكؤوس والأقداح، حتى زوت نُضرته، ودقّ عظمه، وانهار جُرف جماله، وبات جيفة مسجية على قارعة الطريق تنتظر أن تعتلقها أوهاق المنيَّة، ويحلّ بها أصدق المواعيد، ظلّت ياسمين ووالدتها يعودان الزين في المستشفى حتى فاضت روحه، وطوته الغبراء، بكته والدة ياسمين بكاءً مُراً، يمزق نياط القلوب، ويذيب شغاف الأفئدة، وبدا على مُحيا ياسمين الآسر آثار الأسى، ولوعة الحرمان، لقد قرعهم الدهر بنوائبه، ووطأهم بأظلافه، وأطفأ المصباح الذي كانوا يرتجون أن يعود إلى سابق عهده، يدفع عنهم بيد، ويناضل عنهم بسهم، ولكنه مضى وتركهم في صحراء لا تطمئن فيها نفس، ولا تقر بها قدم، وقوافل الطامعين من حولهم لا تحصيها عين، ولا يحصرها بنان، كانت ياسمين ووالدتها كثيراً ما باتتا على الطوى، حتى يجد إخوتها الصغار ما يكفيهم من طعام، حتى احترفت ياسمين تلك الحرفة التي قادتها في نهاية المطاف بعد صراع طويل مع سباع المدن، وضواري الأنظمة، إلى شقة فاخرة في أحد الأماكن الراقية في عاصمتنا الدميمة، بعد أن خلع عليها زوجها المتصابي شعار يمجه بني علمان في شمال الوادي، كان ترتيبها الرابع ولكنها كانت الأولى في الحسن والجمال الساحر عنده.


[email protected]





تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1218

خدمات المحتوى


التعليقات
#831111 [التويجري]
0.00/5 (0 صوت)

11-19-2013 09:56 AM
يا ابوي ده شنو ده ؟!!وضح لينا الفكره يعني الظروف هي السبب في دمار والدها ولا الانقاذ؟وبعدين كلامك بوحي انو ياسمين مارست الدعاره ومره بقت زوجة رابعة يا اخوي احترم عقولنا وخلص لينا قصة ياتكون رمزية متناسقة عشان نقدر نحلها ونفهمها ياتكون بسيطةوواضحة ماتنجضونا


#830993 [ياسر عبد الوهاب]
5.00/5 (1 صوت)

11-19-2013 09:03 AM
مهداه الي عمر حسن وزمرته دون تحيه..


الطيب النقر
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة