واشنطن..هل (تلحس كوعها)؟
01-06-2011 08:18 AM

واشنطن..هل (تلحس كوعها)؟
خالد عويس*
[email protected]


السيدة سامانثا باورز ليست مسؤولة بارزة في الادارة الأميركية. فهي – قطعاً – ليست في مكانة نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، ولا هي في قوة تأثير السيدة هيلاري كلنتون رئيسة الدبلوماسية الأميركية، ولا هي أيضاً في نفوذ كبار جنرالات البنتاغون ولا حتى السيدة سوزان رايس سفيرة واشنطن في الأمم المتحدة. السيدة باورز لا تعدو أن تكون مسؤولة ملف السودان والشؤون الإفريقية في أروقة الادارة الأميركية. لكن هذه السيدة، كان لتصريحاتها الأثر البالغ في تحوّل الخرطوم 180 درجة خلال هذا الأسبوع. فالسيدة باورز ألمحت فقط إلى إمكان تدخل واشنطن لوقف أيّ عنف يرافق استفتاء مصير جنوب السودان، بداية الأسبوع المقبل.
الخرطوم التي كانت تستعرض قوتها، وتسخر من معارضيها وتطالبهم بـ(لحس الكوع) إن هم فكروا مجرّد تفكير في تغيير النظام، الخرطوم التي كانت تشجّ رؤوس الشيوخ في شوارع أم درمان، وتهدد بـ(تطبيق شرع الله) وتضع الشرط تلو الآخر للاعتراف بنتيجة الاستفتاء، تبدل موقفها تماماً بعد تهديد هذه الموظفة الأميركية الصغيرة!
فالقادةُ الذين كانوا يلوحون بعرقلة الاستفتاء هُرعوا إلى جوبا ليطمئنوا الجنوبيين بأنهم سيكونون إلى جوارهم في كرنفالات الفرح بإقامة دولةٍ جديدة !
واللهجة المتشددة التي ظلّت تميّز لغة الخرطوم السياسية خلال الأسبوعين الماضيين انحسرت بشكلٍ متسارع، وأُضطرت الخرطوم – مجبرة – على (لحس كوعها) !
والأكيدُ أن الأميركيين لا يعنون ما قالته السيدة باورز حرفياً. فالصحيح أنهم سيبذلون كل الجهد الممكن للحيلولة دون وقوع أعمال عنف في السودان. وسبق أن حذروا من إبادة عرقية وفي ذاكرتهم (رواندا) التي تساعد قواتها حالياً في منع وقوع أعمال عنف في (دارفور). والصحيح أيضاً أن الأميركيين لن يسمحوا للخرطوم بإفساد نموذج الاستفتاء مهما كلّف الأمر. ويبدو أن واشنطن علمت بطريقة ما أن الحكومة السودانية تسعى لإفشال الاستفتاء، فحركت العصا ولوّحت بالجزرة. السيدة باورز حركت العصا، والسيد جون كيري، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي حمل معه الجزرة إلى الخرطوم.
ويُنتظر أن تحطّ السيدة كلنتون رحالها في الخرطوم بداية الأسبوع المقبل، وسط تسريبات في واشنطن أن السيد كولن باول سيحل محل السيد سكوت غرايشن في ملف السودان. التسريبات تقول إن السيد غرايشن سيذهب سفيراً لبلاده في كينيا. والتاريخُ يقول إن مجيء باول يعني تشدداً أميركياً ضد الخرطوم بمجرد انفصال الجنوب.
باول، هو المسؤول الأميركي الأول الذي تحدث عن إبادة جماعية في دارفور. وسيكون نذير شؤم على الخرطوم. والخرطوم ذاتها بعد خسارتها (ورقة الجنوب) ستكون مكشوفة الظهر أمام الولايات المتحدة وحلفائها. وكانت الحكومة السودانية تأمل أن تستخدم هذه الورقة لتحقيق أقصى تنازلاتٍ من الغرب، خاصةً ما يتعلق بالمحكمة الجنائية، وما يتعلق أيضاً بقسمة النفط في السودان على أسسٍ جديدة. لكن واشنطن كانت تُدرك اللعبة جيداً، وجارت الخرطوم في ملف الإنتخابات (المزوّرة) حيث غضّت الطرف عن كل التجاوزات التي جرت تحت نظرها من أجل استفتاء جنوب السودان. لكنها لن تسمح للخرطوم بالتلاعب بالاستفتاء. ولن تسمح لها بتعطيله أو تأجيله. وحين تفرغ من هذا الملف ستُسقط الجزرة من يدها، وستبادر إلى فرض مزيدٍ من الضغوط على السودان بشأن أزمة دارفور. ولذا فقدت الخرطوم أعصابها في ما يتعلق بهذا الشأن وأعلنت وقف التفاوض في الدوحة على لسان الرئيس البشير.
الخرطوم فالتة الأعصاب تماماً لمعرفتها التامة أن خسارتها هذه الورقة ستُفقدها قواعد اللعبة كلها، فعلى أي شيء ستناور؟
والحقُّ إن الخرطوم لم تفقد أعصابها في هذا الصدد وحده، فأعصاب الخرطوم الفالتة انعكست في طريقة معالجتها لملفاتٍ عدة. الخرطوم (لحست كوعها) أيضاً في ما يخص الضائقة المعيشية.فبد التطمينات التي بثتها بشأن وضع الاقتصاد السوداني بعد انفصال الجنوب، عادت لتفرض زيادات كبيرة في أسعار المحروقات والسكر ما سينعكس على السلع الضرورية كلها. ولكي تمر هذه الزيادات المخيفة بسلاسة لجأت إلى (الاستهبال) حيث فرضت أيضاً تقشفاً (ظاهرياً) على مسؤولي الدولة المتخمين أصلا. وتعهدت بإجراءاتٍ لصالح الفقراء، لكن تنفيذ مثل هذه الإجراءات يحتاجُ إلى جديةٍ كبيرة تعوز حكومة البشير. ولن يحصل الفقراء على أيّ شيء. بل على العكس، سيبتلع غول الغلاء أيّ إجراءات قادمة. وستجد الخرطوم نفسها في مواجهة الشعب السوداني في نهاية المطاف لا تحميها إلا الإجراءات القمعية الكفيلة بمضاعفة الاحتجاجات الشعبية.
والخرطوم (لحست كوعها) بشأن مفاوضات الدوحة. ويبدو أن مستشار الرئيس السوداني، الدكتور غازي صلاح الدين طار إلى الدوحة معتذراً ومحاولاً تطييب خاطر القطريين الذين فوجئوا بحديث الرئيس السوداني عن وقف المفاوضات. وبذل أكثر من مسؤول رفيع في الخرطوم جهداً للالتفاف على كلام البشير.
ويبدو واضحاً أن الخرطوم لن تكتفي بـ(لحس كوعها) في مقبل الأيام، فهي ستلحس كوعها وبوعها وقدميها إن أمكنها ذلك مع تزايد المخاطر المحدقة بكراسي السلطة.
ليست واشنطن هي التي ستلحس كوعها، وإنما الخرطوم !!


* روائي وصحافي سوداني

تعليقات 4 | إهداء 1 | زيارات 2291

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#73118 [وحيد]
0.00/5 (0 صوت)

01-06-2011 09:29 PM
عين الحقيقة ما قلت.... الهضربة و الجقلبة و مزيدا من التنازلات و التخبط سمة حكومة المؤتمر و قد زادت معدلاتها في الايام الاخيرة و ستزيد في مقبل الايام.... كل السفاهة في القول و كيل الشتائم لقوي المعارضة لن يجدي في اخراج النظام من ورطته فقد ظل النظام يسير من فشل الي فشل افدح حتي وصل الي نقطة النهاية و ما من مكابر يستطيع ان ينفي ان النظام وصل الي نهاية الفشل... المسالة ليس في بقاء النظام بقوة السلاح و سقوطه بعد سقوط عدد كبير من الضحايا، بل الفشل في الوضع المزري الذي قاد اليه البلاد .... تمزيق وحدة السودان و التفريط في سيادته - الانهيار الاقتصادي الحاصل - حصار الرئيس من الجنائية - مشكلة دارفور التي زادت تعقيدا - فقدان بترول الجنوب - المشاريع الفاشلة المسماة انجازات و التي كلفت الدولة مبالغ طائلة دون اي عائد علي حياة المواطن و التنمية - تدمير كل مشاريع البلاد الزراعية و تدمير الصناعة - بيع كل مقدرات السودان بلا ثمن للموالين - تمزيق النسيج الاجتماعي و اثارة النعرات القبلية.... لم يبق للانقاذ شئ سودي ان تغادر الي مزبلة التاريخ حيث مكانها الطبيعي.


#72964 [Ali Dinar]
0.00/5 (0 صوت)

01-06-2011 03:57 PM
ولماذا تلحس كوعها وهنالك من يقوم بذلك طائعاً مختاراً بلحس كل ما تطلبه ماما أمريكا ودقي يا مزيكة


#72841 [موسى ]
0.00/5 (0 صوت)

01-06-2011 12:34 PM
فعلاً انكشف المستور يا شمس .. فحتى الأغبياء فهموا بأن قادة مؤتمر الشوم همهم السلطة ولو تفتت البلا د إلى مليون جزء، لكن ولى زمان المهازل .. وروح دور مصالحك مع آخرين .. والشعب سيأتي بمن يحترم إرادته .. ولا تنسى أنه هو صانع اكتوبر وابريل ..


#72724 [shams]
0.00/5 (0 صوت)

01-06-2011 09:52 AM
وستلحس أنت كوعك لو كنت تعتقد أن الشعب سيثور ليأتي بأسيادك والضلالي
الترابي
الشعب مدرك تماماً لكل ما يحيط به وأنكشف المستور
أمشي ألعب بعيد


خالد عويس
خالد عويس

مساحة اعلانية
تقييم
1.46/10 (25 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة