01-06-2011 11:46 AM

شئ من حتي

مشهد ما بعد الاستفتاء

د.صديق تاور كافي

على الرغم من وضوح الرؤية بخصوص ما ستسفر عنه نتيجة الاستفتاء على مصبر الجنوب السودانى منتصف الاسبوع المقبل،الا ان حالة الترقب وكتم الانفاس والتوجس هى التى تسيطر على المناخ السياسى العام داخل السودان وخارجه ،لاسباب عديدة حسب طبيعة الوسط الذى يحتضن الحالة. فبتتبع مسيرة اتفاقية نيفاشا منذ التوقيع عليها فى 9 يناير 2005م ،وطريقة تبادل الأدوار بين أطرافها الرئيسية «الادارة الأمريكية و المؤتمر الوطنى والحركة الشعبية »كانت النتيجة الحتمية لها هى انفصال جنوب السودان عن الدولة الأم وتحضير أجزاء أخرى للحاق به ، فالاتفاقية نفسها قد أتت بسبب الضغوط الخارجية « الامريكية تحديدا» على الحكومة السودانية وعلى الحركة الشعبية ،التى اعتمدت لسنين طويلة فى دعمها ونشاطها وتسويقها للمجتمع الدولى على الطرف الأمريكى بشكل كامل ، ومجرد القفز بالمطالب السياسية لجنوب السودان كاقليم يعيش ظروفا موضوعية ترتب له حقوقا استثنائية من السلطة المركزية ، الى مطلب تقرير المصير والاختيار بين البقاء ضمن الوطن الأم أو الانفصال عنه فى ظرف ست سنوات فقط ،كان عنوانا واضحا لتهيئة هذا الجزء من السودان للاختفاء عن الخارطة الوطنية ،بدلا من تصحيح وضعيته لتنسجم مع بقية مساحات هذه الخارطة.
بالنسبة للحكومة فان الاتفاقية كانت بمثابة ضمانة للاستمرار فى السلطة لست سنوات بحماية دولية ،خاصة وأنها لم تكن تحتمل جبهة مواجهة مسلحة فى أى رقعة جغرافية أخرى من البلاد، وهو الواقع الذى أوجدته الحركات المسلحة فى دارفور قبل عامين من التوقيع على اتفاقية نيفاشا . كما ان الحكومة كانت فى حالة ضعف سياسى على خلفية الشروخ التى حدثت فى صفها بفعل المفاصلة الشهيرة فى العام 2000م، على خلفية ما عرف ب«الكتاب الأسود». لقد انقسمت منظومة «الانقاذ؟!» جراء ذلك الى عدة مجموعات مثل المنشية « المؤتمر الشعبى الذى تحول الى المعارضة »،والقصر«المؤتمر الوطنى الذى استمر فى السلطة منفردا»والعدالة والعدل والمساواة ،فضلا عن زهد قطاعات واسعة من الكوادر الانقاذية عن العمل مع المؤتمر الوطنى الحاكم وايثارها اما الابتعاد او الانصراف الى استثماراتها الخاصة التى هيأتها لها السلطة ،فى مقابل اندماج قطاعات واسعة ايضا من الانتهازيين والطامعين فى امتيازات السلطة من خارج بيئة «الانقاذ؟!» لملء الفراغ الذى أحدثته المفاصلة فى بنية الحزب و السلطة معا. لذلك كانت الحكومة فى وضع لا تستطيع معه الا أن تستجيب للضغوط الأجنبية كيما تستمر، أو أن تسقط بضربات الخصوم الذين تجحفلوا ضدها فى فترة وجيزة.
أما الحركة الشعبية فانها بالتقاط شعار تقرير المصير كسقف مطلبى، لم يعد شعار السودان الجديد يمثل لها أى قيمة أكثر من الاستهلاك السياسى، خاصة و أن هذا الشعار قد وجد أرضيته فى التيار الانفصالى داخل الحركة. الجانب الأخر الذي يعزز وضوح نتيجه الاستفتاء هو أداء طرفي الشراكه نفسها منذ الأيام الأولي للتوقيع علي الاتفاقية، خاصة بعد رحيل رئيس الحركة الشعبية الدكتور جون قرنق في حادثة الطائرة الشهيرة بعد أقل من شهر من التوقيع. وتشير كثير من الحيثيات الي أن الحادثة نفسها كانت عملية مدبرة بفعل أطراف دولية واقليمية من منطقة البحيرات. وقد ظل أداء الشراكة قائما علي انعدام الثقة والمناورة والمراوغة حتي أخر لحظة، وأكثر هذه الممارسات كانت من طرف حزب المؤتمر الوطني الذي لم يحتمل أعضاؤه وجود جماعة أخري تقاسمهم السلطة والجاه. كان ذلك واضحا في مسألة توزيع الحقائب الوزارية والسجال حول حقيبة وزارة الطاقة وحقيبة وزارة المالية، والمغالطات حول موارد البترول وتعمد الغموض وانعدام الشفافية بخصوصها، والممانعة في تشكيل المؤسسات السيادية وفي اعداد الدستور الانتقالي والقوانين الخاصة بالشراكة والقوانين المرتبطة بالتحويل الديمقراطي، والاصرار علي«فبركه» الانتخابات والتلاعب بها بطريقة غير لائقة أخلاقيا وغير مسؤولة وطنيا مضافا الي ذلك موضوع«أبيي» الذي نقل الي المحكمة الدولية. وموضوع الحدود والحشود وموضع القوات والبرتكولات الأمنية وغيرها. كما انه طيلة فترة الشراكة ظل الطرفان يهرولان الي واشنطون ويستقبلان القادمين منها في الخرطوم وجوبا كأنما السودان قد أضحي الولاية رقم «53» بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية .
وكان الامر اكثر وضوحا منذ انتخابات ابريل الماضي 2010 ،حيث قررت الحركة الشعبية ان تنكفئ جنوبا بكامل ثقلها السياسي والتنظيمي والعسكري كيما تضمن «استقلال» الجنوب وليس استفتاء اهله في مناخات من النزاهة والتعبير الصادق والارادة الحرة .فقد اعلنت الحركة الشعبية بعد الانتخابات سحب الخط الأول من كوادرها الى الجنوب والتواجد في الشمال بخطها الثاني أو أقل منه .ولم يعد هناك أي صوت غير صوت الانفصال،وصارت هناك مسيرات مطلع كل شهر تنظمها الحركة الشعبيه باسم «شباب من أجل الانفصال »في كل مدن الجنوب .وتعرض الصوت الوحدوي الى تضييق وتعتيم واضحين.بأخذ كل هذه الحيثيات في الاعتبار فان استفتاء الاسبوع القادم ليس أكثر من تحصيل حاصل في أمر تم حسمه سلفا بصفقة بين الطرفين الموقعين على الاتفاقية وتحت الرعاية والوصاية الأمريكيه البحتة،التى تمسك بخيوط اللعبة منذ بدايتها وتديرها وفق مستهدفات خاصة بها في السودان وأفريقيا.
مشهد الأسبوع الأخير من عمليات الاستفتاء يكشف بوضوح عنصري الاملاء والمساومة في هذه الاتفاقيه.الاملاء من الطرف الأمريكي والمساومة بين الطرفين الموقعين.بالنسبة للأول فقد استنفرت الادارة الأمريكية كل طاقمها المعني بالموضوع لضمان المسير في نفس الاتجاه المرسوم ،أي ان ينفصل الجنوب عن السودان وتتهيأ مناطق اخرى في دارفور ومناطق المشورة الشعبية لنفس المصير .وأن تشكل العملية بكلياتها سابقة للقارة الأفريقية لاعادة صياغتها وتشكيلها بما يضمن السيطرة الأمريكية على حكوماتها ومواردها على نسق السيطرة الحادثه في أمريكا اللاتينية .
تقول سامانثا باورز مسؤوله شئون السودان والشئون الأفريقية بمجلس الأمن الوطني في البيت الأبيض هذه أول مرة أرى فيها الحكومة الأمريكية وقد رصدت قواها على مستويات عالية لمنع العنف قبل ان يحدث ،بدلا من الرد عليه بعد أن يحدث .بينما وصل الى الخرطوم السناتور جون كيرى رئيس لجنة الشئون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي حيث سيمضي الأسبوع بالسودان،ولم يغفل ان يلتقي مسؤول ملف دارفور في المؤتمر الوطني «د.غازي صلاح الدين» .اذن فالأمر محسوم قبل ست سنوات وما يحدث حاليا ماهو الا ذر للرماد على العيون ،وتهيئة للناس لتقبل الحدث الزلزال الذى لم يخطر يوما على بال .من ناحية الحركة الشعبية فانها مهمومة كلية بالجنوب بحيث لم يعد يمثل لها قطاع الشمال اي قيمة ،بل ويواجه مهددات الاستمرار في العمل السياسي بشعاراتها. ومطالبات عنصريو المؤتمر الوطني من خلال اللافتات الموزعة على شوارع العاصمة بعدم السماح للحركة الشعبية بالتواجد السياسي في الشمال بعد 9 يناير 2011 م ،وان تغلفت «بمنبر السلام» هي اعداد لحملة ضد منسوبي الحركة الشعبية من أبناء الشمال والانتقام منهم بالاعتقال والسجن والتشريد بعد ضمان تخلي الحركه الشعبيه عنهم. والتطمينات التي قدمها الفريق سلفاكير في خطابه الأخير بجوبا بعدم دعم المعارضين وايوائهم في الجنوب مداها النهائي هو التخلي عن قطاعات الحركه الشعبيه في دافور والنيل الأزرق وجبال النوبة، في مقابل أن يبتعد المؤتمر الوطني عن دعم أي حركة تمرد جنوبية ضد الحركه الشعبيه.
ومن ناحية المؤتمر الوطني وحكومته فان خطاب الرئيس البشير الشهير في القضارف ،مقروءا مع التصدى الأمنى العنيف لموكب حزب الأمة وقبله التصدى لمذكرة النساء لوزارة العدل ،والتهديدات التى ظل يطلقها والى الخرطوم وأشياعه ضد المعارضة وضد من يهددون الاستفتاء ،ثم قراءة ذلك مع خطاب الرئيس في عيد الاستقلال ،يكشف عن تأرجح وارتباك داخل الحكومة وحزبها بين نهجين من التعاملات السياسية بعد الانفصال،نهج يقوم على القهر والقمع واسكات اي صوت معارض للحكومة وسياستها،خاصة مع الأجراءات الاقتصادية المتوقعة والغلاء الذى لم يتوقف منذ انتخابات ابريل 2010 .ونهج اخر احتوائى تحت لافتة الوفاق الوطني بذات الطريقة التى أعادت اركو مناوى بعد ست سنوات من ابوجا الى الغابة،والطريقة مع الصادق المهدي بعد التراضي الوطني والمرغني بعد اتفاق جدة وهكذا. اي اتفاقات تنتهي باحتواء الأطراف المتفق معها وتدجينها.يقول د.ابراهيم غندور :ان القوى السياسية المعارضة تحاول اثارة الفتن والقلاقل في أوساط الشارع السوداني بدعوتها لاسقاط الحكومة. ويضيف غير مسموح لأية جهة كانت أو معارضة بالخروج عن القانون ،وأن الجهات الأمنية جاهزة للحفاظ على الامن والأستقرار. أخبار اليوم 3/1/2011م،ولكنه في مكان اخر يقول عن اجتماع أحزاب المعارضة الذى لم يتم :المؤتمر الوطني لم تتم دعوته لهذا الاجتماع بالرغم من التزامه القاطع لكافة الأحزاب بانه على استعداد لفتح ابواب الحوار والنقاش الجاد لكافة القضايا المطروحة. التيار 5/1/2011 م. بينما يقول والى الخرطوم:نحن لانريد السياسيين ان يعملوا«لخبطه» فى الشوارع لأن مسؤوليتنا أولا وأخيرا تأمين الناس في أرواحهم وممتلكاتهم وعرضهم وأمنهم واستقرارهم
.ولاندرى ماعلاقة التعبير السلمي للمعارضة بأرواح المواطنين وممتلكاتهم وغير ذلك. بينما يقول البشير في خطاب الاستقلال: ان الوطن ملك للجميع ولايحق لأحد أن يمن به على احد.
أما معسكر المعارضة فهو الى الآن يتلمس خطاه باتجاه الموقف المناسب للتعامل مع مرحلة مابعد الاستفتاء.فمن الدعوة الى اسقاط الحكومة بالانتفاضة الشعبية الى الدعوة لحكومة قومية الي وصف الحديث عن اسقاط النظام انه سابق لأوانه أو أنه لايخدم أوضاع البلاد السياسية المقبلة، مأخوذا ذلك مع تأجيل «مؤتمر السودان الشامل» الذي كانت ترتب له الأحزاب المعارضة، كل ذلك يشير الي أن مرحلة من فرز المواقف والاصطفاف الجديد سوف تسيطر بعد الاستفتاء وعلي ضوء ذلك تتشكل الرؤية للمستقبل. و لكن يتحمل المؤتمر الوطنى و حكومته وزر ضياع الجنوب و الغلاء و توتير الحالة الدارفورية.

الصحافة

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1475

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د.صديق تاور كافي
د.صديق تاور كافي

مساحة اعلانية
تقييم
5.53/10 (53 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة