عقوبة
11-30-2013 07:40 PM

عقوبة
تتكسر متفتتة أحلامه العريضة كلباب خبز " الكدم "
يهب من نومه مذعوراً!!.....
يجلس متربعاً في قلب ما يمكن أن
نسقط عليه صفة سرير مجازاً!!؟...
يستشعر إنهياراً كاسحاً يجرفه ،
كأن العالم من حوله يتطاير شظايا،
أمام ناظريه المحدقة صوب الجبال ، هنا السحاب يصافح هاماتها... !!؟..
بينما " مأمون المحجوب " يحرك يده
اليُمنى ليزيح عن رأسه أنقاض عالمه
المنهار !!؟....
يتداعى .....
يذكر أول يوم وطأت أقدامه أرض السعيدة
قرر أن يأخذ بعضه ويكرّ راجعاً من
حيث أتى ، لولا أن أحد أعضاء البعثة التعليمية في مكتب الوزارة ،
أخذه جانباً ، وتحدث معه طويلاً ، حديث من عركته المهاجر وعجمت قناته قائلاً
- نحن هنا من أجل أن نحفظ ماء الوجه لنا ولذوينا !!؟.....
وحينما تذمر محتجاً ، قاطعه هامساً
- كلمة في سرك الوضع هناك صار
خانقاً لأمثالنا ... وختم نصيحته بقوله
- هذا ما عندي ، وعليك أن تختار ؟؟...
* * *
الخوف خيوط لزجة الملمس
تطول وتتداخل بلا إنتهاء
تنسج حوله حصاراً
يمنع عنه أنفاس الحياة !!!...
ما يدور خارج هذه "العزل" وهي
مجموعة قرى متناثرة هنا وهناك لا يعنيه في شئ !!!؟....
لا زال أثر الكابوس يمسك بتلابيبه
يرفع يديه ويضرب بهما الهواء غاضباً..
أحشاء الفراغ ، تمتص فورة الإنفعال ، يشمله هدوء موقوت !.....
يدلي على أثره قدميه ويقف معتدلاً
ثم يخطو صوب النافذة المؤصدة ....
يحرك الرتاج
يستعصي عليه
يشده بقوة
تنفتح الضلفتين عن زجاج تعلوه
قطرات الندى !!؟.....
يتراءى من خلفه غبش الفجر
يحجب عن بصره ، مبنى المدرسة ....
فيجتاحه شعور جارف بالعزلة ، لا سيما و أن يوم الجمعة يخلو بطبيعة الحال تماماً
من لغط التلاميذ وضجيجهم وهم في طابور الصباح
أو داخل الصف
حتى هذه اللحظة لا يدري على وجه
الدقة ، كيف إستطاع أن يقوم بهذه
المهمة العسيرة ، أن يدرس عدة مستويات في حجرة درس واحدة وكل المواد !!!؟؟....
صحيح أن عدد كل مستوى قدلا يزيد
عن خمسة تلاميذ ....
وفي المستوى الأعلى لا يتعدى التلميذ الواحد ....
أغلق النافذة .....
جلس على صندوق خشبي ، موضوع في أحد أركان الغرفة ، ليعد إفطاره .......
لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً
أخذ كوب الشاي الساخن و وقف منتصباً....
إقتعد مقعداً قريب من طاولة ، عبارة عن صندوق كرتون مقوى ، يضع عليه دفتر تحضير الدروس .. لعرضه على الموجه
الفني دون الإستعانة به في شرح المواد المراد تدريسها...!!؟.
بجانب الدفتر ، هناك بعض الكتب
التعليمية ... تجاورهم شنطة صغيرة
مملوءة بالرسائل التي وصلته جميعاً من السودان مؤخراً في يوم واحد !!؟.....
تكاد أوداجها أن تنفجر من فرط الإكتظاظ
مع رشفة الشاي الأولى ، فتح الشنطة فإنبهلت أحشاؤها !!؟....
أخذ يفرزها مُصنفاً إياها الى عدة أنواع
هذه من ذوي القربى الذين تربطه بهم صلة رحم
وهذه من الجيران
وتلك من الأصدقاء
وهاتيك من زملاء الدراسة
وجميعها ، مطلوبات ....
تتراوح أسعارها بين الباهظة والذهيدة.
إبتداءً
إبتدر القراءة برسالة الوالدة الحنون
التي ترملت قبل إغترابه الى هنا بعدة أشهر برحيل الوالد ، جمل الشيل وركيزة البيت ، قل الدخل وزادت المصروفات .... والمعاش لايكفي ...
ذوى " مامون المحجوب "مابين حاجبيه وقطب جبينه ...
حينما أبصر هذه العبارات التي أعقبت السلام والتحية والسؤال عن الصحة ....
( ماكينة السيارة النقل ، تصلبت ، ولم يعد ثمة حل سوى ... إرسال قيمة ماكينة
بديلة أو العودة الى المخصصات الشهرية !!؟...)
هكذا إذن ... ثور الساقية المعصوب
العينين ، ينبغي ألا يكف عن الدوران
وإلا توقفت الحياة هناك !!؟...
صدمه هذا الخبر ورأى أن الكابوس
كان ترميزاً له ...كفت أصابعه عن فض الرسائل الأخرى
جمعها كلها وحشرها في الشنطة الصغيرة ...
* * *
ألقى نظرة عجلى الى أرضية الغرفة...
هاله تشققها وخلوها من الأبسطة ،
سحب بصره بعيداً ، قبل أن يشهد
فرفرة قلبه الذبيح ( أيمكن لحسه المرهف أن يتبلد ؟ ...)
( أيكون في مقدوره أن يصم أُذنيه عن صوت الواجب ؟ ...)
أغمض عينيه ، وحينما ظلتا تبصران
من تحت جفنيه ، وضع كفيه عليهما كأنه يمنع حاسة الإبصار من ممارسة وظيفتها البيولوجية !!؟.....
لكن عبثاً ، فبصيرته إستحضرت البعيد عن الحس والغائب عن البال .....
وجعلتهما تحت محجرين يخترقان
الحجب الكثيفة ويفضان أستار المجهول
إنسربت أشعة الشمس الأولى عبر
الزجاج المُندى ، فإنتشرت داخل الغرفة واهنة ، عليلة على الأرضية العارية ، دون
أن تبعث في أوصاله الدفء !!؟.....
حرك " مامون المحجوب " رأسه في خطوط أفقية وأخرى عامودية كأنه يحاول إفراغه مما يمور بين تجويفه من مشاغل ، بحثاً عن ساعة صفاء
ناعمة وراحة نفسية
لكنه لا يلبث أن يقتحمه خوف غازٍ .....
في لحظة ما إنتابته رغبة جامحة في
الصراخ إلا أن ضابط الإرادة يكتمها !؟.
ظل قابعاً( يرعى غنم إبليس ويقبض
الريح !!؟.... ).
هب واقفاً وهمس لنفسه ( اليوم جمعة ،
لماذا لا أخرج من هذا الغار وأهبط الى الوديان ، لعلي أفتت رواسب الغم التي تكلست بين الجوانح !!؟..) هندم هيئته وتهيأ ظاهرياً للخروج ...
غير إن الروح الحبيسة نفسياً ، ظلت
لا تطاوعه وقد عراها الإكتهال وشاخ
الطفل فيها !!؟...
خلع ملابس الخروج وأرتدى جلباباً
فضفاضاً ، وطفق يبحث عن ضالته
بعد لأي وجدها وسط دفتر التحضير...
الدائرة المضيئة الوحيدة في حياته ،
في غمرة الإلتزامات تجاه ذوي القربى ، والأصدقاء والزملاء ...
لم يبق لها حيزاً في قائمة واجباته غير المنطقة السفلى ... !!!؟؟...
من لون الرسلة أيقن إنها صادرة من لدن الغالية !!؟.....
أجرى بصره خطفاً بين أسطرها
المتزاحمة وجملها اللاهثة ( كل يوم جديد تشرق شمسه وتظل غائباً عن سمائه ... يعني أن عقوبتي المقررة من جهة ما قد زادت عام آخر ، لا يعلو وجهك الإحباط ، فغيابك الطويل وتعلقي بوهم مجيئك الظافر ، كانا الجرم الذي لا يغتفر في
عرف أهلي !!!؟؟....) .
أفلت الرسالة من بين أصابعه وصوته
المتحشرج يساقط كلمات حائرة
( حقاً لم أعد أدري على وجه الدقة أينا من كانت عقوبته أقسى وآمرَ و من
تحولت حياته الى سجن بلا جدران !؟.). ثم هامساً لنفسه في حيرة ( كأن الأرض
حولي بما رحبت إستحالت الى أسوارعالية بلا أبواب !!!؟؟.....).



فيصل مصطفى
[email protected]

تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1190

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#843851 [فيصل مصطفي]
0.00/5 (0 صوت)

12-01-2013 08:07 PM
كم أسعدني رد رسالتى من قبلكم وملأني حبوراً
قطعاً سأتواصل معك عبر البريد الإلكتروني
مع دوام الود والتواصل


#843653 [صلاح يوسف]
5.00/5 (1 صوت)

12-01-2013 04:25 PM
شكرا لك أحي فيصل على أنك تحرص دائما على انتشالنا من بؤرة ساس يسوس وتجعلنا نسوح في واحة طالما تشوقنا لها. أتابع ما تنشره من وقت لآخر وقد سرني تعليقك على مقالي وتساؤلك عني وقد قمت بالرد على ذلك آملا أن يتم التواصل عبر العناوين البريدية


فيصل مصطفى
فيصل مصطفى

مساحة اعلانية
تقييم
7.34/10 (15 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة