في



المقالات
السياسة
الدروس و العبر في سيرة ايقونة النضال نلسون مانديلا
الدروس و العبر في سيرة ايقونة النضال نلسون مانديلا
12-09-2013 08:29 AM

يوم الجمعة الماضي نكست الاعلام في شمال امريكا، في كندا و الولايات المتحدة، و تجمع الناس ليتقاسموا الحزن و يتشاركوا في الاحتفاء بهذا الراحل العظيم. في تورنتو تجمع الناس في مدرسة نيلسون مانديلا العامة، و هذه واحدة من اقدم ثلاثة مدارس في كندا، افتتحت في عام 1853، و في عام 2001، و بحضور المناضل مانديلا، اقيم احتفال كبير لتسمية المدرسة باسمه بدلا عن مدرسة بارك العامة، وكان التجمع بحضور جمهور غفير و علية القوم في المدينة. و اعلن في نفس اليوم ان رئيس مجلس الوزراء باركر سيسافر بوفد يمثل كندا لحضور مراسم التشييع، و تبع ذلك اعلانات من كثير من الدول و الشخصيات البارزة في العالم انهم سيكونون في جوهانسبيرج قبل 15 ديسمبر. في احتفال اعادة تسمية المدرسة قال احد المتحدثين انهم يسمون المدرسة باسمه لانه : واحد من اهم المناضلين من اجل الديمقراطية و الحرية و العدالة في القرن العشرين.

ما الذي يجعل العالم كله يتفق علي حب هذا الرجل و الاحتفاء بسيرته؟! لا شئ غير تاريخ نضاله و صموده المبهر ، و سيرته ايها القراء علي بعد نقرة ماوس في الانترنت ، و اشجع الجميع علي التعرف علي سيرته، و مشاركة الابناء و البنات في نقاشه. اما انا فقد قررت ان اكتب سلسلة من المقالات تلقي الضوء علي الدروس و العبر في تاريخ هذا الرجل المتفرد في نضاله، و في احتفائه بالآخر، و في دعوته للحقيقة و المصالحة. فتعالوا معي الي الدرس الاول:

الدرس الاول: الغني غني النفس

(1)

عنوان الدرس الاول مقروء و مفهوم لديكم و لا يحتاج لشرح. لكن هذا المعني عند نيلسون مانديلا تجده في كل تاريخه الحافل بالنضال الدءوب ، تجده في روتينه اليومي، و لا يمكن ان نسلط الضوء علي هذه القيمة الانسانية الرفيعة الا بمقارنة مانديلا بسياسي آخر. لذلك ساتناول في هذا المقال مقارنة بين نيلسون مانديلا و شخصية سودانية افتراضية لابد من اطلاق اسم عليها ، فسميتها المنتفع بدين الله.





(2)

اسبغ الله علي كليهما نعمة جليلة في سن الطفولة ، و لنبدأ بالمنتفع، فقد ولد في قرية من قري الهامش ، والده مزارع بسيط ، لكن كانت النعمة انه ولد في نهاية اربيعنات القرن الماضي ، حيث كانت بلادنا تعيش استقرارا و رخاءا جعل التعليم و العلاج مجانا و اقتصاد البلاد في احسن حال، ثروتنا طويل التيلة من مشروع الجزيرة ، و السكة حديد في قمة المجد ، و الخدمة المدنية اولي اولوياتها تطبيق القانون ، و تساوي الفرص في التعليم ، لا فرق بين ابن المدير و ابن ذاك المزارع في قري الهامش. و استفاد المنتفع من هذه النعمة فدرس في داخليات مدعومة من دافع الضرائب، من المرحلة الاولية حتي الجامعة.

(3)

اما نيلسون مانديلا فقد انعم الله عليه ان يولد في قصور جده ملك القبيلة، و في وقت كانت سلطة البيض في جنوب افريقيا تمارس التفرقة العنصرية بنص القانون، تيسر لمانديلا ان يتعلم في احسن المدارس و المعاهد و يتخرج بدرجة جامعية في القانون، ليس ذلك فحسب بل كان اول محامي اسود يفتح مكتبا لممارسة مهنة المحاماة. و هي نعمة كبيرة ان تتوفر مثل هذه الفرص لشخص ولد في عهد الابارثايد في جنوب افريقيا.

(4)

المنتفع بدين الله في عهد الطلب في مدرسة وادي سيدنا، انتمي الي تنظيم سياسي يبشر بتطبيق قوانين اسمي رسالة سماوية، دين الاسلام القويم. و لان الدعوة لهذا التنظيم في مرحلتها الاولي في المدارس الثانوية ، اريد لها ان تكون خالصة لوجه الله، نستطيع ان نعتبر المنتفع شابا نشأ في عبادة الله. لكنه و لدهشته اكتشف في جامعة الخرطوم ان الممارسة السياسية التي تهدف للوصول لسدة الحكم ، تستدعي احيانا "التمسك بالاسباب" و الانحراف قليلا عن تعاليم الدين القيم ، في زوايا حادة جدا ، مع تبرير للسلوك بفقه الضرورة.

(5)

نلسون مانديلا كان مهموما مغموما بقوانين الابارثايد التي تفرق بين الناس باللون و العرق ، و لم تكن ممارسة فئة في المجتمع، بل هي ممارسة "بختم الدولة لا حول"!! فاصبحت هذه القضية شغله الشاغل ، فقرأ في التاريخ و السياسة و الافتصاد و الانثروبلوجيا، ووجد في الماركسية بعض الاجوبة لاسئلته، و بدأ النضال في تنظيمات محظورة و تعرض للمطاردة و الاعتقال . و كون جماعات الشباب المسلحة لمناهضة حكم البيض، رغم اعتراض بعض زملائه علي العنف، و يومها قال لهم: " انا لا انكر انني خططت للتخريب، و لكنني لم اخطط له بروح الاستهتار و لا لحب للعنف في ذاته، بل خططت له كنتيجة لتقييم هادئ و رشيد للوضع السياسي الناتج عن سنين من طغيان و استغلال و اضطهاد البيض لشعبي". و انتهي به طريق النضال المحفوف بالمخاطر للسجن المؤبد.

(6)

المنتفع بدين الله تخرج من جامعة الخرطوم ، و ظل عضوا ملتزما في جماعته ، يقبل ما يقوله الامير ثم امير الامراء بانه امر لا بد نافد، و هو الصواب الذي سيحقق دولة الشريعة. ظلت تتسع الزوايا الحادة المفارقة لشرع الله، لكن لم يعجز شيوخه في ان يعطوه التفسير المقنع في كل حين. و عندما جاءت الشمولية الثانية ، كان التوجيه بان المال هو مفتاح كل شئ و يجب ان يعمل الاعضاء في الجماعة علي السيطرة علي هذا المفتاح بشتي السبل. و هكذا شاءت الاقدار ان يملكوه المال و يذيقوه طعم الرخاء و الدعة التي لا تشتري الا بالمال. و عندما جاءت الشمولية الثالثة ، و معها التمكين ادرك المنتفع ان قد جاء "رزق كبير ساقه الله اليه". فتقلد المناصب المختلفة ، و كون لنفسه اتباع هم ادواته في جمع المال بشتي السبل ، فامتلك المال الكثير ، و العقارات داخل السودان و خارجه، و تزوج مثني و ثلاث، و اصبح من اغني الاغنياء، حتي اصابه السرطان اللعين فتوفي عن عمر يناهز السبعين بقليل تاركا من المال مايكفي اولاده و بناته العشرة و زوجاته الثلاثة و يفيض ليتدفق الخير للاحفاد.

(7)

اما مانديلا الذي قرر منذ وقت مبكر ان هدفه الغاء الابارثايد، فقد انتهي به الامر الي محكمة كانت تنوي ان ان تحكم عليه بالاعدام، و في المحكمة، مخالفا نصيحة محاميه اصر ان يترافع عن نفسه و القي مرافعة دفاع قوية استمرت اربعة ساعات، قال في ختامها:

"ان كل ما قمت به من افعال كان من اجل الوصول الي مجتمع مثالي حر و ديمقراطي ، بفرص متساوية للناس جميعا من كل جنس. و هي فكرة اتمني ان اعيش لها و اراها متحققة في الواقع، لكنها يا الاهي فكرة اموت من اجلها ان استدعي الامر." فحكم عليه بالسجن المؤبد، و في فترة السجن التي استمرت اكثر من ربع قرن!! عرضت عليه الاموال و المناصب و كل ما يحلم به من اراد الغني – و كان طلبه واحدا لم يتغير: الافراج دون قيد اوشرط و تحقيق العدالة و المساواة. فتحقق له ما اراد و فازفي اول انتخابات رئاسية يصوت فيها السكان الاصليون مع الافريكانا و حكم لفترة واحدة و تقاعد. و مات عن عمر يناهز ال90 و ورث ابناءه و بناته و احفاده الحرية و المساواة و علمهم الحقيقة و التصالح.


(8)

تري ايهم هو الاغني؟؟ ذاك الذي طلب الغني المادي و حققه ام ذاك الذي طلب غني النفس و رضاها؟ و اي السلوكين اقرب الي شريعة المصطفي عليه افضل السلام؟ اترككم للتفكر في الاجابة. و استودعكم الله حتي القاكم في الدرس الثاني، سائلا العلي القدير ان يرينا الحق حقا و يرزقنا اتباعه و يرينا الباطل باطلا و يرزقنا اجتنابه.

و آخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام علي اشرف الخلق و المرسلين.

[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 733

خدمات المحتوى


حسين الزبير
حسين الزبير

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة