12-09-2013 09:52 AM


*الحلقة التاسعة

الجندر و استعمال النص

درس المؤلِّفة العربية و السودانية

يأتي القارئ التجريبي و النموذجي إلى النص محمّلَين بتوقعاتهما و أيدلوجيتهما و معارفهما.و من ضمن توقعات القارئ التجريبي أن النص هو مرآة عاكسة للحياة الشخصية لمؤلفه.و في حال قراءته لنص كتبته امراة في مجتمع ذكوري،يأتي هذا القارئ ليستعمل النص، "متلصِّصا" من خلاله على الحياة "السرية" الواقعية لمؤلفته،ذلك أن "أفق توقعاته"* يتمحور في أنه سيقرأ في النص السيرة الذاتية لمؤلفته، أو بعضا منها،و قد تُكتب تلك السيرة الذاتية إما بوْحا أو ترميزا.و يكون همّه الرئيس محاولة المطابقة بين النص و الحياة الواقعية لمؤلفته،و من ثم يغيب عنه-خلال محاولته التحقُّق لاهثا من "أفق انتظاره"، ما يحاول النص أن يؤسسه ضمن بنياته المختلفة. أما القارئ النموذجي فإن النص هو الذي يرسم له أفق تأويله، و يجعله يتخلَّى عن التوقُّعات التي ليس لها أي وجود في بنية النص**،منتقلا من السطح إلى البنيات الدلالية العميقة.

المؤلِّفات العربيات على دراية تامة بأن نصوصهن تستعمل للمطابقة بينها و بين حياتهن الشخصية التي يُنْظر إليها جندريا كعورة .و عن تلك المطابقةالعورة،تقول الروائية الجزائرية اللبنانية فضيلة الفاروق صاحبة "تاء الخجل" في حوار معها في ملحق "أفكار":

"حتى في عالم الأدب نظل ننظر لنص المرأة على أنه نص يكشف عورتها، و ليس نصا يكشف عن تجربة إنسانية".و في إجابة على سؤال "ظهر منذ زمن ليس بالقريب ما يعرف بالكتابة الذكورية و الكتابة الأنثوية، و ما يعرف بالكتابة النسوية أيضا.و كذلك كتابة المرأة.ما رأيك في هذه المصطلحات..و هل ترين أنها تفي بالغرض أو أنها تقيم جدران عازلة بين الأدب الإنساني على وفق معايير جنوسية (ذكورةأنوثة)؟ تجيب فضيلة قائلة "كل هذه المصطلحات تصبّ في خانة واحدة و هي أن الرجل يقرأنا حسب جنسنا و ليس حسب نصوصنا".و هنا يتجلى البون الشاسع بين "قصدية القارئ" و "قصدية النص".

و في استطلاع في ملحق "أفكار" عن "معاناة المرأة المبدعة"، تقول الكاتبة اليمنية أسماء عقلان إن المجتمع ينظر لكتابة المرأة باعتبارها صادرة عن امرأة،مصنِّفة النساء كاقلية مهمَّشة "المرأة الكاتبة كونها كاتبة في المجتمع العربي الشرقي،هي امرأة أولا و أخيرا حتى لو كانت كاتبة أو دكتورة بالذرة.هذا لا يغيِّر شيئا حيث الفكرة تدور دوما حول المرأة، و هي دائما العرض و الشرف. و النساء من الشرائح المهمَّشة و لذا هي تشبه كل الأقليات الموجودة في العالم". ثم تواصل عن سيادة مفهوم النظر إلى كتابة المرأة على انها صادرة عن حياتها الخاصة "مؤخرا منذ أوائل القرن العشرين بدأت المرأة العربية تمتلك حق القلم.و ظلت مهمَّشة ثقافيا لأن رأيها مهمَّش و ثقلها الثقافي مهمَّش .أي أنها طارئة على القلم لأن القلم كان دائما حقا ذكوريا و هذا يضاف للنظرة المريبة التي تنظر بحقها. لذا يصبح أي شيئ تكتبه يُحال إلى تجاربها الخاصة. و هو اتهام شخصي لها و هذا يدخل ضمن العُقَد الشرقية". في نفس الملحق، و في مقال بعنوان "الأدب النسوي..المفارقة بين الوعي والوجود"،يكتب دكتور عمر عبد العزيز عن "قراءة القارئ العربي للأديبة العربية، و كيف أنه يقع في وهدة الاستنساب و الافتراض بأن بطلة روايتها إنما هي الكاتبة بالذات،و أن الرموز الذكورية المشار لهم في القص و الرواية إنما هم أسماء مقرونة بتجربة الكاتبة".

و في استطلاع آخر قام به ملحق "أفكار" بعنوان "من قلق المفهوم إلى غواية الممارسة-هل هناك كتابة نسائية"،تتحدث الشاعرة و الصحفية الجزائرية "نوارة الحرش" عن تفسيرات ذكورية تقول بأنه "لا يجوز للمرأة أن تكتب. لا يجوز لها أن تنشر كتاباتها، لأن كتاباتها هي سيرتها السرية الأكيدة التي تنفضح بين السطور و بالتالي تفضحها أمام الأهل و الجيران و المحيط.و بهذا تُدان المرأة بنصوصها، بخيالها، بأفكارها".

استعمال النص باعتباره عاكسا للحياة الشخصية لمؤلِّفته،ينسحب أيضا على القارئ السوداني حين يستعمل نصوص الكاتبات السودانيات،للتلصُّص بحثا عن حياتهن الشخصية في ما يكتبنه من نصوص إبداعية. المقابلات التي نشرتها هادية حسب الله في كتابها "الكتابة النسائية: حرية أم رقصا بالقيد" تحفل بآراء المؤلِّفات السودانية اللواتي يؤكدن على استعمال نصوصهن لاستراق النظر إلى حيتاتهن الشخصية. عن ذلك تقول الكاتبة السودانية نفيسة الشرقاوي أم أحمد "ظللت أكتب باسم "أم أحمد" لأن أسرتي رفضت أن أكتب باسم شرقاوي، و لولا تفهم زوجي لتوقفت باكرا، و أخاف أن أكتب شيئا يحتمل أن يتشابه مع واقع حياتي، لأن القارئ يقرأ ما بين السطور".ص 37.و في نفس المنحى،تقول الروائية السودانية بثينة خضر مكي "هناك نصوص كثيرة جميلة لم أنشرها لأنني كشخص مسئول عن أسرة ليس من حقي نشرها حتى لو أخذت من أجلها جائزة نوبل".ص 37.استعمال النص المكتوب من امرأة،جعلت المؤلفات ينوهّن إلى أن نصوصهن لا تعكس حياتهن الشخصية.و في ذلك تقول الروائية السودانية زينب بليل "نوَّهت في بداية رواياتي أن أي تشابه مع الواقع صدفة و أن روايتي محض خيال لأنهم يمكن أن يحاسبوني"،ص 38.

إذن كيف ينعكس استعمال نصوص المؤلِّفات،على الطريقة التي تكتب بها المؤلِّفات؟ تقول الصحافية آمال عباس عن "القراءة المجهرية المجتمعية لإنتاج المرأة"، ضمن مقابلات هادية حسب الله مع مؤلفات سودانيات "المرأة إن تلفتت بالشارع فهي مدانة ،و إنتاج المرأة يقرأ بمجهر دائما، لذلك نضطر لمراعاة المجتمع".ص 38.و تقول عفاف حسن أمين عن أثر ربط القارئ التجريبي بين نصوصها و حياتها،على الطريقة التي تكتب بها "لا نستطيع سوى أن نسرّ الكلام فقط، لذلك لا أستطيع وصف رجل بملامح محددة لأنه سيتم البحث عن شبه له بعالمي الواقعي،و أنا بآخر الأمر محكومة بمجتمع أسرة و جيران".ص 38.توقُّع استعمال النص يجعل المؤلِّفات يمارسن رقابة ذاتية على ما يكتبنه،مما يؤثر بشكل كبير على إبداعهن و يحدّ من إمكانياتهن في الخلق و الإبداع.و عن ذلك التأثير المدمِّر،تقول هادية حسب الله في كتابها "الكتابة النسائية:حرية أم رقصا بالقيد"، في ص 38 ،في سياق حديثها عن المعوِّقات التي تواجه الكاتبة السودانية "ظل اتهام الكاتبات بأنهن متطفِّلات على دنيا الكتابة،و أن ما يكتبنه يتعرض للتفحيص من قِبل الرقيب المجتمعي، و يمكن أن يساء تفسيره،ظلت هذه الاتهامات رقابة كابحة لخيالهن محدِّدة لموضوعاتهن". ". يكتب دكتور عمر عبد العزيز في ملحق "أفكار"،عن تأثير قراءة القارئ العربي على الكاتبة العربية "هكذا تكون الكاتبة العربية ملاحَقة بفرضيات ذهنية سابقة على العمل، و في ذات الوقت تكون في حيرة من كيفية فتح مسافة حقيقية بين النص و الذات".

إن استعمال النص هو واحد من الثمار السامة للمناهج التعليمية العربية التي تربط ربطا ميكانيكيا بين النص و السيرة الذاتية لمؤلفه.و هو نفس التعليم العربي الذي أنجب "أشباه المتعلمين"،في وصف لعبد الوهاب المؤدب.و عن ذلك تقول أيضا الروائية الجزائرية اللبنانية فضيلة الفاروق في حوار مع ملحق "أفكار" اليمني "أظن أن تعميم التعليم و إجباريته في بعض الدول أتيا بثمار مُرّة و سامة و أحيانا قاتلة لأنها تجربة قامت على أهداف غير مدروسة و برامج غير مدروسة أيضا".

هامشان:

*في مصطلح "أفق التوقعات"،كما صكه الألماني "هانز روبرت ياوس "،تندرج عوامل مثل تجربة القارئ مع ،و معرفته القْبلية بالجنس الأدبي الذي ينتمي إليه النص،و العلائق الشكلية و الموضوعانية "الثيمائية"، التي تربط النص بنصوص أخرى معروفة في السياق التاريخي، و التعارض بين اللغة الشعرية و اللغة العملية،و لم يتم إدراج عامل الجندر.

** فلنعدْ إلى مثال "العودة إلى سنار" الذي ضربناه سابقا،في الحلقة الأولى.فالقارئ التجريبي الذي أوحى له العنوان توقُّعا في شكل تساؤل: عن أي سنارين يتحدث النص: سنار التقاطع أم سنار المدينة،ذلك القارئ التجريبي سيواصل بحثه عنهما. و قد يلجأ إلى لَي عنق النص، كي يصل مثلا ،إلى تأويل أنه يدور حول سنار المدينة. أو عندما لا يجد ما يتوقعه، فقد يعتبر ذلك من عيوب النصّ بحجة أنه تجاهل الإشارة إلى اي منهما، أو ربما، عندما تفشل محاولاته الماراثونية للعثور على واحد من المكانين،يهجر النص تماما و لا يعود إليه مرة أخرى. أما القارئ النموذجي،حتى و إن كان توقُّع سنار المدينة و التقاطع في ذهنه حين عَبَر عتبة العنوان،فإنه سيتخلى عن توقُّعه الأوَّلي،حين يرى من النص ،أنه لا يتعلق بأي من سنار المدينة أو سنار التقاطع ،كما يفهمهما القارئ المعاصر ،فالنص أي "العودة إلى سنار"،يكسر "افق توقعات" القارئ،و لذلك يقوم القارئ النموذجي ،بهجران أفق توقُّعاته، و نسيان "خيبة انتظاره"، و تأويل النص انطلاقا من البنيات النصَّية التي صاغها المؤلِّف النموذجي.توقُّعات القارئ تبدأ بعتبة العنوان،لكنها تلازمه دوما،و عن ذلك يُفْرد أمبرتو أيكو فصلا في كتابه "دور القارئ في الحكاية" بعنوان توقعات و نزهات استدلالية".و تحت عنوان جانبي "التوقعات باعتبارها تجسيدا لعوالم ممكنة"،يقول فيه "أن يدخل المرء في حالة انتظار معناه أنْ يُجري توقعات. و عليه فإن القارئ النموذجي يكون مدعوا إلى المساهمة في تنمية الحكاية إذ يستبق المراحل المتوالية فيها.ذلك أن استباق القارئ يشكِّل حصة من الحكاية التي ينبغي أن تتوافق مع الحكاية التي يزمع قراءتها.و حالما تتم له القراءة (على هذا النحو)،يتثبَّت مما إذا كان النص مطابقا لتوقُّعه أم لا. على أنّ حالات الحكاية (المتفاوتة) من شأنها أن تثبت حصة الحكاية التي كان حدس بها القارئ أو تدحضه (تثبت أو تزيِّف) }أنظر ،فاينا،1976،1977{.إذاً،يثبت الحل الذي أوتي القصة-كما هو مقرر في النص-آخرَ استباق من قبل القارئ،بالإضافة إلى بعض حدوسه الماضية،و يشكِّل بعامة تقويما مضمرا للطاقات التوقُّعية التي كان القارئ دلّ على جدارته بها على مدى القراءة برمَّتها. و الحق أن هذا النشاط التوقُّعي ينطوي ضمنا على كل مسار التأويل و لا قِبل له أن يتنامى إلا من خلال جدلية شديدة التعالق مع عمليات أخرى، في حين أنه (النشاط التوقُّعي) يكون عرضة للتثبُّت، و بصورة متواصلة، من قِبل نشاط التحقيق الذي ينمُّ عن البُنى الخطابية"، ص 148.
_____________ _____________________________________________________________
المراجع:

أمبرتو إيكو، القارئ في الحكاية-التعاضد التأويلي في النصوص الحكائية،ترجمة أنطوان أبوزيد،المركز الثقافي العربي،الدار البيضاء،بيروت،الطبعة الأولى،1996.

هادية حسب الله،الكتابة النسائية: حرية أم رقصا بالقيد، سلسلة قراءة من أجل التغيير ، المجموعة السودانية للديمقراطية أولا، الطبعة الأولى، 2013.

"افكار"،ملحق اسبوعي يصدر كل أربعاء و يعني بقضايا الفكر و النقد،صادر عن جريدة الجمهورية اليمنية،26 يوليو 2010.


[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1678

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




أسامة الخوَّاض
أسامة الخوَّاض

مساحة اعلانية
تقييم
2.18/10 (9 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة