المقالات
منوعات
الطبيب - قصة قصيرة
الطبيب - قصة قصيرة
01-18-2016 09:40 AM

أمى تذرف دموعا غزارا و تهتف و هى تسند رأسها المنهكة على كتف جارتها " لقد رأيته فى المنام بالأمس . كان طويلا كالنخلة و كان يبصق على المدينة فى احتقار عظيم "
...........................
صاح بائع الجرائد " اقرأوا أخبار الجريمة المروعة " فأطلت عشرات الرؤوس من نوافذ السيارات المرصوصة فى قلب المدينة فى ذاك الشارع الشهير . دقائق و هرول البائع سعيدا بعد ان نفدت بضاعته .
...............
فى قصره الباذخ الفخم جلس بكرشه الممتلئ سحتا . طالع بعينيه الجامدتين العنوان الذى تتصدر أكثر من صحيفة . عبرت بذهنه صورة لرجل ضخم الجثة ، يستلقى على كنبة مريحة و يتحدث و تعابير وجهه غائمة فى ضباب كثيف ، بينما يجلس بقربه طبيب شاب يسجل ملحوظات بين الفينة و الاخرى . ابتسم فى ارتياح و هو يقضم تفاحة بشبق .
...............
وضعت الأموال التى يبعث بها اليها زوجها كل شهر من احدى دول النفط . استدارت بسرعة لتخرج من ذاك البنك الذى لا يرتاده سوى الاثرياء جدا فوقعت عيناها على العنوان الكبير فى الجريدة . لاحت لها على زجاج الباب الدائرى صورة لأنثى تتلوى كالأفعى بين يدى عشيق شاب .
..............
كلكم سعيد بموتى يا أوغاد . أنا مستودع عفونتكم الابدى . انا تابوتكم الذى توارون فيه جثامينكم القميئة . أنا ذاكرة مدنيتكم الغارقة فى مجارى الرذيلة و الفساد . قبل أعوام كنت طالبا نابغة فى كلية الطب ، قسم الجراحة . و ذات مساء قدم لنا خبير أجنبى محاضرة عن شد الوجه . أذكر جيدا أن القاعة اكتظت – وقتها – بوجوه نساء المدينة اللواتى بدأ الزمن فى يرسم خطوطه العنكبوبتية على وجوههن. أما عنى فلطالما شحذت عملية شد الوجه خيالي كمحاولة إنسانية يائسة للالتفاف حول عجلة الزمن الجهنمية . فجأة خطرت لى فكرة غريبة . عرضتها على الخبير على انفراد بعد نهاية المحاضرة فقال لى و عيناه تلمعان " أنت عبقرى" . ثم أضاف هامسا و عيناه تلمعان بخبث طفولى " سأكون زبونك الأول " .
فى داخل المعمل صممت آلتى الجهنمية بعد شهور مضنية من التجارب . تضع – أيها الوغد - يدك عليها لتسجل بياناتك فتلوح لك فى الشاشة الصغيرة صورة روحك مغضنة الجبين بألف ألف جرح . تستلقى على الكنبة المجاورة . و تغمض عينيك ، لتبدأ فى الاعتراف بكل قبحك الزنيم . و مع كل سر يخرج منك يختفى خط من الخطوط السوداء فى جبين روحك . حتى إذا وقفت عاريا على شاطئ اعترافك الاخير ، بانت لك روحك فى الشاشة غضة فتية و كأنها نزلت من رحم أمها للتو . إنه مشروع شد الروح الذى ملأ الدنيا و شغل الناس .
فى اليوم الأول جربته على خطيبتى فهتفت باسم صديقى بفحيح ثعبان جائع . و بعد يومين زارتنى جارتنا المصون . وضعت يدها على الآلة فبانت بضعة خطوط سوداء . استلقت على الفراش و حدثتنى باستسلام " لا يأبه بى . يقضى أعواما طوال فى ديار النفط . و يكتفى بارسال الاموال لى هنا . لا استطيع العيش معه لأننى أرعى بناتى اللواتى قدمن الى بلادى لأجل الدراسة الجامعية ، كما لا استطيع مقاومة العقارب التى تلسعنى فى دمى . لم أجد من ملاذ فى جوع الليالى سوى فى حضن سائقى الشاب ".
بعد يومين كنت قد عينت سكرتيرة لى لتلقى الاتصالات . و بعد أربعة أيام فقط سمعت هديرا خارج المعمل . نظرت عبر النافذة فرأيت مشهدا غريبا : جميع سكان المدينة مصطفون و على وجه كل منهم قناع بلاستيكى ليخفى هويته .
بعد أسبوعين وقفت عربة سوداء مظللة فى الخارج و نزل منها سائق شاب تبدو على وجهه سيماء دعة العيش . " سعادة المسئول فلان يريد التحدث إليك " . ثم مد لى هاتفه الجوال . قهقهت فى خبث . لطالما سعيت أن أقابله فكنت لا أحظى سوى برؤية صورته فى التلفاز . حدثته و اتفقنا على اللقاء فى نفس اليوم . جاءنى بعدها بساعات متدثرا بجلباب أسود . همست فى سخرية فى سرى " و كأنك يا ابن الزنيمة فى حاجة إلى سواد اضافى " . استلقى على السرير فارتعشت شاشة العرض . غطاها سواد كثيف . قال فى قلق و هو يؤمى الى الشاشة " أين روحى ؟ لم لم تظهر كأرواح بقية الخلق ؟ " . تمتمت معتذرا " يبدو أن الشيخوخة التى اصابت روحك أكثر كثافة من مقدرة الشاشة " . ثم أردفت و أنا أحاول تفادى عينيه اللتين بدتا كعينى ثعبان جائع " دعنى أحاول ثانية " . بعد ساعة ظهرت روحه على الشاشة فلم أجد ملاذا من وضع منديل على أنفى . قال فى همس " أنا مسئول حكومي . أقسمت يوم جئت على حفظ حقوق الشعب " ثم صمت فوجدتنى أتمتم فى سرى مكملا " لكنك خنت الأمانة . سرقت عرق البسطاء . كل طوبة فى بيتك هى جمجمة لمزاع فقير . و كل إناء فيه هو دمعة متجمدة ترقرقت على خدى فقير يدعو على أمثالك فى هدأة الليل " .
بعد أسبوعين زارتنى زوجته . خيانة زوجية و سرقة أموال و استغلال نفوذ . ثم بدأ مرتشو المدينة يحضرون لى فجرا . لا يكاد أحدهم يسترخى على الكنبة فى المعمل حتى تعطس الشاشة من عفونة روحه و تلوح الشاشة كقطعة سوداء من ليل بهيم .
بعد شهر حضر الى المعمل سائق السياف مسرور . قال لى إنه لن يستطيع الحضور بسبب حساسة منصبة . و حين ذكرت له أننى لن استطيع العمل خارج معملى قال بحزم " سننقل الآلة الى مكتب سعادته " . و أذكر ليلتها أنه حين وضع يده على الآلة ارتعبت كطفل مقرور ثم قفزت من النافذة و ركضت بعيدا ، قبل أن يقبض عليها رجاله و يقتادوها أسيرة الينا . و حين وضع يده عليها لم تخرج قطرة دم واحدة بل خرجت حقول و غابات و أنهار و فلاحون و قرى ومدن . لم تظهر روحه على الشاشة مباشرة ، فقدرت أن مساحة السواد فوق قدرة الشاشة فاضطرت لتوصيل ثلاث شاشات أخر لتستوعبها .
بعد شهر آخر قرر سعادته أن ارافقه فى رحلاته الخارجية لأجل رفقائة من الدول الأخرى .
مرت شهور و أنا محاط بمستنقعات الكبار الصغار . فجأة تحركت الأمور بصورة ميلودرامية . كتب صحفى مشاغب مقالا عنى . صباح اليوم التالى نعته جريدة معارضة . و ذاك المساء فوجئت بثلاث رجال غلاظ يهجمون على معملى و قبل أن يطرف لى جفن وجدتنى اقتاد الى بقعة نائية حيث صدر الأمر بتصفيتى حرصا على أسرار الدولة العليا على أن يتحول اختراعى الى معلم سياحى يقف فى قلب المدينة .
شئ واحد لم ينسنى اياه الموت أيها الغربان : أن أبصق علي وجه مدينتكم ليل نهار !
...................
مهدى يوسف ابراهيم عيسى ( [email protected] )
جدة

تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1346

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1402693 [سوداني]
0.00/5 (0 صوت)

01-19-2016 09:53 PM
1. شكرا مهدي يوسف ابراهيم علي هذه القصة المعبرة
2. يمزج مهدي في هذه بين مسلمتين ذات وجود ملموس في الديانة المسيحية، ويسودنهما في تناص موفق، ليخرج لنا بهذا النص البديع. المسلمتين هما:
١. ان بوسع المرء اكتساب مكاسب دنيوية ذات الق وزوال اذا رضي ببيع روحة للشيطان. رواية اوسكار وايلد الوحيدة "صورة دوريان غري The picture of Dorian Gray" مثلا ربما تعد اشهر معالجة ادبية لهذه الفكرة. فكرة القصة باختصار هي:
understanding that his beauty will fade, Dorian expresses the desire to sell his soul, to ensure that the picture, rather than he, will age and fade. The wish is granted, and Dorian pursues a libertine life of varied and amoral experiences, while staying young and beautiful; all the while his portrait ages and records every soul-corrupting sin.
٢. المسلمة الثانية هي مسلمة الغفران الكاثوليكية (ويمثلها هنا اعترافات الخاطئون للطبيب{قسيس العرفان})، والتي تقول ان باستطاعة الكاثوليكي النادم مسح ذنوبة وغسل روحة اذا ما ذهب الي الكنيسة، وحلس في كابينة الاعتراف، وأسر بها من خلف ستار للكاهن/القسيس.
في استبداع فكرة الآلة اضافة موفقة.
شكرا مرة اخري للكاتب. ونعشم في المزيد.


ردود على سوداني
European Union [سوداني] 01-20-2016 02:40 AM
تصويبات:
روحة = روحه؛ ذنوبة = ذنوبه؛
روحة = روحه؛ وحلس = وجلس

أضافة:
فكرة "الحلف مع الشيطان deal with the devil" وجدت بالطبع معالجة أدبية في اعمال كلاسيكية اخري يحضرني منها دراما غوته الاشهر فاوست (بشقيها فاوست 1 وفاوست 2)؛ و رائعة توماس مان "د. فاوست Dr. Faust". كما ان للفكرة وجود كثيف في الميثرلوحيا الغربية، وهي الاساس التبريري _ كمثال _ لحرق الساحرات (او ما سمين هكذا!) في العصور المظلمة والوسطي في اوروبا من قبل الكنيسة بحجة ان لهن مقدرات خارقة وسحرية (وجمال آخذ) اكتسبنها بدخولهن في حلف مع الشيطان فسخر لهن كل ذلك، وبالمقابل بعن هؤلاء ارواحهن للشيطان، مما توجب _حسب رأي الكنيسة _ حرقهن!


#1402024 [فاطمة عمر]
0.00/5 (0 صوت)

01-18-2016 09:28 PM
أتابع كتاباتك باهتمام حقيقى . قرأت لك قصصا كثر فى الراكوبة . هل لديك مجموعة

قصصية نشرت من قبل ؟... قصتك أعلاه غاية فى الرمزية و التكثيف . فكرة شد الروح

فكرة سريالية الطعم . كيف اهتديت اليها ؟..لن انظر الى قصتك فى سياق الواقع

السودانى فقط لكن فى سياق المجتمع الانسانى برمته ...

بالتوفيق اخى مهدى ...


مهدى يوسف ابراهيم عيسى
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة