12-17-2013 02:31 PM



( كثير من المتعلمين هنا يفتشون عن فرصة للسفر الي انحاء الارض يتعلمون علي حساب المواطن الكادح و يسمون بلادهم الحفرة انا لست من هؤلاء , ان علي دينا عظيما لا استطيع سداده و ان عشت الدهر كله فهذا الشعب قد علمني و البسني و اطعمني )
علي المك من لقاء صحفي معه في صحيفة الايام بتاريخ 20/ 7 / 1975م
و بالتأكيد فان صلاح احمد ابراهيم صديق علي المك و ان شئت توأمه عاش نفس الاحساس بأنه تعلم علي حساب المواطن الكادح و ان عليه دينا عظيما يجب سداده لهذا الشعب .
وفي نفس هذا اللقاء الصحفي يذكر علي المك انه في حفلات الجامعة كان صديقه محمد محمود ابو قصيصة يطلب منه تقديم صلاح في اخر الحفل وحين يهل صلاح علي المنصة يهتف ابو قصيصة (عصا موسي عصا موسي )
و بالفعل فلقد كان صلاح بمثابة عصا موسي التي تلقف كل افك البرجوازية و استغلالها للبسطاء و الكادحين و كان منحازا كلية للكادحين موظفا ادبه في نشر الوعي بينهم و الدعوة لانصافهم و لعل اصدق وصف لادب صلاح نثرا و شعرا هو وصف معاوية محمد نور للادب الروسي بانه ينحاز لمساكين الناس و انه الادب الذي يجمع الي جمال الفن شرف الغاية و جلال الاصلاح الاجتماعي , و يصف معاوية ادب جوركي و رفاقه بانهم احالوا الادب الس سلاح اجتماعي يهابه الاعداء و يؤثر في الجماهير حيث نري في فن جوركي – و الحديث لا يزال لمعاوية – آلام امة باثرها و ما زاقته من مصائب و احن و عدوان فزلزل النظام القديم و هد معالمه و صار ابن الديمقراطية البكر و معبود الجماهير الذي لا يبقي له بديلا .
و قد كتب صلاح العديد من القصة القصيرة و دواوين الشعر التي اكد فيها انحيازه للكادحين .
فضمن مجموعته القصصية ( البرجوازية الصغيرة ) و التي اصدرها بالاشتراك مع علي المك , يسلط الضؤ علي ذلك التاجر الذي يستغل المزارعين البسطاء عن طريق عملية ( الشيل ) و هو ان يستدين المزارع من التاجر علي ان يسدد له دينه من انتاج زرعه و غالبا ما يكون ثمن محصوله اضعاف ما استدانه . و في قصة المساكين يصور حياة جماعة من المسحوقين اجتماعيا ظلوا يعيشون عيشة مغمورة في زقاق من الازقة بامدرمان ( زقاق العمايا ) و هم مجموعة من المشوهين الذين يطاردهم القدر اينما ذهبوا الي ان جاء السيل و اجتاح مسكنهم و ماتوا جميعا تحت الانقاض , و في الصباح حينما كان النساء يبكين و الشيخ يتمتمون ( لا حولا و لا قوة الا بالله ) وقف غير بعيد موظفون و صحفيون انيقون يضعون علي عيونهم النظارات السود و يدخنون السجائر و هم يسجلون في دفاترهم تفاصيل الحادث .
و في قصته القصيرة ( و هكذا يا استاذ ) يحدثنا صلاح علي لسان احد شخصياته و هو ذلك الطالب الجامعي الفقير و الذي يعرض القاص مشكلته من خلال حديثه عن احتياج ذلك الطالب لفنيلة صوف يتقي بها شر البرد , و من خلال تلك القصة يعرض لنا صلاح معاناة الفقراء مع البرد و يبرع في ذلك . فيحدثنا عن بؤس والد ذلك الطالب و غيره من الفقراء الذين يمشون في البرد القارص في ملابس كأنها ورقة سجائر و في اسمال بالية ذات خروق و يسكنون في بيوت الكوي فيها تسد عادة بقطع من الورق المقوي او بقفة تدير للزمهرير عجيزتها كأنها هي نفسها خائفة من الزمهرير و يخلص من ذلك الي ان الشتاء عدو الشعب مثل البوليس .
و اخيرا و لكي يستطيع والد ذلك الطالب شراء تلك الفنيلة الصوف اضطر لغسل مراحيض المؤسسة التي يعمل بها حين طلب منه المدير ان يجلب عمال لنظافتها و فضل ان يقوم هو بنظافتها و يستفيد من المال المرصود لها فيشتري تلك الفنيلة مستعينا في ذلك بابنه الطالب الجامعي و يحكي الطالب عن ذلك فيقول ( بباب المراحيض وقفت و الماء يتدفق بين رجلي ابي حيث انهمك يغسل الارضية النتنة و يكشط القذر و رجلاه المتشققتان تنضحان بالماء الممزوج بنثار البول و بمحلول الغائط الناشف منه و اللين , و ابي يكح و يكح ورائحة المكان تلعلع و قد اهاجه الماء المتدفق في استفذاذ و جدران المرحاض عليها رسوم فاضحة لاعضاء التناسل و لاوضاع جنسية و كتابات مبتذلة و تعابير سوقية و تذكارات من قضوا حاجتهم ذات يوم بذلك المكان فارادوا تخليد تخليد تلك اللحظات الخالدة و اعتراني شعور بالاشمئزاز و تملكني الغثيان ليس من شئ بعينه و كرهت نفسي و ابي و صباحي ذاك و حياتي اللعينة و يواصل الطالب فيقول : يا الله يا الله ان يكون ثمن خسيس من الدفء كل هذا العار و كل هذا الانكسار و كل هذه المهانة و اي ثمن باهظ انني و الله ما لبست تلك الفنيلة و ما لبست فنيلة بعدها حتي اليوم الا و شممت فيها رائحة ذلك المرحاض ).
واذا انتقلنا الي شعر صلاح عبر دواوينه غابة الابنوس و غضبة الهبباي ثم قصيدة الحاجة التي تم نشرها ضمن كتاب مختارات من الادب السوداني الذي جمعه و اعده للنشر نجد صلاح يؤكد مرة اخري انحيازه للكادحين عبر اجمل قصائده فيحدثنا عبر قصيدته Fuzzy Wuzzy عن اوشيك من قبيلة الهدندوة :
اوشيك دون ان يكل يرصد الافاق
من دغش الصبح الي انحباس الضؤ في المساء
مفتشا عن غيمة فيها سلام المساء
يرفع ساقا و يحط ساق
كوقفة الكروكي في المياه
مرتكز الظهر علي عصاه
اهلكت المجاعة الشياه
ثم يحدثنا صلاح عن :
شعره المدوك الوديك و الخلال
و علبة التمباك
يراقب الزقوم و الصبار و الاراك
السل في ضلوعه يفح افعوان
ثم يصف لنا حال ابنه اوهاج الذي نزح الي المدينة بسبب المجاعة :
اوهاج لم يعد منذ مضي هناك
هناك في المدينة الباهرة الاضواء
تلك التي تعج بالشرطة و المقاهي
بالودك الجيد و الظلال
كيف تري الجنة يا الهي ؟!
اوهاج قبل ان يحقق الامال
و يملأ التكة من سرواله بالمال
هوت علي دماغه رافعة الميناء
فانخبطت جثته في الاراض تحت ارجل العمال
و امتزج اليافوخ بالدماء بالودك و بالخلال
دماؤه تجمدت علي حديد البال
و مات لم يستلم الريال
و استأنفت اعمالها رافعة الميناء – ما الحمال ؟
و في قصيدته ( عشرون دستة من البشر ) يصور لنا تلك الجريمة التي ارتكبت في حق المزارعين في مشروع جودة الزراعي حين اصطدموا بالبوليس عام 1956م في عهد اول حكومة وطنية ( حكومة الوطني الاتحادي ) فجمعت السلطات مائتين منهم و حجزوا في عنبر ضيق مقفول المنافذ فاختنقوا و ماتوا , يقول صلاح :
لو انهم
حزمة جرجير يعد كي يباع
لخدم الافرنج في المدينة الكبيرة
ما سلخت بشرتهم اشعة الظهيرة
و بان فيها الاصفرار و الذبول
بل وضعوا بحذر في الظل في حصيرة
و بللت شفاههم رشاشة صغيرة
و قبلت خدودهم رطوبة الانداء
و البهجة النضيرة
لو انهم ... ما تركوا ظمأ
ما تركوا يصادمون بعضهم لنفس الهواء
و هم يجرجرون فوق جثث الصحاب الخطوة العشواء
و العرق المنتن و الصراخ و الاعياء
ما تركوا جياع
ثلاثة تباع
في كتمة الانفاس في مرارة الاوجاع
لو انهم ..
و يدين صلاح البرجوازية في تعاملها مع اولئك المزارعين من المناطق الاكثر تخلفا في السودان و يفضح انحيازها ضد اولئك الكادحين :-
لكنهم رعاع
من الرزيقات
من الحسينات
من المساليت
نعم ... رعاع
من الحثالات التي في القاع
من الذين انغرست في قلوبهم براثن الاقطاع
و سملت عيونهم مراود الخداع
و يصف حال الحكام المرفهين مقارنا حالهم بحال اولئك الكادحين :-
و في المساء
بينما كان الحكام في القصر و في السكر
و في برود بين غانيات البيض ينعمون بالسمر
كانت هناك
عشرون دستة من البشر
تموت بالارهاق
تموت باختناق
و في قصيدته الحاجة يحدثنا عن تلك المرأة الكادحة التي نراها في شوارع كل المدن :-
فرشت عند هجليجة فولها
و النبق
و اتاها الصغار
بعد طول انتظار
ملأوا ظلها ضحكا و غبار
يتدافر جمعهم حولها و بهم لم
تضق
قلبها مؤتلق
انها الحاجة
و يحدثنا عن محاولات البعض استغلال فقرها و عن عفتها :
همهمت بالسلام
مال صاحبنا و هو ذو شبهة و ملام
و لبق في الكلام
و شبق
كل انثي لديه طعام
صائغ و النساء لديه سواء
في الظلام
و قال مثل مرابي لها غامزا في ابتسام
و مضت منه ناب
بلعاب
ادخلي خلف باب المرام
ادخلي .. ادخلي
فاجابت بصوت حييٍّ : حرام
انني حاجة
حين تنجح الحاجة في الوصول الي الحجاز لاداء فريضة الحج نراها تبتهل الي ربها :
تقول الهي " تركت لك العشيرة
اذا انت اهلي و جاهي
قصدتك عبر الخطوب الدواهي
شققت اليك الفلا و الضياع
اتيتك ظامئة في الظماء
اتيتك
جائعة في الجياع
اتيتك يسخر بي الساخرون
اتيتك
يمكر بي الماكرون
اتيتك عبر اغتراب مذل اهان به
تارة و اهون
و ها انا يكفي باني لديك و اني هنا
يا عظيم الرجاء
و اني انتصرت علي شح نفسي
و اني انتصرت علي الاخرين
و اني ركبت اليك الملامة
لانك انت المني و السلامة
و اني علي قدميك ارتميت و انت
الكريم . فهل لي كرامة ؟

عبد الله الحاج القطيني
عطبرة


هامش :
راجع :
• القصة الحديثة في السودان – مختار عجوبة
• دراسات في الادب و النقد – معاوية محمد نور
• *قصة ( و هكذا يا أستاذ ) نشرت عام 1969م بصحيفة الانوار البيروتية , ثم اعيد نشرها في مجلة الخرطوم .
• غابة الابنوس و غضبة الهبباي – دوايين للشاعر صلاح احمد ابراهيم
[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1349

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبد الله الحاج القطيني
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة