12-17-2013 07:54 PM


التداعي الذي إنتهى إليه حال الحكم في هذا الوطن لا يحتاج لمن يذكر به فهو شاخص و ماثل يتحدث عن ذاته ، فالأحلام و الأشواق تنزف بإستمرار في مشاهد مؤلمة و عجز تام من الجميع ، فئة تتربع في مفاصل السلطة تذود عن حظها لأن بيديها مفاتيح كل شيء و أخرى خانعة مستأنسة تؤدي أجمل العروض في سيرك الحياة لتمتع الفئة الأولى ، نحمد الله أن اليأس لم يتمكن من الجميع فهناك جهد فردي يتم هنا و هناك يمثل ضوءاً يستهدي به الناس و يتحسسوم مواطىء الأقدام في هذا النفق .
للأسف يستقيل الناس طواعية من الحياة فيتخلون عن كل ملذاتها لأنهم لا يملكون لها المال و الوقت اللازمين و نأسف مرة أخرى لانعدام الوصفة التحيل الجمر إلى رماد بطريقة مجانية ، فثمة يقين بأن هناك ثمن يجب أن يُدفع و دين يُنتظر أن يؤدى.
قاع المجتمع يغلي في الجانب المقابل لجمر الواقع و تدور الرحى مباشرة على معاش الناس فتسحقهم سحقاً و لا سبيل يكف الأذى سوى التطلع لدور ما تؤديه النخبة المثقفة و المستنيرة ، لكنها هي الأخرى تتوارى خلف الأسوار لتمارس عادتها السرية في إلتهام فتات الموائد ثمناً و عمولة لتثبيط الهمم و تحتكر التفكير و التبشير بخيرية الجن القديم على الجديد !! و كأننا بحاجة لجن من الأساس.
لا أحد يحب أن يرى وطنه يهوي إلى الحضيض بينما الآخرون يسابقون الزمن لتحصيل أسباب النهضة و الرفاه و حتى دعاتنا المبجلون يبتزوننا في خطبهم بأن ما حاق بنا يكافىء صنيعنا و في أفضل الأحوال وعودٌ بالجنة لأن الدنيا سجن المؤمن !! هذا التخليط الفج و تحميل النص المقدس أكثر مما يحتمل لتجنب الصِدام مع آسرنا العزيز الذي يحتسي كؤوس الهناء من دماء البسطاء و يقتطع ثمن رفاهه من قوت الناس .
نحن الجماهير علينا أن نشُد بعضنا بعضاً لنطفىء هذا الحريق و نستشرف المستقبل بعمل ذي أثر في حياتنا دون إنتظار سحابات لن تمطر سوى المشروعات العوراء و الكسيحة التي حُرق لها البخور و ذبحت لها القرابين و أقيمت لها الصروح و هي لم تعد إلا سرآباً يلهث الناس خلفه و هيهات أن يُدَرَك إنه التقذييف ( من القذافي ) الذي يتغنى ببناء ليبيا و حل مشكلات العالم في كتابه العجيب و يا للمصادفة فخضراء الدِمن هنا تماثل التي هناك لوناً و شكلا.
من هذه الصروح الحكم المحلي حجر الزاوية في التنمية البشرية و حُسن إدارة الموارد ، يمس عصب الحياة و يُناط به تقديم الخدمات للمجتمع و حفزه على الإنتاج لتحقيق الرفاه ، إلا أن النتائج الكارثية التي افضت إليها التجربة تمثل رِدة كبيرة لا يمكن جبرها بحال من الأحوال فمفهوم الحكم كقيمة تضاءل و بهت لونه و صار ضرباً من اللهو ، حتى بلغ التلكؤ مداه إذ لا قيمة للزمن و لا الموارد ، هذا المشهد في الحواضر و الأرياف فلا فرق بين القرية و المدينة فهما سيان شكلاً و حال ، إنحسر الريف المنتج و تحولت المدن لتجمعات بشرية تعجز الحكومات المحلية على التوسع في البرامج التي تستوعب إحتياجاتهم و تفي بمتطلبات العيش و الحياة .
يزداد الوضع سوءاً و تعقيداً كلما يممت وجهك شطر الأقاويم و الولايات فهناك من يتربع على رأس المنظومات الإدارية و هو عاجز يلقي باللوم على الآخرين بتسميتهم صراحة أو توهمهم في عوالم اللا محسوس .
لا أحد يقدم على إمتهان مهنة دون أن يحيط بها علماً فالخياط لا يباشر هذه المهنة دون أن يتدرب و كذا الحلاق لا يعيث فساداً في شعر الناس لمجرد أنه يعشق هذه الصنعة ، لكن الحكم يمارسه الجميع حتى الفاشلون في إدارة شأنهم الخاص لا يخشونه فتحور من أداة يتسنمها المرء أمانة في عنقه - في الفانية و يوم يقوم الأشهاد – تحول إلى حظ من متاع الدنيا يتقدم المال و البنين و القناطير المقنطرة لأنه يأتي بهم اجمعين ، صار الحكم دمية في ايديهم يلهون بها متى شاءوا بلا اعتبار لأي شيء و كأن المحلية ، الولاية ، الوزارة ضيعة أو تركة ورثوها – و لو إذا سلمنا جدلاً بأنها كذلك - فهل يجوز أن تؤتىء للسفهاء ؟ و ليس من سفه أكبر من هذا إذ يُسند الأمر لغير أهله إلى هذه الدرجة !!
تحول الحكم لحلوى توزع للمشاغبين (طقاقين الحنك ) في سوح السياسة و المتسكعين على ارصفة الزعامة ، بلا مواربة صار غنيمة توزع لتسوية نزاع و تأليف قلوب و تبديل ذمم و شراء مواقف !!
إنه ضربة لاذب يحظى صاحبها بفاصل رقصٍ دستوري إلى حين و هو فقير معرفة و كلٌّ على مولاه أينما يوجهه لا يأتي بخير ، فيفعل الأفاعيل و لا حدود لمغامراته و لا حسيب ، فهو فوق الطبيب و الإداري و المهندس و الناس أجمعين إلا رصفائه الدستوريين .
لا يخضعون لقانون محاسبة العاملين و لا يتم إنتخابهم و ليست هناك مجالس تشريعية على المستوى المحلي تأطر ما يقومون به ، يختزلون مهام مناصبهم في التعبئة و حشد القطاعات (مرأة ، طلاب ، شباب ) بمناشط يطغى عليها الطابع العبثي أكثر منها أعمال جادة تعود بالنفع على أحد ، حتى تجسد الحال في قول الشاعر :جمعتُ أمرينِ ضاع الحزمُ بينهما تِيه المُلوكِ و أفعال المماليك ، إنه التيه بعينه فالمعتمد يظن أنه بكل شيء عليم و على كل شيء قدير – سبحانك ربي – أما القوة و الأمانة فهذا دور التعساء و بطانة السوء التي حذقت هذه الأدوار فتسوق الغث و تصنع الفراعين الجدد ، هذا في شأن الملوك ، أما أفعال المماليك فلم يخطر ببال أحد أنها تشابه حال سكان المحليات الطرفية و القصية ، إذ يحولها المعتمد لإقطاعية يثقل كاهلها بإحتياجاته المتنامية و شهواته العارمة لإمتصاص مواردها و توظيفها فيما لا يفيد ، إنه أمير في بلاط لا يُسأل و لا يُراجع و بيده عبارة جاهزة تقصم ظهر أي أحد ممن يقف في طريقه للسيطرة التامة بإختصار هو رئيس لجنة الأمن و بيده قلم ملون لا يأتيه الباطل من كل حدب و صوب !! في عرفه لا اعتبار لقانون و لا لائحة كل موظفي الدولة معاول مُسخرة لإعانته فيما يريد و عليها تطويع النصوص لتتماشى مع أهواءه و نزواته و ليس القانون ، حتى وصل الأمر لتجاوز الإجراءات المالية و المحاسبية و التصديق خصماً على القلم الأخضر عند نفاد بنود الميزانية .
ليس بالضرورة أن يكون الجميع بهذه البشاعة لكن الإستثناء لا قيمة له و التميز نافلة لا تعني أحداً طالما يقع الحيف و الضيم على الناس فإذا تحقق إنجاز في بقعةٍ ما فهو مغامرة صيّاد يخطىء و يصيب مصادفة .
لقد بلغ الوعي الإنساني مراتب تقارب الكمال في شأن الحكم ، لا مساحة للتجريب و التخبط و المزاجية فالحكم الراشد مُنتج محسوب الكلفة يماثل الإنشاءات الهندسية ، لا مجال فيه للخطأ ، لذلك - إن صحت المقارنة – يكون حال حكامنا كبناة الجالوص يشيدون و يحطمون ليبدأوا من جديد دون أن يرف لهم جفن إنه الحكم غير الرشيد في أبهى تجلياته .
الفاضل ابراهيم فضيل
[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 672

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




الفاضل ابراهيم فضيل
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة