في



المقالات
السياسة
دولة جنوب السودان وغياب الحكمة!!
دولة جنوب السودان وغياب الحكمة!!
12-25-2013 05:39 AM


بسم الله الرحمن الرحيم

ولدت دولة جنوب السودان بعملية قيصرية، ومن رحم أهوال تاريخية بالغة القسوة، وتم التمهيد لهذه العملية، بتسوية إتخذت طابع تقسيم الغنائم بين الأقوياء، او كنتيجة لتوازن الضعف الذي يهدد مصالح المتقاسمين. ولو تلبست هذه التسوية رداء حق التصويت للوحدة او الإنفصال، كأحد خيارات الإنسان الحر، ولكن دون تهيئة البيئة الصالحة! التي تمنح هذا الخيار، قوته وصدقيته وتعبيره الحقيقي عن الإرادة الواعية! لذلك يمكن إعتبار ميلاد دولة جنوب السودان، دليل علي عجز النخب في كلا البلدين، في إقامة دولة العدل والحرية والكرامة والمشاركة او دولة الجميع. وبكلام آخر، ميلاد دولة جنوب السودان، كان ردة فعل لمظالم تاريخية، أكثر من كونه حوجة جيوسياسية او تطور طبيعي لمسار حركة التاريخ في هذه البلاد. وهذا يعني أن النخبة في جنوب السودان، ورغما عن الطرح الناضج لمشروع الحركة الشعبية للسودان الجديد، كمشروع معني بعلاج قضية، غياب المُشاركة ومُمارسة التهميش و(التكويش)، من قبل المركز تجاه الأطراف، لم تكن علي قدر الطموح، سواء بعدم تنزيل ذاك المشروع، علي أرض الواقع بصعوباته الغير منكورة، أو بعدم إيمانها بالمشروع أساسا، وإتخاذه كحصان طروادة او ستار، لتمرير قضية الإنفصال، المركوزة داخل الوعي الجنوبي، المُهجس من الآخر (الشمالي). أي لم تستطع النُخبة الجنوبية، حتي المُشاركة منها بفاعلية داخل الحركة الشعبية، من قطع مشوار تقوية الثقة البناءة، أو إعادة تموضع الآخر المختلف وبالأخص الشمالي المسلم، داخلها، اي تغيير وعيها ومشاعرها تجاهه! والإستفادة منه ومن تجربته، لتجويِّد العملية السياسية والنهوض بالبلاد معا. وقد لعب العبء التاريخي، ومن ثم المشروع الإسلاموي السياسوي، الدور الأكبر، في وضع المتاريس أمام مسار بناء الثقة. وبكلمة واحدة، إفتقدت النُخبة الجنوبية الروح المانديلية لو جاز التعبير، أي تقديم قيمة التسامح والعفو والنظر للمستقبل المشترك، علي الأحقاد وروح الإنتقام، والرفض للآخر الظالم بصورة تعميمية مُخلة!(نتيجة الإستفتاء خير برهان). بل أُستخدم هذا الآخر كشماعة، يُعلق عليها حتي تقصير النخبة الجنوبية فيما يليها من واجبات! وأهمية الروح المانديلية في مثل تلك الظروف، أنها تُمثل أكبر داعم لقضية الوحدة في إطار التنوع، وتاليا تعظيم المكاسب للكل، بالإستفادة من الإيجابيات، التي تتمتع بها البلاد ومكوناتها الإجتماعية. وفي نفس الوقت تنزع فتيل مخاطر الإنفصال، ومترتباته التي لا تحمد عقباها، بوصف الإنفصال يُكرس لحالة العداء، او يحولها من قضية مشاعر سلبية، يُمكن علاجها بمزيد من الوعي والحكمة والتازلات المتبادلة وتعظيم المكاسب المُشتركة، الي حالة مُستديمة، تنتظر الظروف المُلاءمة، لتُعلن عن نفسها، في صورة صراع دموي عبثي، لا ينتهي إلا بفناء كلا الطرفين!
علي إيقاع هذه الخلفية من الترسُبات الماضوية، تم إستيلاد دولة جنوب السودان، أي كحوجة عاطفية أكثر من كونها فعل عقلاني! وترتب علي ذلك الأمر نتائج خطيرة علي الدولة الوليدة، حتي ولو كانت غير مرئية، تحت إيقاعات طبول الفرح والإحساس بالإرتياح، بعد الخلاص من العبء الإستعماري البغيض!! أولها، أنها أسست للنهج العاطفي في إدارة شؤون الدولة، بمعني رؤية الإشكالات القريبة والظاهره واللهث في معالجة القضايا الملحة والعاجلة، دون الرجوع لأسبابها وجذورها، بعد تحليلها وإستخلاص الحلول المستديمة من جوفها، أي غياب النهج العقلاني في التعاطي مع تعقيدات الواقع، خاصة وهو نهج مُعقد وضعيف المردود السياسي آنياً! ولا يناسب محترفي السياسة والمتاجرين بقضايا الشعوب! لأن النهج العقلاني لو أُتبع منذ البداية لإنتفت الحاجة للإنفصال أساساً! وثانيها، أنها مهدت البيئة لظهور المرض الأفريقي المُزمن، والمقصود المرض بحب السُلطة والبقاء فيها الي أبد الآبدين! وهو مرض أصاب النُخبة الأفريقية، نتيجة لعدم تجذر وعي المشاركة، والتعاطي الوظيفي والمؤسسي مع الشأن العام! داخل وعي النخبة الأفريقية، ذي الجذور والتاريخ القبلي، بكل صراعاته وتاريخه الدموي الإقصائي. مما جعل مضمون مُمارسة السلطة، إستعلائي قبلي رافض للآخر، رغما عن بعض الشكليات الحداثية، من برلمانات وإنتخابات وبعثات دبلوماسية، وبدل وربطات عنق أنيقة! وثالثها، إفتقار دولة جنوب السودان للبني التحتية، المادية منها والبيروقراطية، كهياكل تستوعب أي ممارسات او طموحات، تعين الدولة علي النهوض او مجرد القيام بوظائفها الأساسية. بمعني تحولها من مجرد شعار، يحاول الإثبات للآخر، أنها قائمة وموجودة ومستقرة، وتمارس دورها بشكل طبيعي! الي واقع حقيقي ومُعاش، تكون السيادة فيه، للمؤسسية والقوانين واللوائح، وليس النفوذ القبلي او قوة السلاح! والمقصود خلو دولة جنوب السودان الوليدة، من المُعينات التي تُساعد علي نقل الوعي والمعرفة بالدولة كحقوق وواجبات، للمواطن البسيط، وليس النُخب المُتحكِّمة، التي تعيش صراعاتها الخاصة، والتي لا تعني المواطن في شئ! وهذا إذا لم يُستخدم كوقود لتلك الصراعات العدمية.
وزاد الطين بلة، صعود الحركة الشعبية الي سُدة الحُكم، بعد إشرافها علي الإنفصال والإنتخابات التي أعقبته! وهي سلفاً مُحمَّلة بتاريخها النضالي وما قدمته لتحرير دولة جنوب السودان الوليدة، بمعني آخر، إن دولة الجنوب هي حصيلة مجاهداتها وتضحياتها، وتاليا يحق لها مطلقا، إدارة الدولة الجديدة وبما تراه مناسبا! والترجمة العملية لذلك، رعاية مصالحها الخاصة، والتي بالطبع ستؤول الي مصالح قادتها أصحاب النفوذ والسيطرة! وإضافة الي روح التضحية التي تُعظمها وتستثمر فيها! فهي تحتكر أيضا الفهم والقدرة علي قيادة الآخر، الشريك في الوطن، والذي يتحول آليا من مواطن له كامل الحقوق الي أحد الرعايا، الذين تحدد السُلطة الحاكمة سقف حقوقهم! بمعني إن الحركة الشعبية إنتقلت بإرثها الثوري النضالي، الي ساحة السياسة، وتاليا حوَّلت العملية السياسية، من ساحة تنافس سلمي، الغلبة فيه للبرامج الناجحة التي تجذب المواطنين، بتعبيرها عن نبضهم ورغبتهم، الي ساحة معارك، تصفي فيها حساباتها مع الشُركاء المشكوك في ولاءهم، ناهيك عن الآخر المُختلف، او من يحمل رؤية مُخالفة لها! بمعني، إن الحركة الشعبية وبالأخص قياداتها، أصبحت تحاسب الآخر بنواياها وليس بطرحه، وبكلمة واحدة، أكسبت العملية السياسية الطابع الإقصائي التخلُصي من الخصوم! ولم تكترث الي أن العملية السياسية نفسها، والتي تُبين رُشد الدولة وأهليتها، لا تكتمل إلا بوجود هذا الآخر، أي بقبوله وإفساح المجال أمامه والتخلُص من هاجس شيطنته، وبكلام مُحدد، ألغت الحركة الشعبية بمُمارساتها المُنحرفة، الدولة كمعني وكمبني! وأحالتها الي مجرد جهاز إمتيازي إحتكاري تسلطي. أي أعادة الحركة الشعبية وخاصة بنسختها السلفاكيرية، إنتاج الإنقاذوية الإسلاموية، في دولة جنوب السودان، وفي وقت مبكر جدا من وصولها الي الحكم. وتأكد ذلك بعد سعيها الجاد لتصفية كل من يُعقد أنه، يرفض نهج الإستدامة السلفاكيرية في القيادة، وكذلك بعد توظيف جهاز الدولة في إنجاز هذه السياسية. ولم تراعِ الحركة وأجهزتها الرئاسية وضعية الدولة الوليدة، كمرحلة للتأسيس والبناء، تحتاج لتضامن كل الشركاء والمكونات الإجتماعية! وأهمية تقديم مصالح الدولة العليا علي المصالح الخاصة، إضافة للحصار الإقتصادي الذي يفرض عليها من قبل نظام الإنقاذ، الذي يتغذي علي إدامة الصراعات. وغيرها من الممارسات التي تدل علي وجود هاجس التخطيط، لبناء دولة ديمقراطية حقيقية، تعبر عن كل مكونات الجنوب، ومستصحبة معها آخر المُنجزات الحداثية السياسية منها والإدارية والتقنية. أي المرحلة مرحلة رجل الدولة الحقيقي، وليست مرحلة القائد سلفاكير، وريث مشروع الحركة الثوري النضالي، وليس الفكري السياسي! أي غابت الحكمة عن القائد سلفاكير، المُتحكِّم الفعلي في الحركة والدولة. والمؤسف أنه حاول أن يكمل نقص إمكاناته السياسية والقيادية، بفرض المزيد من السيطرة والتسلط! مما جعل الأوضاع في دولة جنوب السودان، تتدهور بإستمرار. وبدلا عن التنحي وإفساح المجال، للبحث عن بديل يمتلك إمكانيات تحمل أعباء ومسؤوليات المرحلة الجسيمة، التي تعبرها الدولة الوليدة. نجده فضل حالة الإنكار والإسراف في المُغالطات، كسلوك يسم كل الدكتوريات علي مر التاريخ، والتي لا تؤمن إلا بقدراتها وأفكارها ورغباتها! لتتراكم الأخطاء وتزداد الأوضاع سوءً مع مرور الأيام، حتي وصلنا مرحلة الإنفجار الأخير، الذي ينذر بتجدد الحرب الأهلية، ولكن بصورة أكثر مأساوية وجذرية في إستئصال الآخر، خاصة بعد غياب العدو المشترك(الشمالي) الذي وحد بينها وأزال تناقضاتها بصورة مؤقتة! ولكن هل يعني ذلك تبرئة ساحة المناوئين لسلفاكير، مثل الدكتور ريك مشار وصحبه وغيرهم، بل العكس هو الصحيح، وهم يمثلون الوجه الآخر للعملة السلفاكيرية، والدليل مدخلهم للتغيير لم يكن المطالبة، بالمزيد من الديمقراطية وإتباع النهج المؤسسي لإدارة الدولة الحديثة، ولكن طريقهم للتغيير كان عبر الإنقلاب العسكري، رغما عن كلفته العالية إنسانيا وماديا وسياسيا وفشله تاريخيا، وما يعقبه من مما رسات ونهج لا يختلف كثيرا عن النهج السلفاكيري الدكتاتوري، وهذا إذا لم يكن أكثر وحشية وإستعداد لتصفية الآخر المُختلف عنه!!
وماذا يعني كل ذلك؟ للأسف يعني أن دولة الجنوب الوليدة الهشة، التي تحاول القيام والنشوء من العدم، وتواجه تحديات البدايات الصعبة المُتعثرة، وهي أكثر ما تحتاج لصوت الحكمة وتضامن الفرقاء، من أجل حمايتها من السقوط، الذي يعني عمليا العودة الي حضن الحرب الأهلية، التي يخسر فيها الجميع. أصبحت أمام نارين، إما الدكتاتورية السلفاكيرية او الدكتاتورية البديلة، سواء أكانت مشارية او غيرها، طالما توسلت الإنقلاب العسكري كوسيلة للوصول الي السلطة! أي أن مُحصلة الفترة السابقة، هي نذر مصير البلاد لمزيد من التفكك والصراع الدموي، وإستدعاء الغريب للتدخل، وتمكينه من تنفيذ أجندته ونيل مآربه، والتي ليس بالضرورة توافقها، مع مصالح سكان دولة الجنوب. وبهذا تتحول أجنحة الصراع، الي مُجرد أدوات لمن يمولها، ومخلب لإستعمار جديد بلباس تقليدي محلي!
وهنالك بعض قيادات الحركة تتهم حكومة البشير، بالتورط في أحداث دولة جنوب السودان، من غير تقديم أدلة مُقنعة! ونحن هنا لا نبرئ حكومة البشير، فالبراءة شرف لا تستحقه، وسلامة موقفها من هذه الأحداث، لا ينتقص من جرائمها حبة خردل! ولكن هذه النوعية من الإتهامات تحمل طابع التفكير المؤمراتي، وهو نهج فكري تبريري تصديري للأخطاء للآخر ومضلل لصاحبه، ويعشق صاحبه دور الضحية التي تستحق العطف علي الدوام، أي يحمل سمات الطفولة وعدم النضج الفكري! وهذا النهج يتخذ شكل العقيدة لدي الأنظمة الإستبدادية القهرية، لذلك فهو يعميها عن رؤية أخطاءها ويراكم الخطايا، ويجعل حل المشاكل في غاية الصعوبة والتعقيد، بسبب إنحرافه عن المسببات الفعلية لتلك الأخطاء، بمعني أنه يترك لب القضية او القضية المركزية، المتعلقة بمدي شرعيتها وحسن إدارتها للدولة، ويتمسك بصورة مرضية، بمرجعيته الإحتكارية للسلطة، وتنزّهه المتوهم عن الأخطاء والتقصير، وإذا ما وجد بعضها، فهي بالتأكيد بسبب العدو الخارجي الذي يتربص بها، ويساعده في ذلك عملاؤه المحليون! وحتي إذا ما صدقت تلك الإتهامات، فهي ما كانت لتنجح لو لم تجد ثغرات لتنفذ منها، أي كمية من المظالم والتفرقة والتحيزات الفاضحة للمناصرين والمقربين، وغيرها من سياسات المُحاباة التي إنتهجها القائد سلفاكير. بتعبير آخر، صدقية هذه الإتهامات هي دليل إدانة بالتقصير والفشل للحركة الشعبية الحاكمة، وليست دليل براءة كما يتوهم أتباعها، أو دعوة مجانية للبكاء علي حائط المظلومية، الذي إنهدم بمجرد توليها زمام الأمور! وأصبحت هي من يوزع الظلم علي الآخرين وبغير عدل أيضا!! لا نقصد من هذا الحديث القسوة علي الحركة الشعبية وقائدها سلفاكير حصرا، ولكنها نوع من الإحساس بالخيبة، من ضياع فرصة عظيمة، أُتيحت للحركة الشعبية في الجنوب، لتقدم نموذج حكم يُحتذي به، او علي الأقل تقديم ما يقنع بأن الحركة الشعبية، علي قدر شعاراتها، وتكن إحترام لمواطن دولة جنوب السودان علي العموم، وهي هامة به وبمشاكله، وساعية بجد لراحته او توفير أبسط ضروريات حياته، الأمن والخبز! ولكنها وكالعهد بالحكومات الأفريقية إبنة الحركات الثورية والطرق الإنقلابية، لم تخب ظن السقوط الشنيع في إختبار السلطة، او مقبرة تاريخ النضال الثوري الأفريقي، ولكنه للمفارقة يمثل أيضا معبر يلج منه الرجال العظماء.
والحركة الشعبية لا تعلم أنها، بهذه الممارسة الإقصائية الإستحواذية للسلطة، خلال فترة حكمها القصيرة في دولة جنوب السودان، شكلت طعنة نجلاء لمشروع السودان الجديد نفسه، كرؤية خلاصية، للخروج من نفق السودان القديم المُظلم، وإعادة إنتاج لمخاذيه ورهنه مستقبل البلاد للحروبات والإنقسامات والضياع، وملَّكت أعداء المشروع او سدنة السودان القديم، مُحتكري إمتيازاته المادية والرمزية! السلاح والمبررات التي يقاومون بها هذا المشروع، الذي يستهدف بالتحديد حالة التهميش والإستبعاد، التي لطالما مارسها هؤلاء ضد الآخرين الشركاء في الوطن! أي فشلها في تطبيق هذا المشروع او مجرد السعي الجاد لتطبيقه، أطفأ أهم شمعة أمل، يمكن أن تنير الطريق للأجيال الجديدة، ضحية فشل النخب السياسية السابقة.
ولكن هل يعني كل ذلك إنتهاء الأمل وذهاب دولة جنوب السودان، الي طريق اللأعودة؟ كلا، فإن الأمل شعور إيجابي وبناء لايمكن إهماله، وهو مرادف لمعني الحياة وتجددها، ولكن الأمل في عودة دولة جنوب السودان، الي جادة الطريق، مُعلق في رقاب النخبة الجنوبية بالتحديد! فهي أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما أن ترتقي لقبول تحدي، اللحظة التاريخية المفصلية الراهنة، التي تضع دولة جنوب السودان، أمام خيار أن تكون او لا تكون، وذلك بقبولها مبدأ المشاركة وتقاسم السلطة والثروة، وتقديم أولويات بناء الدولة، علي أولويات مصالح الحزب والقبيلة والأفراد، وتعلية قيمة التسامح والتغاضي عن الأخطاء بعد الإعتراف بها! وإما أن تستجيب لصوت أطماعها ومخاوفها، وتمسكها برايها عناد ومكابرة، وإزدراء للآخر وهضم حقوقه! وفي هذه الحالة فإنها ستخون واجبها، وستخسر نفسها و كل شئ، ومن يخسر نفسه ماذا سيكسب او ماذا سيعوضه ذاك الخسران!! او ماذا يعطي الإنسان بدل نفسه، حسب قول سيدنا المسيح.
وداعا بهنس
رحيل التشكيلي والشاعر السوداني بهنس، بهذه الطريقة المؤسفة والمؤلمة، يمثل دليل إدانة إضافي لهذا النظام، الذي لم ينجح في شئ، بقدر ما نجح في أن يتنزع الوطن و الوطنية، من أبنائه ويحبب إليهم الهجرة بعيدا عنه، وتغيير حتي جنسياتهم وكل ما يربطهم به! كأمل وحيد لإيجاد أنفسهم المفقودة داخله، حتي لو كان الثمن التسكع في دروب الغربة والإرتهان للإعانات الحكومية الغربية، والإنزواء في ظلام أركان الدنيا الأربعة، وهم يطوون بحسرة آخر شعاع من أحلامهم البسيطة، في وطن يحترم آدميتهم ويمنحهم بعض الفرص لإثبات الذات ورد الدين، بدلا من تبديد مواهبهم وقدراتهم في بلاد غريبة، لم تقوَ كل منجزات الحضارة، من نزع إحساس الغربة والشعور بالدونية والوحشة من مشاعرهم، في تلك الديار! ولا تغرينا بعض الإستثناءات التي وجدت الفرصة لتجمع بين الحسنيين، مزايا الهجرة وتوفيق الأوضاع بصورة جيدة ومحترمة. ومن نكد الدنيا علي المواطن السوداني، أن يرهن عمره واحلامه لعدو(الغربة) ما من صداقته والإرتماء في أحضان إيقاع حياته وثقافته وتقبيل كفالته بد!! ما فائدة نظام يجبر مواطنه، أن يرتضي لنفسه كل شئ، إلا الرجوع الي حضنه وربوعه ومراتع صباه!! خاصة بعد أن أصبح الوطن وكر للنهب المُنظم والفساد وأحتلته طيور الظلام، وباض وفرخ فيه الخراب، وإنحدرت فيه القيم الي ما تحت خطوط الإحتمال، حتي ضاق بأبناءه وعجز عن تلبية ضرورياتهم التي تحفظ أرواحهم من شبح الفناء، وصعُب عليه إستيعاب وتحقيق رغباتهم، وجعلهم بين نارين، نار الإحباط والتسكع اوبيع الضمير في الداخل، ونار الهروب الي الخارج لمن إستطاع الي ذلك سبيلا! وهو هروب في الإتجاه الواحد أي هروب أبدي، ألغي معني الوطن بكل تاريخه ورباطه الأبوي المكاني وذكريات الفرد الشخصية، ليتخذ الوطن معني واحد، وهو الجحيم في أصدق تجلياته وإهداره للكرامة والموت بالحياة سنبلة في الداخل او الخارج! ماذا نقول في نظام جعل سبيل العودة الوحيدة لمُبدعيه، أن يرجعوا في توابيت، عسي ولعل أن ترتاح أجسادهم في تراب الوطن، بعد ان أشقي النظام أرواحهم وأقض مضجعهم وسفه أحلامهم، وطاردهم بلسانه وأجهزته وحرمانه! لكل ذلك يُمثل موت بهنس بهذه الكيفية، موت لمعني الإنتماء لهذا الوطن, ونعي للهوية الوطنية، التي جُمدت في المشرحة المصرية، وهي تعاني الغربة والإهمال والضياع.
أخونا بهنس
أرحل في صمت
وأعبُر كما عُلِّمتَ منطق الثلج!
مُمتطياً جياد الجرح النازف
بعرض الوطن اللئيم!!
أرحل حراً
كما عشت حراً
ما أوسع التسكع في دروب الغربة
عندما تضيِّق الأوطان بشعبها!
للموت أجراس
وللغافلين التلهي بالخرافات
والجهالات القديمة
وطعم الإشتهاء
قف..! وحيدا..!
حتي تمر جيوش الخيبة
بعد الإنتصار!
وحلق بعيدا في الفضاء
فلا مكان في الأرض
بعد الآن
للأنقياء.!
اللهم تقبله قبولا حسنا، وأكرم منزله، وأحشره مع الصدقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

mekawy222280@yahoo.com





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 738

خدمات المحتوى


عبدالله مكاوي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة