12-25-2013 09:17 AM

أحسب أننى مؤهل لأدلى بدلوى فى الذى يجرى فى جنوب السودان الآن بإعتبار صلتى الطويلة والعميقة بالبلد الذى فتحت عينى فيها على الحياة . وترعرعت فيها . ونلت فيها جزءا من تعليمى العام. و ما زلت احتفظ بأوراقى الثبوتية التى تقول أننى احد مواطنى مدينة القيقر ، مركز الرنك ، مديرية اعالى النيل . اعداد كبيرة من أهلى الاقربين يتوسدون ثرى مديرية اعالى النيل فى رقادهم الابدى رحمهم الله ، ورحمنا جميعا .
تلك مقدمة لازمة . ولكنى اعود فأبدأ الحديث من أوله واقول إن تجذر القبلية فى المجتمع السودانى الجنوبى دفع المراقبين والمتابعين والمحللين الى الاستنتاج السهل الكسول الذى يحول كل نزاع فى جنوب السودان ومن الوهلة الاولى الى منطلقات عرقية و قبلية دون امعان النظر بما يكفى فى ما وراء ذلك من اسباب . االمحللون والمراقبون الذين حصروا المواجهات الدموية الجارية الآن فى جنوب السودان فى التنازع القبلى التقليدى بين اثنتى الدينكا والنوير ، اكبر قبيلتين فى جنوب السودان ، دون غيره من الاسباب ، لا شك انهم جانبوا الصواب . سفراء جنوب السودان فى اكثر من بلد خارجى ، وتحديدا فى مصر والسودان ، حاولوا تصحيح هذا الفهم الخاطئ لما يجرى . و تباروا فى النفى الشديد ان يكون الصدام الدموى الذى تشهده بلادهم الآن يعود فقط الى التنازع القبلى التقليدى والتاريخى بين اثنتى الدينكا والنوير ، اكبر قبيلتين فى الاقليم . كاتب هذه السطور يسند بقوة ما ذهب اليه السادة السفراء . ويقول كما قال السادة السفراء فى ان الصدام الدموى الذى يجرى فى جنوب السودان الآن هو فى حقيقته الابتدائية صدام ذى منطلقات سياسية وليست قبلية . باقان أموم ، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية الحاكم فى جنوب السودان الذى اقيل من منصبه قبل تفجر النزاع الدموى ، المح الى هذا . واعترف بفشلهم كنخبة حاكمة فى جنوب السودان فى خلق دولة ديمقراطية حديثة . وهذا الفشل المحدد شكل ، ويشكل السبب الرئيس فى التوترات التى ولدت مع مولد الدولة الجديدة ثم ما لبثت أن نحت هذا المنحى العنيف . المواجهات الدائرة الآن سبقتها اخرى فى عام 1991 . ولكن هذه هى الاقوى والاعنف و الاكثر خطرا على تماسك الدولة الهشة بالأساس. وعلى النسيج الاجتماعى الاكثر هشاشة . بل على وجود الدولة الوليدة . انزعاج الاسرة الدولية الكبير يؤكد على صحة ما نقول . الآن أخذت الصورة تتضح اكثر امام المراقبين حيال الاسباب الحقيقية للازمة الحالية. ووضح اكثر ان نواة الازمة برزت الى السطح قبل بضعة اشهر عندما اعلن نائب الرئيس الدكتور مهندس رياك مشار عن عزمه منافسة الرئيس سالفا كير فى الانتخابات الرئاسية القادمة فى عام 2015. وسرعان ما ظهر تحالف مكتوم بين نائب الرئيس من جهة ، والسيد باقان اموم ، امين عام الحزب الحاكم، و السيدة ربيكا قرنق ارملة الدكتور جون قرنق مؤسس الحركة الشعبية التى استطاعت ان تحقق حلم شعب جنوب السودان فى الدولة المستقلة فى يوليو 2011، من جهة اخرى . الرئيس سالفا كير فشل فى اول امتحان ديمقراطى حين لم يستطلع أن يحتمل جرأة نائبه فى تحديه له بتلك الصورة السافرة . وقال العالمون بالاوضاع ان الرئيس انهمك منذ اعلان نائبه رغبته فى منافسته فى الانتخابات الرئاسية القادمة ، انهمك فى التخطيط لكى يتغدى بمنافسيه المحتملين جميعا قبل أن يتعشوا به . و بالفعل طرد الرئيس نائبه الدكتور رياك مشار من منصبه بدون اسباب وجيهة وطرد السيد باقان اموم الامين العام لحزب الحركة الشعبية والحقهما بعدد كبير من الوزراء النافذين من الذين شاركوا فى انتقاد اداء الرئيس بصورة علنية ، بعد أن أشان سمعتهم بتهم الفساد المالى الروتينية فى عالمنا الثالث .تقول الحكاية الصحيحة أن الحرس الجمهورى الخاضع لاوامر الرئيس هو الذى تحرش بالقوات التى تحرس نائب الرئيس ربما فى محاولة لتصفيته . و عندما فشلت المحاولة ، اختلقت الرئاسة حكاية المحاولة الانقلابية ووسمتها بالميسم القبلى والاثنى . رواية ضلوع النوير دون غيرهم فى المحاولة المزعومة تبدو ضعيفة بالقرائن . فعدد كبير من كبار الضباط المعتقلين ينتمون الى قبيلة الدينكا التى ينتمى اليها الرئيس . وهذا يعنى ان ماجرى يتعدى الحدود القبلية والاثنية ويصب فى اتجاه قومى معارض للرئيس. و هذا يثير الشكوك فى رواية رئاسة الجمهورية ويجرحها ويجردها من المصداقية الكافية. زبدة القول هى ان الذى حدث فى محيط القصر الجمهورى هو تنافس على السلطة بين النخبة الحاكمة فى جنوب السودان ليس لأى قبيلة دخل فيه . لقد ضاق صدر الرئيس سالفا كير بالمجموعة التى عرفت باولاد قرنق التى يعتبر السيد باقان أموم ، الامين العام المقال لحزب الجبهة الشعبية ، والسيد دينق ألور، وزير شئون رئاسة الجمهورية، والسيدة ربيكا قرنق عضو المجلس القيادى ، من ابرز وجوهها . لقد اراد الرئيس ان يزيح من طريقه هذه المطبات البشرية قبل وصول موعد الاستحقاق الانتخابى الوشيك ، فكان ما كان. سوف تتضح الكثير من الحقائق فى مقبل الايام . اما الذى اتضح فعلا هو ان النخبة التى آل اليها مصير شعب جنوب السودان هى نخبة دون المستوى المطلوب لقيادة دولة وليدة امامها الكثير من المطلوبات. وما كان لائقا و لا منتظرا ان تهدر هذه النخبة وقت انسان الجنوب ودمه فى التنازع فى قضايا ذاتية.

السفير د. على حمد إبراهيم
[email protected]

(نقلا عن الشرق القطرية)

تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1878

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#867059 [دصلاح الشايقي]
1.00/5 (1 صوت)

12-25-2013 12:34 PM
سعاده الدكتور السفير السلام عليكم كم هو تحليل رائع ومفيد وضرب تحت الحزام اما توافقني الرائ ان ريحه حكومه الشمال وراء تاجيج الامر دمت لنا زخرا ومنعك الله بالصحه


#867027 [الرزيقي]
4.00/5 (2 صوت)

12-25-2013 11:58 AM
مع كامل تقديرنا لرأي سعادة السفير في أن الصراع سياسي بحت حول كرسي الرئيس, ولكن
أيضاً نستطيع أن نقول أن الصراع بدأ هكذا حول السلطة السياسية, ولكن ما هي أدوات هذا الصراع,
بالنسبة للرئيس فهو ممسك بزمام الجيش الشعبي الذي يمثل الدولة بقومياتها المختلفة, أما بالنسبة لنائب الرئيس وحلفائه فليس لديهم سند قوي حال بدأت شرارة المواجهة غير السند القبلي فالكيانات المسلحة حالياً بالجنوب من غير الجيش الشعبي هي وحدات قبلية بحتةولا يعني بالضرورة مساندة أعضاء قياديين من قبيلة الدينكا أو الشلك لنائب الرئيس تغيير للإطار القبلي فالدينكا المعنيون هنا هم أبناء أبيي ولا وجود لمليشيات تتبع لهم وكذلك الحال للسيد باقان أموم إذ أن نفوذ هذه المجموعة سياسي أكثر منه عسكري أو قبلي فبالنسبة لقبيلة الشلك فهي تراقب الصراع وتتمنى أن يذهب الفريقان المتصارعان إلى خارج السلطةولا تأثير يذكر لباقان أمون إذ أن القبيلة تميل للدكتور لام أكول الذي يحظى بسند من الرث وله قوات تإتمر بأمره وفق مشيئة زعيم القبيلة الرث.
المعول الرئيسي لتهدئة هذا الصراع هو التدخل الدولي خاصة من الصين والولايات المتحدة, فأمريكا هي ضامن استمرار الدولة الوليدة والصين لها مصالح حيوية أما السودان فرغم وقوفه مع الشرعية التي يمثلها الرئيس سلفا إلا أنه يتحسب ألا يفقد الأطراف الأخرى الممسكة بمواقع النفط والتي كان لزمن قريب يتمتع بمفاهمات ونفوذ عليها,
نأمل أن يتدارك القادة الأمر ويجنبوا البلاد الانزلاق إلى حرب قبلية الخاسر فيها الجميع


ردود على الرزيقي
[سودانى طافش] 12-25-2013 08:28 PM
أحييك يا( الرزيقى ) فى تحليلك الواضح والبسيط دون تعقيدات فالسيد ( السفير ) بجرة قلم ألغى ( القبيلة ) وتأثيرها فى وسط أغلبه ( أمى ) لايفهم فى السياسة.. صحيح نحن نحمل ( النخب ) الجنوبية فى تشويه حلم الدولة السودانية ( الجنوبية )- مثلما هو حاصل فى الدولة السودانية ( الشمالية)- بنشر العدالة والديمقراطية والتى حرموا منها طويلا ولكن ذلك ليس كل شيئ ..!


#866934 [osama dai elnaiem]
1.00/5 (1 صوت)

12-25-2013 10:36 AM
لك الشكر والتقدير سعادة السفير واسمح لي ان اضيف ان العدوي انفصلت ايضا وكان للساسة في الجنوب جعلا من القسمة وحبا وكرامة نسال الله العلي القدير ان يحفظ اهلنا في الرنك وملكال وواو وجوبا من التوالي الانقلابي .


ردود على osama dai elnaiem
United States [على حمد ابراهيم] 12-26-2013 10:35 AM
الاخ سودانى (طافش )
تحية طيبة

وددت لو أنك كتبت باسمك الحقيقى وليس هناك ما يلزم للتخفى . نحن كلنا طافشون مثلك ونكتب باسمائنا التى اسمانا بها آباؤنا. انا لم الغ القبلية ولكن حديثى تركز على الحالة الراهنة فقط. اريدك أن تلاحظ أن وفد رياك مشار للتفاوض تقوده الدينكاوية ربيكا قرنق زوجة ارملة الدكتور قرنق وعضو المكتب القيادى للحركة الشعبية ويضم كذلك باقان اموم الشلكاوى ودينق الور الدينكاوى وزير رئاسة الجمهورية. هل هذه التشكيلة يمكن ان يقال عنها تشكيلة نويراوية . مالكم كيف تحكمون . الخلاف الدائر اليوم خلاف بين النخبة المتصارعة على السلطة وله خلفيات تاريخية ممتدة الى الصدام الدموى العنيف فى عام 1992 بين مجموعة الناصر والحركة الشعبية ولكن تبقى الحقيقة البسيطة هى ان الرئيس افتعل هذه الازمة لأنه اراد ان يصفى المحموعة التى سوف تعارضه فى الانتخابات القادمة. الخطر الحقيقى على رئاسة سالف كير سوف يأتيه من ربيكا قرنق وليس من رياك مشار اذا قررت الترشح لرئاسة. ثم ماهو الاختلاف بين ما قاله السفير وبين ما تقوله انت - من انك تحمل النخبة بعض المسئولية ولكن هناك اسباب اخرى والسفير يقول نفس الشئ ربما بتعبير لغوى مختلف. قطعا السفير مدرك لهذا. فهو جنوبى بالميلاد وبالعيش فى الجنوب معظم عمره وهو زميل دراسة ووجود لعدد كبير من زعماء وقادة الجنوب . والله نسأل اللطف بأهلى فى الجنوب من عرب وجنوبيين


السفير د. علي حمد إبراهيم
السفير  د.  علي حمد  إبراهيم

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة