12-31-2013 06:48 PM


من المؤسف حقا أن تتهاوي جمهورية جنوب السودان وفي ظرف سنتين فقط من قيامها، أي تاريخيا، قبل أن يتعرف الناس عليها وقبل أن تقوم لها قائمة بين الدول!! فقد سقطت دولة جنوب السودان، وأنفرط عقدها الي حد بعيد، وذلك ليس رجما بالغيب بل بتحليل واقعي بسيط لما تبقي من أركان ومكونات تلك الدولة الجديدة الآفلة. ولفهم ذلك لابد من العودة للوقوف علي التعريف العلمي للدولة. فوفقا لمعظم المذاهب والمراجع العلمية فان التعريف الحديث للدولة الحديثة، يقوم علي ثلاث مكونات أو أركان، وهي: وحدة الأراضي، كركن أساسي للدولة، ثم وحدة الشعب الذي يعمر تلك الأراضي ويستثمرها، والمكون الثالث هي المنظومة السياسية القانونية المؤسسية التي ينتظم تحت مظلتها الشعب كله طوعا أو قهرا، تحت مظلة نظام سياسي/قانوني ما (يقوم بالتراضي كالإنتخاب في الدول المتحضرة، أو بغيره كالإنقلاب أو الثورات في غيرها)، يقوم بتسيير المؤسسات العامة بفاعلة لحماية وإدارة شؤون الدولة لصالح أفراد الشعب. فهل بقي شيء من تلك المكونات الأساسية في أعقاب الحرب الدائرة الآن!! الإجابة قطعا لا، لم يبقي شيء يذكر غير ذكريات المأساة نفسها. فقد إنهارت كل المكونات المذكورة في دفعة واحدة وخلال أسبوع واحد فقط من الإحتراب، وذلك بسبب إنشقاق وتشظي المكون الأساسي للدولة فيها وهو الشعب، الي شعوب وقبائل متقاتله متناحرة تسعي للقضاء علي بعضها البعض تماما، وبوسائل الإبادة الجماعية (وهو العرف السائد بين القبائل الأفريقية المتناحرة للأسف)، وذلك مع إنعدام أي أفق للحل أو التوفيق فيما بينها، وذلك لغياب روح الحكمة بين القيادات وتغليبهم للمصلحة الآنية فوق المصلحة العامة، وفوق كل إعتبار، إختيار النافذين من قيادات الدولة للحرب بديلا للحوار، وللمدفع بديلا للكلمة في تسيير شؤون دولتهم وفض خلافاتهم، كما فعلت قيادات الدولة عبر التاريخ الإنساني كله!
ولا يستثني من مسؤولية إنهيار دولة الجنوب أحد، لكن أولهم وبلا شك هو رأس الدولة نفسه، والذي نسي أو تناسي أن من أولي واجباته السهر علي الحفاظ علي مكونات دولته الوليدة وبروح من العدل والحكمة، بدلا من الإنحدار الي التآمر مع هذا أو ذاك ضد زملائه أعداء اليوم، ونسيان دوره الأساسي في التوفيق بينهم وبين أفراد شعبه. وتبعا لذلك فقد إنهارت المؤسسات الهشة أصلا التي كانت قائمة هناك، بما فيها المؤسسة (الأم) للدولة الوليدة، وهي جيش (التحرير) أو الحركة الشعبية التي أنجزت (الإستقلال)، والتي انفضت عراها الآن وانتقلت الي مرابعها الأولي كفصائل (قبلية وإثنيات) متحاربة يقاتل بعضها بعضا لكسب العيش ولحماية أنفسهم!
والضلع الثالث في إنهيار الدولة الوليدة هو إنهيار وحدة الأراضي، وذلك تبعا لإنهيار (جيوش) الحركة الشعبية وتحللها الي مكوناتها القبلية/الجهوية الرئيسية الثلاث وأكثر: وهي المناطق التاريخية لقبائل الدينكا وحلفائهم من جهة، ثم المناطق التاريخية للنوير ومناصريهم، وأخيرا منطقة قبائل الشلك بأعالي النيل وجيرانهم من القبائل الأقل عددا، الذين طفقوا جميعا في استنفار قواهم ومراراتهم السابقة في استعداء بعضهم البعض للقتال في سبيل حماية أراضيهم ومواشيهم وثرواتهم بما فيها النفط! فحاليا تتدافع هذه القوي القبيلة الجهوية المتحاربة الي العمل وبنشاط محموم لرسم حدودها الخاصة علي الأرض وبقوة السلاح قبل كل شيء، وفي سبيل ذلك فهي تعمل علي استدعاء حلفائها من داخل وخارج الجنوب إما تعزيزا لمكاسب قائمة (كما يفعل الدينكا مثلا) أو لإسترداد ما يرونه حقوقا مغتصبه (كما يفعل النوير) أو لحماية مصالحهم العامة والخاصة في أراضيها التاريخية (كما يفعل الشلك حتما)، وذلك بمختلف الوسائل بما فيها استدعاء الذكريات المريرة ومخاوف المذابح السابقة وكيفما أتفق!! وللأسف لا توجد قوة قاهرة نزيهة في أرض الجنوب اليوم (كجيش الدولة مثلا) لردع أو حتي إيقاف هذه المأساه الملهاه.
ولفهم ذلك يجب أن لا ننسي أن نذكر بفداحة انهيار الآصرة القديمة (الحركة الشعبية) وتبخر حلم (السودان الجديد) بموت صاحبه مؤسس الحركة الشعبية (الراحل د. جون قرنق). حيث مثلت (حركته) الشعبية وأهدافها الطنانة يوما قاسما مشتركا في توحيد هذا الشتات المتناحر ومنحه قوة الدفع والإرادة للقتال ضد عدوهم المشترك سابقا (السودان القديم)! فقد أصبح الصبح واستفاق الكل علي استحالة الحلم، فما عاد أحد يعول علي الآخر بعد ضياع الهدف و(إنسحاب) العدو المشترك من المعركه، اللهم إلا فيما تمليه حسابات الربح والخسارة، في هذه المعركة أو تلك، ضد هذا الطرف أو ذاك مما تمليه دواعي الحرب الدائرة.
وعليه، فلن يفاجأ أحد بالموقف الجديد للرئيس (اليائس) سلفاكير في استدعاء جيرانه من شرق أفريقيا، وعلي رأسهم دولة أوغندا (أو الأحري الثعلب موسوفيني) لمؤازرته في قتاله ضد (رعايا) دولته (نظريا بالطبع) رفاق الأمس وأعداءه القدامي الجدد، من أبناء (شعبه) من النوير والشلك وغيرهم من شعوب ما كان يعرف يوما بدولة جنوب السودان. وهو موقف (فاتر) للإقرار والإعتراف بما هو قائم أصلا، حيث يعرف القاصي والداني حقيقة وجود القوات الأوغندية في أراضي دولة الجنوب المهترئه، وذلك منذ زمان بعيد سبق إعلان إستقلال دولة الجنوب نفسه، حيث قيل يومها أن تلك ترتيبات مؤقته بداعي محاربة جيش الرب، وضمنا بالطبع لردع أطماع الشمال. ووفقا للكثير من وكالات الأنباء وأيضا من خلال مراجعة حيثيات الإتهامات المتبادلة بين الفرقاء الحاليين فقد قام الجيش الأوغندي بالتدخل ومنذ اللحظات الأولي في القتال ضد المنشقين (المتمردين) من النوير وحلفائهم. وعليه، فإن إعلان الرئيس سلفاكير الجديد، والذي جاء بعيد إعلان الرئيس موسوفيني عن نيته في التدخل في القتال، ليس إلا تحصيل حاصل أو ربما لدفع الحرج مداراة لسوأة السماح بانتهاك أراضي (دولته) الآيلة للإنهيار، ودون إهتمام حتي بإقامة أي مسوق قانوني أو أخلاقي (ولو في الشكل) لمعاهدة دفاعية ما (ضد الإعتداءات الخارجية بالطبع) مع حلفائه فيما يسمي (دول شرق أفريقيا) كما ينبغي أن تفعل (الدول) المتحضرة والمتخلفة أيضا عند الحاجة لهكذا معاهدات وإتفاقيات الخ!! ومن أجل ماذا يا سيادة الرئيس، هل تري الحل باستدعاء الأجنبي للتشفي في قسم من شعبكم وزملائكم من رفاق السلاح والنضال!!
والسؤال المهم الآن ولجميع قيادات دولة الجنوب في الداخل والخارج ... خاصة ومئات الألوف من نسائهم وأطفالهم وشيوخهم يفرون بجلودهم الي الغابات والمجهول، ما العمل وما جدوي الإحتراب الدائر الآن بين جميع مكوناتكم؟ ألم يئن الأوان لكي ترفعوا رؤوسكم ولو قليلا لتدارك المأساة قبل الإنهيار التام وتشتتكم بين الأمم! ألم يحن الوقت للتفكير مليا فيما يخبئه لكم موسوفيني وجيوشه من (التوتسي) في منتصف الغابة!! هل ستتردد دول شرق أفريقيا في إبتلاع ما تبقي من شتاتكم وشتات أهلكم وما كان يعرف يوما بدولة جنوب السودان. إنتبهوا، فالطامعون كثر ومن الإتجاهات الأربع ولا فرق، والكل يستدعي ويشحذ سلاحه ومواهبه الغريزية في الفتك بما تبقي من البقرة الحلوب، والجريحة للأسف.

د. محمد الصادق الحاج أحمد
[email protected]

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1425

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#873499 [مصباح الأمين]
0.00/5 (0 صوت)

12-31-2013 11:17 PM
يا دكتور محمد الصادق اذا كان ما ذهبت اليه من تحليل حقيقة وأن دولة الجنوب ذابت كما يذوب الملح فالماذا ينتظر الشمال أو دولة السودان الأصل التي فقدت بانفصال الجنوب كل شى ز لماذا لا نغتنم هذه الفرصة السانحة ونعيد الأمور الي نصابها يعني نعيد البترول الذي فقدناه بنسبة 100% وهذه فرصة سانحة لن تتكرر والا بعد أيام سنسمع بأنهم دمروا آبار البترول .


ردود على مصباح الأمين
European Union [Mohamed] 01-02-2014 03:21 PM
عزيزي مصباح، شكرا علي مرورك. وللرد علي تعليقك،أأقول أن الغرض من مقالي هو المساعده في توضيح ما يمكن أن تؤدي اليه الصراعات المسلحة الجارية حاليا بين الفرقاء هناك علي فرص بقاء دولة "جنوب السودان" نفسها علي قيد الحياة. والتي نري في بقائها واستمرارها، وإستقرارها، مفتاحا لاستقرار السودان الكبير بجهاته الأربعة (شمالا وجنوبا)! وليس العكس كما يذهب البعض من الشامتين قصيروا النظر، حيث لا مصلحة لأحد في "نفخ النار" المشتعلة حاليا، لكي يمتد أوارها فتحرق الأخضر واليابس و"السائل" أو "البترول" أيضا، وبالمناسبة شمال وجنوب الحدود، اذا ما امتد أوار الحرب الي ما وراء حدود الجنوب، خاصة وأرض السودان "الكبير" حبلي بالصراعات علي الأرض.


د. محمد الصادق الحاج أحمد
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة