01-11-2014 06:24 PM



معظم التيارات والقوى الدينية الموجودة على خارطة السياسة العربية المعاصرة نشأت نشأة بكتيرية!! فالتخلف الحضاري والإنساني العربي وضعف مؤسسة الدولة وعجزها في الكثير من الجوانب عن أداء مهامها أذى إلى نشوء حركات الإسلام السياسي ذات الأيدلوجية المتشددة في اغلب الأحيان ، فالأحزاب الدينية لم تولد ولادة طبيعية في مجتمع طبيعي يسير بخطى ثابتة نحو التنمية الإنسانية والحضارية تحت إدارة الدولة الحديثة والعصرية ، التي تعمل وفق قوانين وأنظمة وتشريعات ناهضة ومتمدنة، حزب الله مثلا ولد أثناء الحرب الأهلية اللبنانية والاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان ، ولم ينشىء في ظل لبنان آمن ومستقر وتحت مظلة مناخ سياسي طبيعي ، ويعتبر حزب الله اليوم احد ابرز المشكلات التي تواجه لبنان باعتباره قوة سياسية وعسكرية وأمنية في مقابل مؤسسة الدولة اللبنانية المتسمة بالضعف والعجز.
في العراق نشأت أحزاب الدعوة الإسلامية والمجلس الأعلى والعمل الإسلامي كردة فعل على إرهاب الدولة أثناء حكم الرئيس السابق صدام حسين، واليوم ونتيجة لضعف مؤسسة الدولة بعد 2003 نشأت عشرات التنظيمات والميلشيات المسلحة ككتائب الحق وحزب الله وجيش المهدي ، علاوة على القاعدة وأتباعها ، وتشكل بمجملها سلطات توازي سلطة الدولة وقوة تماثلها ، وما يعانيه العراق من ضعف الأمن وانهياره في بعض المناطق ، وضعف مخرجات التنمية وإعادة البناء ، والفوضى الواسعة النطاق، ليس سوى نتيجة حتمية لعدم قدرة الدولة على فرض سلطتها وجمع التيارات والقوى الجماهيرية تحت مظلتها.
في اليمن ظهرت حركات الحوثيين والقاعدة والقوى السلفية لنفس السبب ، وتعاني ليبيا من هيمنة الميلشيات المسلحة التي أسقطت نظام العقيد القذافي ، حيث ترفض الاندماج في مؤسسة الدولة وتسعى إلى تشكيل كيانات عسكرية وسياسية مستقلة حفاظا على مصالح قبلية وفئوية.
في البحرين تسود في أوساطها الشعبية والجماهيرية القوى السياسية الإسلامية، أهمها جمعية الوفاق الإسلامية، التي تسعى للاستيلاء على السلطة وإسقاط أجندتها الدينية والأيدلوجية المتعنته
على الدولة والمجتمع.
وفي سوريا سرعان ما انتشرت القوى والميلشيات الدينية المتطرفة، التي اختطفت الثورة السورية وفرضت أجندتها المتشددة في المناطق التي سيطرت عليها، وتسعى اليوم إلى إقامة دولة دينية على غرار إمارة طالبان والمحاكم الإسلامية.
عندما تنشأ الحركات والقوى السياسية في ظروف غير مستقرة ومنظمة ، وفي ظل بيئة يسودها العنف والإرهاب والتخلف ، فإنها بالتالي تحمل موروثاتها وعللها وأمراضها وخلفياتها التاريخية وتعيد إنتاجها مرة أخرى على مستوى التنظيم والحركة، ثم الدولة والمجتمع إذا ما تمكنت من الوصول للسلطة.
إن تغيير مؤسسة النظام السياسي دون تغيير النظام السياسي ذاته، ومن دون إحداث وإجراء تغييرات عميقة وفعلية في البيئة المركزية سيؤدي إلى إعادة تدوير العوامل التي تعيق النهضة والتقدم وفي مقدمتها الدكتاتورية السياسية ، هذا ما حدث في اريتريا عندما غادرها الاحتلال الأثيوبي ، إذ تعاني منذ استقلالها من طغيان نظام الرئيس افورقي ، وهذا ما عانت منه ليبيا بعد سقوط النظام الملكي، حيث قاسى الليبيين وعلى مدى اثنين وأربعين عاما من جنون ودكتاتورية نظام القذافي ، وهذا ما جرى على العراق بعد سقوط النظام الملكي، فقد مارست الأنظمة الجمهورية كافة أشكال الطغيان والقهر الدموي.
إن معظم الأحزاب والقوى السياسية الإسلامية في عالمنا العربي هي جزء من هذا الواقع الأسود ، وليست استثناء ، ففي مصر حكم الإخوان المسلمون لمدة عام واحد، قبل أن ينقلب عليهم الجيش المصري ، وقد كان عامهم اليتيم في الحكم مليء بالأزمات والتخبط وسوء الإدارة، ولو استمروا في السلطة لكان استولوا على الدولة المصرية وأسسوا دولة دينية تعيد سيرة الحاكم بأمر الله!!.
وفي السودان فشلت الجبهة الإسلامية القومية في الحفاظ على وحدة الشعب السوداني، مما أذى إلى انفصال الجنوب.
وبعد سنوات قليلة من مشاركة حماس في الحياة السياسية ، استولت على الحكم في قطاع غزة وحولته إلى كيان سياسي مستقل عن السلطة الفلسطينية ، وها هو اليوم القطاع يعاني من الحصار والعزلة بسبب سياسات حركة حماس وإصرارها على التمسك بالحكم بمعزل عن السلطة الفلسطينية .
وفي لبنان يشكل الجناح العسكري لحزب الله عائقا أمام بناء الدولة اللبنانية، حيث يمتلك ميلشيات تفوق الجيش اللبناني قوة ، ويسيطر على 10% على الأقل من الأراضي اللبنانية كمربعات ومقرات ومعسكرات ، ويمكنه احتلال لبنان وإخضاعه لسيطرته والقضاء على مؤسسة الدولة خلال فترة وجيزة.
وفي العراق أخفقت الأحزاب الإسلامية في بناء دولة عراقية مدنية، حيث انشىء الإسلاميون العراقيون نظام محاصصة طائفي، وفشلوا في إدارة شئون البلاد ، مما أدى إلى نشوء العديد من الميلشيات المتطرفة التي تشكل خطرا وشيكا على استمرارية العراق ككيان سياسي موحد.
لا شك أن تضخم القوى الدينية في العالم العربي وإنشائها أجنحة سياسة قائمة على الدين كنظام وأيدلوجية وثقافة وممارسة، نتيجة طبيعية لفشل الدولة كمؤسسة في أداء واجباتها، على خلفية فشل القوى السياسية التي تديرها، هذا من ناحية ، من ناحية أخرى فان الفشل الذريع للأيدلوجيات التي كانت سائدة في منتصف القرن العشرين والتي قامت عليها بعض الأنظمة العربية في مصر وسوريا وليبيا والجزائر وتونس واليمن وغيرها ، كان أهم عامل في ظهور القوى الدينية ، خاصة التيارات السلفية ، التي يقوم منهجها على استحضار الماضي بكافة نظمه الدينية والاجتماعية والسياسية وإسقاطها على مجتمعاتها، فكانت النتيجة تقديمها لنظام إسلامي دو صورة مشوهة ومقرفة، وهذا لب ما تعانيه منه معظم المجتمعات العربية في عصرنا الراهن ، حيث تصر على التمسك به كنظام حاكم ومتفوق على كافة الأنظمة المركزية الأخرى التي تدير بيئتها ، في نفس الوقت فان هذا النظام غير قادر في أصله وتكوينه على ممارسة هذا الدور، إذ يفتقد للدينامكية التي تمكنه من ألتعاط الايجابي مع المعطيات والمنتجات الحضارية وخلفياتها الثقافية والفكرية ، وفقره الشديد لقيم الحرية والحقوق، وتخلف نظمه وقوانينه ومؤسساته ، والنتيجة هو التخلف المريع الذي تعاني منه مجتمعاتنا العربية.
إن مشكلة العقل العربي انه عقل استعاري إسقاطي، فعندما اعتنق الشيوعية أسقطها على بيئته مما أذى إلى فشلها ، وعندما اعتنق القومية والليبرالية والماركسية وغيرها عمد إلى إسقاطها من دون
العمل على ملائمتها مع بيئته بكافة أنظمتها وامتداداتها ، فكانت النتيجة فشلها الذريع أيضا، وعندما تراجع إلى الأمام! وتقهقر نحو ماضيه اخذ الدين بكل عوامله ومرتكزاته المكانية والزمانية ونظمه الفكرية والثقافية والاجتماعية وخلفياته التاريخية والتراثية وأعاد إسقاطه بحذافيره على بيئته ، مما أذى إلى خلق منظومة دينية مشوهة وقبيحة معادية لعصرها ، وكانت النتيجة الفشل المهول ، ومن الفشل تولد العنف ، الذي بواسطته يحاول الاسلامويون فرض مشروعهم على مجتمعاتهم بالقهر والتعسف ، وهذا ما يحدث اليوم في سوريا ولبنان والعراق ومصر والسودان وليبيا وتونس والبحرين.
يمكن القول على هذا الأساس أن معظم الحركات الدينية العربية ليست سوى حركات فيروسية بكتيرية لم تنشا إلا من الفشل والضعف الذي أصاب مجتمعاتها ، تماما عندما تهيمن الفيروسات والبكتيريا على جسم الإنسان نتيجة لضعفه وقلة مناعته!! فلو كان في اليمن دولة قوية محكمة لما تجرأت إيران على التدخل في اليمن ودعم الحوثيين وتحويلهم إلى قوة عسكرية توازي الجيش النظامي، ولما وجدت القاعدة في اليمن مرتعا خصبا لزرع خلاياها النائمة وتنفيذ عملياتها الإرهابية .
ولو بنيت دولة ناهضة في العراق بعد 2003 لما ظهر فيها جيش المهدي وكتائب الحق وفيلق بدر وحزب الله وأخيرا بكتيريا داعش الإرهابية!!.
ولو كانت البيئة السياسية في مصر قائمة على المدنية وحظر توظيف الدين في السياسة لما ظهر حزب النور السلفي ، وحزب الحرية والعدالة (الجناح السياسي لجماعة الإخوان ) ، ولو قامت الدولة المصرية بواجباتها على خير ما يرام لما عاتت في سيناء القوى الإرهابية الظلامية!!
ولو كان في لبنان دولة قوية حاكمة لما وقعت الحرب الأهلية لمدة خمسة عشر عام، ولو كان يمتلك جيشا قويا وجهاز دولة محكم ومنظومة متطورة لرعاية وبناء الإنسان لما ظهرت الميلشيات المسلحة التي تفوق جيشه وأجهزته الأمنية عددا وعدة! ولما عاتت في أرضه كتائب جيش الشام وعبد الله عزام ! ولما انتهكت حرمة أراضيه مخابرات اصغر الدول واقلها شانا !!
إن امتنا العربية وقعت على ما يبدوا في نفق مظلم جديد لن تخرج منه بسهولة ، إلا إذا أقصي الدين والقيم الروحية عن الحياة السياسية ، وذلك بسن قوانين تحظر إنشاء الأحزاب والقوى السياسية على أساس دينية أو روحية أو عقائدية ، وحصر ممارسة الحقوق السياسية بالأحزاب المدنية والبرامجية ، لتكون الممارسة السياسية بعيدة عن التنظيرات الدينية الطلسمية والماورائية والنزعات المتطرفة والأفكار المذهبية المتشددة ، في هذا الصدد فان في الولايات المتحدة الأمريكية اتجاهات سياسية ودينية غاية في التطرف ، فعلى الصعيد السياسي هناك اتجاهات لا تؤمن بالدولة الأمريكية ، وتسعى إلى تفكيك وفصل الولايات التي تنتمي إليها عنها ، وبعضها يمتلك السلاح أيضا، وهناك اتجاهات دينية أكثر تشددا وتطرفا من داعش والحوثيين!! ولكنها في الوقت الحالي عبارة عن فيروسات وبكتيريا ضعيفة وخاملة!! ليس لها أي اثر في الواقع الأميركي، بسبب قوة الدولة ومرتكزاتها الإنسانية والحضارية ونهضتها العلمية الفذة ، ولكن إذا ما ضعفت الدولة الأمريكية في يوم ما فإنها ستظهر دون شك وقد يكون لها شان، في بلادنا العربية لا نحتاج سوى العمل على إنشاء كيانات وطنية حقيقية لنتمكن من القضاء على
فيروس الحوثيين وبكتيريا داعش وأمثالهما!!
إن الذي أتطلع إليه في هذه المرحلة الدقيقة هو إعادة توجيه العقل العربي نحو المدنية ، حتى يمكن إنشاء قاعدة حضارية منسجمة مع بيئتها وعصرها، نتمكن بها من الخروج من التابوهات والطلاسم ونكون قادرين على نقدس المقدس وإعادة إنتاج بعض الموروث ومن تم توظيفه في بيئتنا العربية المعاصرة، لنبدأ مسيرة جديدة مليئة بالعطاء والحرية والأمل.

[email protected]





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 854

خدمات المحتوى


التعليقات
#883484 [باقية]
0.00/5 (0 صوت)

01-12-2014 08:36 AM
فلتشهدِ الدُّنيا بأنِّيَ داعشي


يا دولةَ الإسلامِ كوني دوحةً .... أزهارُها تقوى بشوكٍ خادشِ

وَلْتصمدي إبَّانَ ظلمٍ غادرٍ .... فهوَ الدَّليلُ على الثَّباتِ (العائشيّ)

كوني على كلِّ اتِّهامٍ باطلٍ .... كالنُّورِ يسطعُ في الضَّبابِ الغابشِ

آذتْهمُ بِمَضائها وَثباتها .... فَعَدا عليها كلُّ حقدٍ طائشِ

(د) دعستْ رؤوسَهمُ بكلِّ بسالةٍ .... فَمَحَتْ أكاذيبَ الهراءِ النَّاهشِ

(ا) أرستْ قواعدَ ديننا في عَزمةٍ .... فالدِّينُ دستورٌ وَليسَ بهامشِ

(ع) عصفتْ بكلِّ مكيدةٍ حِيكتْ لها .... فَغَدا الكذوبُ أمامها كالرَّاعِشِ

(ش) شملتْ جموعَ المنهَكينَ بِبِرِّها .... كالماءِ يبدو صافياً للعاطشِ

فلْتسمعوا إخلاصَنا في قولنا .... رغماً على شرٍّ أثيمٍ فاحشِ :

إنْ كانَ حبُّ الصَّالحينَ تَدَعُّشاً .... فلتشهدِ الدُّنيا بأنِّيَ داعشي


ملاحظة هامة :

لا يُقصَد من هذه القصيدة المتواضعة تسميةُ دولة الإسلام باسم (داعش) ، بل يُقصد منها إغاظةُ أعداء الدولة ، وأنهم مهما سخروا منها : فسنبقى معها ما دامت على المنهج الصحيح إن شاء الله تعالى .
وللعلم :
لفظ (داعش) في اللغة العربية يعني : رائحة المطر الجميل بعد هطوله .


ردود على باقية
United States [LAWLAWA] 01-12-2014 03:02 PM
احتمال يكونو مساطيل ومع ريحة الدعاش (ربطت)..؟؟ فأصبحت (داعش) ..؟؟؟..والله اعلم..؟؟!!


رائد قاسم
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة